ضغطتُ على شفتيَّ بقوةٍ محاولةً كبح معالم السرور الطاغي على وجهي.
لو طاوعتُ قلبي لكنتُ قد فرقعتُ أصابعي حماساً، لكن ذلك سيبدو فظًا للغاية.
تنحنحتُ لأصقل نبرة صوتي جيداً قبل أن أتابع
“وتلك النقابة التي تربطها صلة بعائلتكِ لا تكتفي بجمع المعلومات من داخل الإمبراطورية فحسب، بل تمتد أنشطتها لتشمل الدول المجاورة أيضاً.”
تسارعت حركة أصابع هيرميتش وهي تعبث بطرف تنورتها بتوتر ملحوظ.
“وبتعبير أدق، لا بد أنكم ركزتم على جمع معلومات تفصيلية عن مملكة لامور بالذات.”
هنا، لم يعد بإمكاني كبح جماح ابتسامتي أكثر من ذلك، فأطلقتُ لها العنان ورسمتُ على وجهي ابتسامة مشرقة وأنا أعيد طرح سؤالي
“لأنني هنا، أليس كذلك؟”
فأنا لا أعرف سبباً واحداً يجعل مملكة لامور تحظى بأهمية تفوق جاراتها من الدول الأخرى سوى سبب واحد؛ تلك الأميرة التي تُعد رفيقة تسلية للدوق، وتحظى بدلال الإمبراطورية والإمبراطورة الأم..
أنا تحديداً.
***
“لأنني هنا، أليس كذلك؟”
ابتسمت بلانش إشراقةً واسعة.
تلك الملامح التي كانت دوماً باردة وخالية من التعبير، حين تزيّنت بالابتسامة، أشرق وجهها وكأن زهرةً قد تفتحت للتو وفي تلك اللحظة، أدركت مِدرِت مجدداً وبشكل ملموس مدى جمال الفتاة التي تقف أمامها.
آه، نعم.
كان هذا هو السبب الذي جعلها تستخف بهذه الفتاة سابقاً؛ فقد ظنت أنها أغوت الدوق بجمال وجهها فحسب وبناءً على ذلك، قدرت أنه بمجرد أن يفقد الدوق اهتمامه بها، فلن تستطيع استعادة حظوته أبداً.
لكن الفتاة التي أمامها الآن كانت بلا ثغرات، وتفيض بالجرأة.
لم تفوت فرصة واحدة، بل سحبت أوراق خصمها واستخدمتها وكأنها أوراقها الخاصة لقد أثبتت بأفعالها أن حظوة الدوق وحدها لا تكفي للنجاة في القصر الإمبراطوري لمدة عشر سنوات.
اعتدلت مِدرِت في جلستها بتوتر، فقد أيقنت أنه لا يجب عليها تكرار خطأ الحكم الخاطئ على خصمها مرة أخرى.
“…… الأمر كذلك بالفعل.”
اعترفت مِدرِت وكأنها تبوح بسر.
من المؤكد أن بلانش كانت شخصية فذة تستحق أن توجه مملكةٌ كاملةٌ جلّ اهتمامها نحوها كان يجب عليها ألا تنسى هذه الحقيقة، وشعرت بمرارة الندم تملأ حلقها.
“بمعنى آخر، لقد توصلتم إلى أن وطني لا وزن له، وأن الخطر الوحيد الذي قد يواجهكم إذا آذيتموني هو الدوق الأكبر، رغم أنه ليس موجوداً معي الآن، اليس كذلك ؟”
رغم أن هذا ما فكرت فيه تماماً، إلا أن سماع الأمر بشكل مباشر جعل مِدرِت تشعر بعدم الارتياح قليلاً.
“أنا فضولية حقاً لمعرفة نوع المعلومات التي اطلعتم عليها.”
لكن شعور عدم الارتياح سرعان ما تبدد، إذ أدركت مِدرِت أن هذه فرصة ذهبية لقد كانت تظن أن علاقتها ببلانش لا يمكن إصلاحها، خاصة وأن بلانش لم تعلن مسامحتها رسمياً بعد الاعتذار العلني.
لكن، ربما…
“هل تودين الاطلاع عليها؟”
ربما يكون الإصلاح ممكناً؟
ففي النهاية، ها هي بلانش تستدعي مِدرِت بمفردها للحديث، وتبدي اهتماماً بالمعلومات التي تملكها.
ألا يمكن استغلال هذا لاستعادة العلاقة بينهما؟
على المدى البعيد، كان الحصول على ودّ بلانش أمراً ضرورياً، فخلافاً لتقدير مِدرِت لم يصرف الدوق نظره عنها في النهاية لذا، قررت مِدرِت إلقاء الطُعم لبلانش، دون أن تدرك أنها هي من تبتلع طُعم بلانش في الحقيقة.
“حقاً؟”
اتسعت عينا بلانش، وبدا واضحاً أنها ترحب باقتراح مِدرِت
“سيكون ذلك عوناً كبيراً لي.”
لكن تلك الابتسامة المفعمة بالثقة كانت تقول إن هذه المعلومات لن تكون عوناً كبيراً كما تدعي.
تقتضي قوانين جمع المعلومات ألا يُمنح شيءٌ مجاناً؛ لأن البشر لا يقدرون قيمة ما يحصلون عليه بلا مقابل فالعطاء المجاني لا يجلب الشكر، بل يُرخص من قدر المعلومة ذاتها.
لقد سمعت مِدرِت هذه النصيحة حتى سئمت منها بصفتها وريثة الكونت.
لكن، من سيشتري أخباراً عن مملكة لامور أصلاً؟
وهذه الفتاة التي كانت تبدو زاهدة في كل شيء، ولا تبالي بالبقاء وحيدة في الأكاديمية، أبدت اهتماماً لأول مرة بشيء ما.
ألا يكفي أن يكون الثمن هو مجرد تلطيف موقف بلانش تجاهها؟
لقد أخطأت مِدرِت التقدير مجدداً، وهو خطأ نابع من صغر سنها، وخوفها، ومن كون خصمها هي بلانش.
“سأجهزها لكِ إذن معلومات العام الأخير ــ”
“عام واحد؟”
أمالت الفتاة التي أمامها رأسها جانباً بتساؤل.
وبسبب ميلها لارتداء ملابس شديدة الرسمية والأناقة، كانت بلانش تبدو في لحظات صمتها وخلو وجهها من التعبير كدمية حقيقية؛ دمية حية تثير في النفس قشعريرة غامضة.
لم تستطع مِدرِت تمالك نفسها، فارتجفت قليلاً وأطبقت شفتيها.
“إن كنتم قد بدأتم بجمع المعلومات بسببي، فلا أظن أن مدة اهتمامكم بالمملكة تقتصر على عام واحد فقط.”
“آه، نعم.. في الواقع، بدأنا بمراقبة المملكة عن كثب منذ ثماني سنوات…”
تحديداً منذ اللحظة التي ظهرت فيها الأميرة بلانش لأول مرة في الأوساط الاجتماعية، حين قدمت حصاناً أصيلاً للإمبراطورة في حفل عيد ميلادها؛ منذ ذلك الحين ونقابة عائلة هيرميتش تترصد كل حركة.
لكن، أليس من المبالغة تسليم معلومات ثماني سنوات كاملة؟
ففي النهاية، لم يكن هذا العرض سوى طعم لتهدئة عداء بلانش، و—
إلا أن بلانش حسمت الحوار بلهجة قاطعة
“إذن، سأعتبر أنني سأتسلم معلومات السنوات الثماني كاملة.”
كانت نبرتها توحي بنهاية اللقاء وكأنها على وشك طردها، مما جعل مِدرِت تسرع بالاعتراض
“ولـ.. ولكن.. الكمية ضخمة جداً، و…”
“يا إلهي! ألم يكن من البديهي أن يتم تنظيمها وتلخيصها بشكل لائق قبل تسليمها لي؟ أليست هذه وظيفة نقابة المعلومات؟”
ارتبكت أفكار مِدرِت وتداخلت بالتأكيد، تمتلك النقابة سجلات السنوات الثماني، لكن مِدرِت نفسها لم تكن تنوي الاطلاع عليها كلها.
كل ما كان بحوزتها هو تقرير عن تحركات العام الأخير، وتحديداً تفاصيل رد فعل المملكة بعد سقوط بلانش إثر محاولة تسميمها.
تسليم ذلك التقرير كان أمراً هيناً، ولكن معلومات ثماني سنوات؟ ومع ملخص وافٍ أيضاً؟
سيتطلب الأمر الاستعانة بخبراء النقابة مجدداً ولكن بأي ذريعة؟
لو اعترفت بأنها ستسلم المعلومات للأميرة بلانش مجاناً، فستتعرض للتوبيخ بتهمة إهدار ما تعلمته عن قيمة المعلومات وبما أنها تقضي فترة عقوبة بسبب أزمتها مع بلانش، فمن المؤكد أنهم لن يستجيبوا لطلبها بسهولة كما في السابق.
بينما كانت مِدرِت غارقة في حيرتها تبحث عن وسيلة لإقناع الأميرة، هزت بلانش كتفيها بلا مبالاة كأنها فقدت الاهتمام تماماً.
“يبدو أن لديكِ ظروفاً خاصة؟ لا بأس إذن، فثمة الكثيرون غيركِ ممن يمكنهم إخباري عن شؤون وطني.”
خبا بريق الاهتمام في عينيها بشكل ملحوظ مقارنة بما كان عليه قبل قليل، مما زاد من ذعر مِدرِت
أشاحت بلانش بنظرها وأضافت وكأنها تحدث نفسها
“بالطبع، سيتطلب الأمر بعض الوقت إذا طلبتُ من شخص آخر البحث في الأمر من جديد.. ولكن، ما الضير في قليل من الانتظار؟”
كانت كلمات بلانش مصيبة، وهذا ما زاد من وطأة الموقف على مِدرِت
ظنت مِدرِت في البداية أن هذه المعلومات لا قيمة لها لعدم وجود طلب عليها، لكنها أدركت الآن أن الراغبين في شرائها بأبهظ الأثمان -فقط لنيل رضا بلانش- كُثر؛ ويكفي دليلاً على ذلك، أن الدوق الأكبر تكبّد عناء المجيء بنفسه من أجل هذه الفتاة قبل شهرٍ واحدٍ فقط.
كانت المقارنة واضحة في ذهنها: أيهما أجدى؟
بيع تلك المعلومات لهؤلاء وجمع المال، أم تقديمها لبلانش مباشرة لبناء جسور الود معها؟
الإجابة كانت بديهية.
كان لزامًا عليها، بأي ثمن، منع بلانش من الاستمرار في اتخاذ موقف عدائي تجاهها.
“آه، لا.. أبداً كنتُ أفكر فقط فيما إذا كان سموّكِ ستتفضلين بالصبر عليّ، إذ إن ترتيب هذه البيانات قد يستغرق بعض الوقت بالطبع، يمكنني تزويدكِ بملخص لمعلومات السنوات الثماني كاملة، فالأمر ليس بالصعوبة التي تتخيلينها.”
قررت في نفسها أنه إن لم تنفع الذرائع، فستدفع ثمن تلك المعلومات من مالها الخاص وينتهي الأمر.
ألم تكن جدتها تقول دائماً: ‘العقدة التي تعقدها بيديك، عليك أن تتعلم كيف تحلها بنفسك؟’
وهذه هي الفرصة السانحة لفك تلك العقدة، وفي سبيل ذلك، كان إنفاق بعض المال أمراً يهون تحمله.
“هكذا إذن.”
عادت الابتسامة لتشرق على وجه بلانش من جديد.
نعم، أي شيء سيكون أهون من معاداة مَن قد تصبح زوجة الدوق الأكبر القادمة، بل وإمبراطورة المستقبل وبدأت مِدرِت تحسب في رأسها تكلفة معلومات السنوات الثماني عن مملكة لامور ى والمصاريف الإضافية لتنقيحها، وهي ترسم على وجهها ابتسامة عريضة.
****
“حسناً، سأستأذنُ بالانصرافِ الآن.”
“بالتأكيد، رافقتكِ السلامة.”
ودّعتُ هيرميتش بابتسامةٍ مشرقةٍ وهي تغادرُ الغرفة.
ولم تفارق تلك الابتسامة وجهي حتى بعد أن أُغلق الباب، فقد كنتُ أشعرُ بسعادةٍ حقيقيةٍ غمرت قلبي.
“حقاً، لا شيء يضاهي شعورَ جعلِ الآخرين مديونين لكِ.”
حتى وإن كانت لامور مملكةً صغيرةً ومنزوية، فإن تكلفةَ معلوماتِ ثماني سنواتٍ لن تكون زهيدةً بأي حال وبالنسبة لي، وأنا التي أنفقُ جلَّ مدخراتي على الأبحاث الأكاديمية وما يتبقى منها يذهبُ لشراء وتأثيث منزلي في العاصمة، كان من الممكن أن يكون هذا المبلغ عبئاً ثقيلاً عليّ.
لكن، أن أتمكن من تسويةِ كل ذلك مقابل صفعةٍ واحدةٍ تلقيتُها سابقاً.. فكيف لا أبتهج؟
لهذا السبب يجبُ على المرء أن يعلو شأنه ويجعلَ الآخرين مدينين له؛ فعندما يحينُ وقتُ الحاجة، يمكنكِ الحصولُ على ما تريدين دون أن تخسري شيئاً من جيبكِ.
“والآن، لم يتبقَّ سوى الانتظارِ بهدوءٍ لنرى أيُّ الطرفين سيلتقطُ الطُعم أولاً.”
هل سيصلُ ردُّ المملكة أولاً، أم ستسبقها هيرميتش بإحضار المعلومات؟
رحتُ أحسبُ الاحتمالاتِ وأنا أنقرُ بأصابعي على سطحِ المكتب بخفة.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 109"