وفي الواقع، كان هذا من حسن حظي؛ فلو وصل رد المملكة أولاً، لكنتُ في موقف لا أحسد عليه، مضطرة للمواجهة دون أدنى معرفة بالحقائق.
ورغم أن البيانات كانت مُلخصة، إلا أنها شملت ثماني سنوات من المعلومات في مختلف المجالات، مما جعل التقرير أسمك من أي قاموس معتاد شكرتُ هيرميتش باختصار وعدتُ إلى غرفتي فوراً.
وبما أن غداً هو عطلة نهاية الأسبوع، توجب عليّ إنهاء القراءة الليلة ووضع خطة محكمة قبل لقائي بالكونتيسة غريف.
قلتُ لنفسي: “فلنبدأ أولاً باستكشاف أزمات المملكة المزمنة”.
منحتُ التقرير علامة كاملة بمجرد رؤية الفهرس؛ فقد كان منظماً لدرجة تسهل استنتاج المحتوى بلمحة واحدة فلو اضطررتُ لقراءة هذا المجلد الضخم كلمة بكلمة، لما كفتني ليلة واحدة مهما بذلتُ من جهد.
“البداية ستكون مع التضاريس والجغرافيا”.
هل كان كاتب التقرير يعلم أنني أجهل حتى الطبيعة الجغرافية لوطني؟
إن كان يعلم وصاغ التقرير بهذا الأسلوب، فأنا أرغب حقاً في ضمه لعملي الخاص.
فمن مهارات كاتب التقارير البارع أن يصيغ محتواه بما يتناسب مع مستوى معرفة القارئ.
“إنه مكسبٌ مغرٍ، لكن لا أظن أن هيرميتش ستتخلى عن شخص بمثل هذه الموهبة بسهولة”.
يا للأسف، لماذا ينتمي كل المبدعين في هذا العالم لأسياد آخرين؟
سيكون الأمر رائعاً لو عملوا جميعاً تحت إمرتي. نقرتُ بلساني بأسف، ثم فتحتُ الصفحة التي أنشدها.
“يبدو أنني حقاً لا أعرف شيئاً عن مملكة لامور”.
لا جغرافيا، ولا تاريخ، ولا حتى تفاصيل العائلة المالكة الحالية.
كنتُ أظن أن وضعي الحالي يشبه حياتي السابقة، لكنني أدركتُ الآن أنني في هذه الحياة لا أحمل ذرة اهتمام بأقاربي، لدرجة لا تقارن بالماضي.
قد يقول البعض إن هذا طبيعي بما أنني غادرتُ البلاد في سن الثالثة، لكنني في حياتي السابقة لم أكن هكذا ففي الماضي، ظللتُ متمسكة بعائلتي حتى النفس الأخير لمجرد أن دماً واحداً يجمعنا.
لقد مررتُ بكل شيء؛ اختاروني كخليفة لرئاسة العائلة لذكائي، ثم نبذوني بمجرد ولادة وريث مباشر، ثم أجبروني على تحمل مسؤولية العائلة وهي تنهار لمجرد أن رب الأسرة مات قبل أن يكبر ذلك الطفل، وبعد أن كبر، طردوني مجدداً بحجة أنني لستُ من النسل المباشر.. ورغم كل ذلك، لم أتخلَّ عنهم.
“أنتِ لينةٌ جداً، وهذا ما يجعل الحشرات تلتف حولكِ اقطعي صلتكِ بهم بصرامة، وإن أردتِ، سأعيركِ سلطتي.. بل هل أغير لكِ اسم عائلتكِ؟”
عندما أغمض عيني، يتردد صدى صوت الإمبراطور الغاضب في أذني في ذلك الوقت، كنتُ أظن أن جلالته يبالغ ويطلب المستحيل؛ فكيف للمرء أن يقطع صلة الرحم؟ كنتُ أعتقد أنه مهما كانت معاملتهم لي، لا يمكنني التخلي عنهم ما دام دمنا واحداً.
أما في هذه الحياة، فلم أكن أحمل تجاه أولئك الذين يستغلونني سوى اللامبالاة التامة، دون حتى ذرة من الكراهية.
لا أدري إن كان هذا تغييراً في عقليتي كما تمنى الإمبراطور، أم أنني ما زلتُ أعتبر عائلة لي هي أهلي الحقيقيين دون غيرهم.
“على أي حال، أتساءل إن كان جلالته سيفرح بهذا…”
لأنني لم أعد مقيدة بأوهام صلة الدم.
تذكرتُ وجه الإمبراطور وهو يقول ببرود إنه قد يهبني مملكة لامور بأكملها.
أدركتُ فجأة أنني أعبث بدرج الرسائل التي جمعتُها من جلالته، فسحبتُ يدي بسرعة.
رغم أنني طلبتُ منه التوقف عن مراسلتي وقد استجاب لطلبي، إلا أنني لا أعرف لماذا يخطر ببالي هكذا بين الحين والآخر.
“الجغرافيا.. الجغرافيا..”
تأكدتُ من كفاية الزيت في المصباح، ثم غصتُ في قراءة التقرير
. كان يتضمن خرائط جعلت الفهم يسيراً جداً.
الخريطة التي أراها بتمعن لأول مرة في عامي الرابع عشر، أظهرت وطناً تحده سلاسل جبلية من الشمال والغرب، بينما تترامى وسطه سهول شاسعة.
“…. ومع ذلك، فكروا بذكاء في التحالف مع الإمبراطورية”.
تقع إمبراطورية رتائيل شمال مملكة لامور، بينما تقع مملكة كارتيان في الجنوب بوجود حاجز طبيعي كالجبال الوعرة بيننا وبين الإمبراطورية، كان الأجدر بنا أن نخشى مملكة كارتيان، أليس كذلك؟
فرغم شأن الإمبراطورية العالي، إلا أنها لن ترسل جيوشها بسهولة لحماية لامور.
لكن علامات الاستفهام تلاشت مع متابعة القراءة.
فالمشكلة الأكبر لمملكة لامور كانت القبائل الهمجية التي تسكن تلك الجبال.
كانت هي المعضلة الأساسية وسبب معظم الأزمات التي تعاني منها المملكة.
في الواقع، كانت لامور بلداً مباركاً رغم صغر مساحته؛ فلديه حاجز جبلي يحميه من الإمبراطورية القوية، وسهول واسعة، وموارد طبيعية متنوعة، ومناجم غير مستغلة، فضلاً عن موقع استراتيجي في قلب القارة يسهل التبادل التجاري.
لكن المعضلة الحقيقية كانت تكمن في تلك السلاسل الجبلية التي تحمي نحو نصف الحدود؛ حيث يقطنها محاربون همجيون على قدرٍ هائل من البسالة.
كانت الجبال وعرة وغير صالحة للعيش المستقر، وحتى محاولات الزراعة بحرق الغابات لم تكن تنتج محاصيل كافية لسد الرمق، وفي فصل الشتاء، كانت طرائد الصيد شحيحة لدرجة الانعدام.
نتيجةً لهذا الوضع، اعتاد الهمجيون الهبوط من الجبال مع كل شتاء لنهب محاصيل الخريف المخزنة. تلك السهول الخصيبة الممتدة عند سفوح الجبال كانت تملك من الإمكانات ما يكفي لإطعام المملكة وزيادة، لولا غاراتهم المتكررة.
ولكن، وبسبب غارات النهب المتكررة هذه، اضطرت مملكة لامور إلى استصلاح مساحات شاسعة أخرى وتحويلها إلى أراضٍ زراعية كبديل ولأن نسبة الأراضي المنزرعة أصبحت تشغل حيزاً كبيراً من مساحة البلاد، لم تعد هناك قدرة أو موارد لتطوير صناعات أخرى.
أما عن تعزيز القوى الدفاعية، فقد كان الأمر يعني إطعام جيشٍ يظل عاطلاً عن العمل طوال فصول الربيع والصيف والخريف، فقط لمواجهة أولئك الهمجيين الذين لا يهبطون إلا في الشتاء.
وفي وقتٍ مضى، خطط أحد الملوك لحشد قوات ضخمة بهدف سحقهم نهائياً، غير أن تضاريس الجبال الوعرة والمعقدة التي كانت تحمي حدود المملكة، كانت في الوقت ذاته ملاذاً آمناً يختبئ فيه الهمجيون؛ فهم قد عاشوا هناك لأجيال، وبمجرد فرارهم إلى أعالي الجبال، يصبح الإمساك بهم أمراً أقرب إلى المستحيل.
باءت تلك المحاولة بفشلٍ ذريع؛ فقد استنزفت نفقات الجيش الضخم موارد البلاد، مما أدى إلى مجاعةٍ فتكت بالشعب وبعد تلك الكارثة، قطعت المملكة الأمل في بناء قوة عسكرية كبرى، واكتفت بالحد الأدنى من الدفاع.
“أمرٌ مألوف…”
ما لم يظهر عبقري فذٌّ لم يجد الزمان بمثله ليقضي عليهم، فمن الشائع جداً أن نجد سلالات حاكمة تظل لعشرات أو مئات السنين تؤرق رأسها بغارات الهمجيين المستمرة.
لكن الفرق يكمن في الحجم؛ فالدول الكبيرة لا تتأثر كثيراً إذا غزا الهمجيون طرفاً من أطرافها، بينما تظل بقية أقاليمها مستقرة.
أما مملكة لامور، فنظراً لصغر مساحتها المتناهي، كانت تلك الغارات تعصف بالبلاد بأكملها وتجعلها تحت رحمتهم.
في الواقع، لو أن المملكة حين استجمعت قواها العسكرية هاجمت الدول المجاورة لتوسيع رقعتها بدلاً من الانشغال بالهمجيين، لربما كان ذلك حلاً أفضل.
بالطبع، هذا الافتراض قائم على أن الهمجيين وقتها لم تكن لديهم طموحات سياسية، وكانوا سيكتفون بنهب الطعام دون استغلال خلوّ البلاد من جيشها.
على أية حال، بما أن قصة ذلك الملك تعود لعقود مضت، فقد تجاوزتها سريعاً لأتابع القراءة.
المهم في الأمر، أن مملكة لامور تمتلك مناجم متنوعة، لكنها لم تشرع في تطويرها بشكل جدي وبسبب سكن الهمجيين في الجبال، باتت تلك المناطق تعج بقطاع الطرق، مما جعل التبادل التجاري عبر الشمال والغرب مستحيلاً وأدى ذلك إلى حصر كافة التعاملات مع الدول الأخرى عبر جهتي الجنوب والشرق، مما أجبر المملكة على التخلي عن ميزتها الجغرافية بكونها تقع في قلب القارة.
“لكن، هذا هو السبب الذي أبقى على وجودها حتى الآن”.
فبسبب كل هذه التعقيدات، تحولت مملكة لامور ــ رغم ظروفها الطبيعية الساحرة ــ إلى ما يشبه غصة في الحلق ؛ فمن يريد الاستفادة من هذه البلاد عليه أولاً حل معضلة الهمجيين، وبمجرد حلها ستتحول المملكة إلى فريسة مغرية جداً للجميع وبذلك، فإن الطرف الذي سيسبق غيره للقضاء على الهمجيين سيكون هو الخاسر؛ لأنه سيستنزف قوته في تطهير البلاد، ليجد المتربصين من كل جانب ينقضّون على الفريسة التي أصبحت جاهزة للأكل.
“بالتأكيد، لستُ الوحيدة التي فكرت في هذا الأمر”.
فمن المنطقي أن يفكر بعض الملوك السابقين هكذا
“الأمر مزعج، لكن ما يتبقى لنا بعد نهب الهمجيين يكفينا للعيش وبفضل وجودهم، لسنا مضطرين لإرهاق أنفسنا بشؤون الدفاع المعقدة؛ فلنعتبر الطعام المنهوب ضريبةً ندفعها مقابل الدفاع عن حدودنا، ولنترك الأمر على ما هو عليه”.
أقول هذا لأن ردود فعل المملكة تجاه الهمجيين كانت سلبية للغاية؛ فلو لم يفكروا بهذا المنطق، لظهرت وسائل دفاعية متنوعة، حتى وإن لم تصل لدرجة المغامرة بمصير الدولة كما فعل ذلك الملك قبل عقود.
لكن المملكة تكتفي دائماً بالمواجهة بما لديها من جنود في كل شتاء ينزل فيه الهمجيون هذا في الواقع أقرب إلى الإهمال المتعمد
“أعتقد أن هذا الأمر يمكن استغلاله”.
لقد مرّت عليّ في حياتي السابقة جماعاتٌ لا تُحصى من هذا الطراز، حين كنتُ أقود الفتوحاتِ وأعيدُ تنظيم نصف القارة. تلك المجموعات التي تفتقر لمفهوم الدولة، وتقتاتُ فقط على الغزو والصيد.
ربما ليس في المملكة فحسب، بل في القارة بأكملها، لا يوجد من هو أخبر مني في التعامل مع هؤلاء الهمجيين
نقشتُ هذه المعلوماتِ جيداً في ذاكرتي، ثم رحتُ أقلّبُ ما تبقى من صفحاتِ التقريرِ بتركيزٍ عميق
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 110"