قُدّم العشاء على نحوٍ مثالي لا تشوبه شائبة، حتى في نظر الكونتيسة غريف.
وبدا أن هذا المثالي هو تحديداً ما أفسد مزاج الكونتيسة؛ فلو وجدت ثغرات كثيرة لتذمرت منها واتخذتها ذريعة للتحكم بي وزعزعة ثقتي، أليس كذلك؟ كتمتُ نواياي وابتسمتُ لها برقة.
“أشكركِ على هذا الاستقبال الحافل.”
بالطبع، لم تسمح الكونتيسة غريف لمشاعرها الحقيقية بالظهور على وجهها، وهذا أمر متوقع من شخص نجا وعاش طويلاً داخل أروقة البلاط الملكي.
“بالمناسبة، بخصوص ما قلناه سابقاً.. أنا حالياً طالبة في الأكاديمية، أليس كذلك؟ فكيف تعتزمين القيام بدور معلمة الإتيكيت الخاصة بي؟”
انتظرت الكونتيسة غريف حتى مضغت طعامها تماماً قبل أن تفتح فمها للحديث.
رغم أنني تعمدتُ توجيه السؤال لها وهي تضع الطعام في فمها، إلا أنها لم تجعلني أنتظر طويلاً.
حتى أنا، بكل ما أوتيتُ من دقة، لم أستطع العثور على زلّة واحدة في أصول تعاملها
“… بما أنكِ تستطيعين الخروج في عطلات نهاية الأسبوع، أعتزم إعطاءكِ الدروس في تلك الأوقات.”
“وهل قواعد الإتيكيت التي ستعلمينني إياها تخص الإمبراطورية أم المملكة؟”
“إنها تخص المملكة.”
“بخصوص هذه النقطة..”
أدرتُ السكين التي كنتُ أمسكها بين أصابعي ووجهتُ نصلها نحو الكونتيسة.
كان تصرفاً أرعقاً ومنافياً للذوق سواء بمعايير المملكة أو الإمبراطورية، ومع ذلك لم تنبس ببنت شفة.
يبدو أنها خلال جلوسها في الغرفة لتهدئة رأسها، أدركت أنني أحاول استفزازها عمداً.
حقاً، لا تملك أي سمة تبعث على الارتياح.
“لقد نصحتِني قبل قليل بالحفاظ على علاقة وثيقة مع سمو الدوق.”
كان وصف نصيحة تجميلاً كبيراً لقولها الوقح، لكنني قررتُ تلطيف التعبير؛ فبما أنها تغاضت عن وقاحتي، كان عليّ أيضاً التغاضي عن جسارة قولها ليتحقق التوازن.
“إذاً، ألا ترغب المملكة في بقائي هنا في الإمبراطورية؟ فما النفع الذي سيعود عليّ من تعلم قواعد إتيكيت المملكة؟”
“بما أنكِ تسألين بمثل هذا التفصيل، فسأجيبكِ بكل صراحة.”
وضعت الكونتيسة غريف أدوات المائدة جانباً ومسحت فمها بالمنديل بوقار.
يبدو أنه لا توجد لديهم في المملكة عادة مناقشة الأمور السياسية أثناء تناول الطعام، والحقيقة أنها ليست عادة مستحبة في الإمبراطورية أيضاً خلال وقت العشاء.
“كنتُ أنوي إخباركِ بذلك أثناء الدروس الفعلية.. ولكن بما أنكِ سألتِ، فسأصدقكِ القول ما سأقوم بتعليمه لسموكِ تحديداً هو إتيكيت البلاط؛ أي كيف تديرين الأشخاص وكيف تتصرفين في الأوساط الاجتماعية، وهذه أمور لا تختلف كثيراً بين المملكة والإمبراطورية.”
قد يكون هذا المنطق مقبولاً لمن يملكون عقلاً مرناً يسهل تشكيله، لا لعقلٍ يدرك حقائق الأمور.
فكيف يمكن لسبل البقاء في الأوساط الاجتماعية أن تتشابه بين دولة ذات نظام طبقي مرن وأخرى تلتزم بنظام طبقي صارم؟
سخرتُ من الكونتيسة غريف في داخلي، لكنني لم أظهر ذلك على تقاسيم وجهي.
يبدو أن عضلات وجهي، التي لم تكن تطاوعني حين كنتُ صغيرة، أصبحت الآن تتحرك تماماً وفق إرادتي، بدليل أن الكونتيسة لم تلحظ شيئاً.
“آه، أفهم ما تعنين إذًا، لنعد إلى موضوعنا السابق.. هل يكفي حقاً أن تقتصر الدروس على عطلات نهاية الأسبوع؟”
“… لا يمكنني أن أطلب من سموكِ التغيب عن الأكاديمية من أجل هذه الدروس.”
حسناً، فهمتُ الآن أن المملكة لا تنوي سحبي من الأكاديمية في الوقت الحالي.
ويبدو أيضاً أنه طالما التزمتُ بحضور هذه الدروس ، فلن تكون هناك إجراءات تصعيدية أخرى لفترة من الوقت.
“وإلى متى تقدّرين أن تستمر هذه الدروس؟”
“بالطبع، حين تتقن سموكِ قواعد إتيكيت البلاط هذه—”
“هذا أمر بديهي.”
لوحتُ بيدي مقاطعةً وأنا أرتشف الماء.
“أقصد المدة التي تتوقعينها أنتِ كم تستغرق عادةً تربية أقراني على قواعد إتيكيت البلاط؟”
“في المعتاد، يستغرق الأمر نصف عام إذا كانت الدروس يومية أما في حالة سموكِ، حيث تقتصر الدروس على عطلات نهاية الأسبوع.. ومع وضع الإجازات في الحسبان، أعتقد أننا سنحتاج لعام كامل.”
عام كامل؟ هذا غير مقبول بتاتاً.
صرحتُ بكل حزم
“سنجعلها عامين فخلال الإجازات، عليّ العودة إلى القصر الإمبراطوري للمثول بين يدي جلالة الإمبراطورة.”
في الحقيقة، لقاء صاحب الجلالة وفانيا هو أولويتي، لكن التذرع بلقاء ليانا كان عذراً أفضل أمام مبعوثة المملكة.
وكما توقعت، بمجرد ذكر الإمبراطورة، بدأت الكونتيسة غريف تنظر إلى اقتراحي بجدية أكبر.
“… أعلم أن هذا قد يجافي الأصول، ولكن بما أن الأمور آلت إلى ما هي عليه، فنحن الآن في قارب واحد.”
لم أكن أشاطرها هذا الرأي بتاتاً، لكنني تركتُ الكونتيسة غريف تغرق في أوهامها.
ففي النهاية، بمجرد أن يشعر الطرف الآخر بوجود مصلحة مشتركة، سيبدأ تلقائياً بالقلق على سلامتي بالنيابة عني.
ورغم أن هذا قد يزيد من تذمرها، إلا أنني أستطيع تحمل ذلك.
“هل لا تزال حظوتكِ لدى جلالة الإمبراطورة قائمة كما كانت؟”
حين نطقت بتلك الكلمات، ارتسم ظلٌّ من الكدر على وجه الكونتيسة غريف.
أجل، ليس من الهين على امرأة في سنّها أن تتحدث عن نيل الرضا والحظوة مع طفلة لم تعش ربع عمرها وتكرمتُ عليها بالتظاهر بأنني لم ألحظ ارتباكها ذاك.
“وهل تظنين حقاً أنني ابتعدتُ عن جانب سمو الدوق دون أن أؤمّن لنفسي مخرجاً أو تدبيراً مسبقاً؟”
بما أنني لا أرغب في التورط مع صاحب الجلالة مجدداً، فقد يكون من الأفضل توجيه الأنظار نحو هذا الاتجاه.
حتى وإن لم أصبح المحظية المفضلة للدوق، فإن كوني نجمة اجتماعية تحظى بتقدير الإمبراطورة سيعود بالنفع على المملكة بشكل أو بآخر.
رغم أنني لا أعرف حجم التوقعات التي يعلقها الملك على الكلبة الأليفة للدوق.
“تتفضل جلالة الإمبراطورة، مشكورةً، برعايتي وتيسير شؤوني؛ لذا ارتأيتُ أن التريث وانتظار الفرصة المناسبة بحكمة خيرٌ من التخبط المهين لاستجداء ودّ سمو الدوق من جديد، والظهور بمظهرٍ لا يليق بمكانتي.”
انسابت الأكاذيب من لساني بسلاسة عجيبة رغم أنني لم أبذل جهداً في تجميلها؛ فكل ما كان يهمني في تلك اللحظة هو كسب الوقت فحسب.
كنتُ أرغب في استبقاء الكونتيسة غريف بجانبي لأطول فترة ممكنة، فهي من ذلك النوع الذي خبرتُ التعامل معه جيداً فالشخص الذي يمكنكِ توقع تصرفاته هو خصمٌ يسهل ترويضه والتحكم به، بغض النظر عن مشاعركِ تجاهه.
حتى أنني تمنيتُ في قراري نفسي لو استمر هذا التدريب لأربع سنوات كاملة.
فبحلول ذلك الوقت، سأكون قد استوفيتُ شروط التخرج بينما لا تزال المملكة غارقة في جدالاتها حول مَن سترسل بدلاً منها أو مَن هو الأنسب للمهمة.
أجابت الكونتيسة غريف بملامح يكسوها ارتياحٌ طفيف
“إنه لأمرٌ يثلج الصدر حقاً إذاً، وكما تفضلتِ، سيكون من الحكمة أن تعودي إلى القصر الإمبراطوري خلال العطلات لتجديد حضوركِ والحفاظ على حظوتكِ لدى جلالة الإمبراطورة، وحبذا لو استغللتِ الفرصة للمشاركة في المحافل الاجتماعية أيضاً.”
“أنا أشاطركِ الرأي تماماً في هذه النقطة.”
كان عليّ أن أجد شخصاً يملك صلاتٍ تربطه بالمملكة؛ فمن بين معارفي الحاليين، لا يوجد مسارٌ واحد يوصلني إلى هناك، ولم يكن بيدي حيلة حيال ذلك.
لُمتُ نفسي مجدداً على عدم اكتراثي الزائد بشؤون موطني الأصلي؛ لقد استرخيتُ كثيراً لأن الأمور كانت تسير على ما يرام، ولو كنتُ في حياتي السابقة، لما حدث مثل هذا التقصير أبداً.
تباً، أحاول حقاً أن أجعل الحوار يسير بهدوء، ولكن… كظمتُ غيظي بصعوبة بينما شعرتُ بيدي تنقبضان رغماً عني.
“كونتيسة غريف، لقد قلتِ قبل قليل إننا في قاربٍ واحد، أليس كذلك؟”
“نعم، بكل تأكيد.”
“إذاً، سأسألكِ بصراحة.. ما الذي تنوي المملكة صنعه بي؟”
كان هذا السؤال بمثابة اختبار لقوة استخبارات المملكة؛ هل يعرفون أنني كنتُ على وشك أن أصبح زوجة الدوق فعلياً؟ وهل يدركون حقيقة عُقم ليانا، مما يعني أن من تصبح زوجة للدوق ستكون إمبراطورة المستقبل بلا شك؟
“… ستبذل المملكة، بطبيعة الحال، قصارى جهدها لتنصيب سموكِ في مقام زوجة الدوق.”
عدم ذكرها للقب ولية العهد جعلني أتساءل: هل يجهلون حقيقة أن صاحب الجلالة هو ولي العهد الفعلي
حسناً، بما أن تنصيبه الرسمي لم يعلن بعد، فمن الوارد ألا يعلموا بذلك إن لم يكونوا مطلعين بدقة على خبايا الإمبراطورية.
لقد كانت الخطة الأصلية تقضي بإعلان الخطوبة، ثم إتمام الزواج تزامناً مع تنصيبه ولياً للعهد بعد تخرجي من الأكاديمية.
وبالنظر إلى هذا، يبدو أن قدرات المملكة المعلوماتية ليست بتلك القوة.
“وهل جهود المملكة وحدها كافية لتحقيق ذلك؟ تكلمي دون تحفظ.”
“بصراحة…”
بدا أن الكونتيسة غريف شعرت ببعض الحرج من هذا الحديث الصريح، فارتشفت جرعة من الماء قبل أن تجيب بهدوء
“ترى المملكة أن المسألة تعتمد على جهود سموكِ الشخصية أكثر من اعتمادها على جهودنا نحن.”
همم، إذن لقد أدركوا أنني كنتُ مرشحة لنيل لقب زوجة الدوق، لكنهم يعتقدون أن الأمر لم يكن سوى مجرد حظوة عابرة.
لو أدركت المملكة تعقيدات الوضع في الإمبراطورية، ومدى حدة الصراع بين الإمبراطورة والأرملة، لفهموا أن افتقاري لسندٍ قوي (عائلة قوية) هو تحديداً ما يجعلني الخيار الأمثل لتنصيبي إمبراطورةً مستقبلاً؛ وحينها، لكان بإمكانهم تسوية الأمر عبر القنوات الدبلوماسية، بدلاً من إلقاء عبء النجاح كاملاً على كاهلي تحت مسمى جهودي الشخصية
وبناءً على كل هذه المعطيات، توصلتُ إلى استنتاج واحد
‘”هذا يعني أن استنتاجي السابق كان في محله؛ يبدو أن المملكة ستكتفي تماماً حتى وإن أصبحتُ مجرد محظية لسمو الدوق”
هذا هو كل ما تسعى إليه المملكة من خلالي؛ عطف الدوق فحسب، لا أكثر ولا أقل.
وهو أمر يمكنني تحقيقه دون الحاجة لأن أكون زوجته الرسمية.
لم تجب الكونتيسة غريف على قولي هذا، لكن نظراتها التي زاغت عن مواجهتي كانت أبلغ من أي جواب.
التعليقات لهذا الفصل " 106"