بعد أن دفعتُ الكونتيسة غريف إلى غرفة الضيوف وأوصدتُ الباب عليها، تحركتُ بسرعة خاطفة.
مهما بلغت درجة تماطلي، كان عليّ إنهاء ترتيب الأوضاع قبل موعد العشاء، فلم يكن بوسعي إهدار لحظة واحدة سدى.
“أخبروا تولا أن تأتي إلى غرفتي فوراً، أما أنتم فباشروا بتجهيز مستلزمات الضيافة.”
في المعتاد، تتولى تولا القيادة والاشراف، لذا لم أكن بحاجة للتدخل، لكن بما أن عليّ استبعادها الآن، لم يكن أمامي سوى الأمل في أن يؤدي بقية الخدم عملهم على أكمل وجه.
“أمركِ، يا سمو الأميرة.”
بعد أن تأكدتُ من انصراف الخادمة التي انحنت بوقار، عدتُ مسرعةً إلى غرفتي.
‘المشكلة ليست في الكونتيسة غريف.’
ما الصعوبة في التعامل مع شخص يقل عني شأناً وقوة؟ فمنذ قليل، ورغم عدم امتلاكي لأي معلومات عنها، نجحتُ ببراعة في سحق كبريائها وإخضاعها.
المشكلة تكمن في أنني لا أواجه الكونتيسة فحسب، بل أواجه المملكة بأكملها.
مهما اعتبرتُ الإمبراطورية موطني، فأنا لا أزال من رعايا مملكة لامور وابنة ملكها.
وهذا يعني أن أي خطوة أخطوها تتطلب موافقة المملكة.
وبنظرة متطرفة، يمكن للملك أن يصدر أمراً بإعادتي قسراً إلى الوطن.
هل سيتردد في استخدام ورقة ضغط كهذه إن كان يملك ذرة من الحكمة؟
‘لو كانت أمور البشر تسير وفق المنطق والعقل دائماً، لما تكبدتُ كل هذا العناء.’
أحياناً يختار الناس طريق الخسارة مدفوعين بمشاعرهم لذا، فإن التشدق بـالسلطة الفعلية لا يجدي نفعاً، فالسلطة الحقيقية تكمن في الشرعية والرمزية؛ في ذلك المنصب الذي يمنح حق القرار النهائي، وفي الختم الذي يُصدق على الأوامر.
كان الأمر كذلك في حياتي السابقة؛ كان بوسعي السير مرفوعة الرأس لأن صاحب الجلالة هو من يقرر مصيري.
ورغم أنني كنتُ مستعدة للموت من أجله، إلا أن السبب الحقيقي كان ثقته المطلقة بي، هو من كان يمسك بزمام حياتي.
ولأن جلالته لم يعاقبني أو يلقِ بي في المهالك رغم كل الدسائس والاتهامات، استطعتُ الصمود على موقفي لعقود دون أن أنكسر.
لكن الملك، على نقيض جلالة الإمبراطور، لن يمنحني ثقته، ولا أرغب في رهن قدري بكلمة واحدة من أحمق لا أعرف حتى ملامحه.
لذا، عليّ مواجهة الكونتيسة غريف مع وضع ردود فعل المملكة القادمة في الحسبان.
هل الأفضل بقاء الكونتيسة مسؤولة عني أم استدراجهم لإرسال غيرها؟
هل من الحكمة تركها في القصر أم إبقاؤها مع تولا؟
‘آه، صحيح يجب عليّ أيضاً جمع معلومات عن المملكة.’
فأنا حقاً لا أعرف شيئاً عن تلك المملكة؛ كم عدد أبناء الملك، وكيف تبدو موازين القوى هناك، وكل تلك التفاصيل.
لو استمرت المملكة في تجاهلي كما فعلت سابقاً، لما احتجتُ لمعرفة هذه الأمور أبداً، ولكن بما أنهم قرروا التدخل في شؤوني الآن، فقد صار لزاماً عليّ الإلمام بها.
تباً، هل لا تزال لدى تولا أي روابط مع المملكة؟
لقد قمتُ بتفريق الخدم الذين جاؤوا معي من هناك، لذا لا يمكنني الاعتماد عليهم.. هل عليّ جمع شملهم من جديد؟
بينما كانت الأفكار تتصارع في رأسي، سُمع صوت طرق على الباب.
“ادخلي.”
لا أحد سواي يبحث عني الآن غير تولا.
وكما توقعت، فُتح الباب ودخلت.
“اجلسي.”
جلست تولا بهدوء على الكرسي المقابل لي.
“متى وصلت الكونتيسة غريف؟”
“وصلت صباح اليوم لم تكن لديّ أي فرصة لإرسال خبر إليكِ.”
بالفعل، لو كان هناك متسع من الوقت، لكانت أخبرتني، ولعدتُ مستعدة ذهنياً.
وإدراكها لذلك مع عجزها عن التصرف يعني أنها لم تتجاهل الأمر، بل لم تستطع فعلاً.
“فهمت وماذا قالت لكِ؟”
هل كانت هذه مجرد مصادفة، أم أنه هجوم مدروس لعلمهم بأنني آتي إلى هنا مرة كل أسبوعين؟
بالطبع، لو كانوا يملكون هذا القدر من المعلومات، لعرفوا بزيارة جلالة الإمبراطور إلى هنا، وحينها لما تصرفوا بهذا الاستعجال.
لذا فالاحتمال الأول هو الأرجح، ومع ذلك، سأبقي كافة الاحتمالات واردة.
“لقد بدأت الكونتيسة أولاً بتفقد كيفية إدارة القصر، والتحقق مما إذا كنتُ قد تلقيتُ تدريبًا لائقًا على قواعد الإتيكيت وحين واجهتُها باستجابة مثالية، بدأت تسأل عن أحوال سموكِ، وعن طبيعة علاقتكِ بسمو الدوق، وأمورٍ من هذا القبيل.”
شعرتُ بالفخر بتولا التي اجتازت نظرات الكونتيسة غريف الصارمة، فبادرتُ بالثناء عليها دون تردد
“بالطبع، لم يكن بوسعها العثور على أي ثغرة في عملكِ، فقد كنتِ تلميذة نجبية للغاية حتى الشاي الذي قدمتِه للتو، أنتِ من أعدَّه، أليس كذلك؟ لقد كان توقيت نقع الشاي دقيقًا ومثاليًا بمجرد سكبه.”
“كل ذلك بفضل تعليم سموكِ السديد.”
ابتسمت تولا ابتسامة خفيفة، ثم استعادت هيئتها العملية الرسمية
“بالطبع أجبتُ على أسئلتها بأنني لا أعلم شيئًا وبينما كانت توبخني بحجة أنني لا أخدم سموكِ كما ينبغي، وصلتِ أنتِ.”
“يا لها من عجوز شمطاء، لا تكف عن التذمر.”
نقرتُ بلساني بضيق.
إن الثرثرة حول الخصوصيات هي الدليل الحقيقي على سوء الخدمة، ومع ذلك تتخذها ذريعة للتوبيخ؛ حقًا وقاحتها لا حدود لها.
اتسعت عينا تولا لبرهة بسبب تعبيري العنيف غير المعتاد، ثم سرعان ما ارتسمت على وجهها ابتسامة ناعمة.
“هذا صحيح تمامًا هل تعلمين كم ستطول مدة إقامتها؟”
“سأحاول استدراجها لمعرفة ذلك أثناء العشاء بما أنها جاءت بصفتها مسؤولة عن تعليمي الإتيكيت، فلا يمكنني طردها ببساطة.”
إما أن يأتي أمر من الوطن بعودتها، أو تقرر هي الرحيل بنفسها وقبل ذلك، عليّ أن أقرر أولاً ما إذا كنتُ أريد طردها أم إبقاءها.
“تعليم الإتيكيت؟”
كانت تولا تدرك جيدًا مدى كمال أخلاقي وقواعد السلوك لدي منذ أن كنتُ في الثالثة من عمري.
ففي النهاية، أنا من علمها هي الأصول والقواعد.
ضحكتُ حين رأيتُ ملامح وجهها تتبدل بذهول، وكأنها سمعت للتو أن بشريًا يحاول تعليم طيرٍ كيف يطير.
حقًا، مَن الذي يجرؤ على تعليمي الإتيكيت؟ لو سمع صاحب الجلالة هذا لضحك بملء فيه.
“آه، وصحيح.. بناءً على تطور الأوضاع، قد أضطر لإرسالكِ إلى مكان آخر، فكوني مستعدة.”
“ماذا؟ ولكن إن رحلتُ أنا فمَن سيقوم بـ…”
“أعلم، لن تسير الأمور هنا كما يجب، فأنا لم أعين شخصًا قادرًا على إدارة كل شيء سواكِ لكن سلامتكِ تأتي في المقام الأول، ولا خيار أمامي.”
أنا لن أشعر بالضغط حتى وإن كانت الكونتيسة غريف هي رئيستي، ولكن ماذا عن تولا؟
أولئك المتشددون في قواعد الإتيكيت بارعون عادةً في تضييق الخناق على الخدم وإهانتهم.
وأنا أعرف ذلك جيدًا لأنني أستطيع، إذا أردت، أن أجعل الخدم يفقدون صوابهم من شدة الضغط.
بدلًا من أن أترك تولا تذبل وحيدة في مكان لا أتواجد فيه لحمايتها، أفضل التخلي عن القصر تمامًا.
“أشكركِ على اهتمامكِ ولطفكِ.”
“الأمر يعتمد على الموقف فحسب أردتُ فقط تنبيهكِ لتكوني مستعدة لكلا الاحتمالين.”
يبدو أن تولا أدركت أنني لن أبعدها إلا في الحالات القصوى، فانحنت بوقار شديد بدلًا من الاعتراض.
“بالمناسبة، هل تعرفين شيئًا عن الكونتيسة غريف؟”
“لا، لم أسمع عنها شيئًا كما تعلمين يا سمو الأميرة، أنا مجرد عامية وكنتُ مسؤولة عن رعايتكِ فقط، لذا لا دراية لي بنبلاء المملكة.”
عندما فكرتُ في الأمر، وجدتُه منطقيًا.
فبما أنني كنتُ طفلة ستغادر إلى الإمبراطورية قريبًا، لم يكن هناك داعٍ للاختلاط بنبلاء المملكة.
“يبدو أن هذه ستكون معركة طويلة الأمد.”
المعلومات عن المملكة شحيحة للغاية، ووسائل الحصول عليها محدودة.
لذا، من الأفضل تأجيل المواجهة الحاسمة حتى تتوفر المعلومات.
وبما أنني لا أعرف ما إذا كان البديل الذي سيأتي بعد الكونتيسة سيكون أسهل أم أكثر إزعاجًا، فمن الأسلم إبقاءها حاليًا حتى تتضح الصورة.
حسنًا.
سأبقي الكونتيسة هنا بينما أجمع المعلومات عن المملكة، وبعد الحصول على ما يكفي، سأرسم خطتي من جديد.
سيكون من الأفضل لو تمكنتُ من كسب الكونتيسة إلى صفي.
سأراقب خلال العشاء ما إذا كان كسر كبريائها اليوم سيؤدي لنتيجة طيبة أم عكسية.
وبعد أن اتخذتُ قراري، صرفتُ تولا
“اذهبي الآن وتفقدي تحضيرات العشاء عليّ أن أكتب بعض الرسائل.”
“حاضرة، سأفعل.”
بعد خروج تولا، تفقدتُ ما على مكتبي.
كعادتها، كانت رسائل صاحب الجلالة وفانيا موضوعة هناك، لكنني لم أفتحها كالمعتاد، بل وضعتها جانباً في حقيبتي ثم فردتُ ورقة رسائل جديدة.
إذا وقع هذا القصر تحت سيطرة الكونتيسة غريف، فقد يصبح من الخطر تلقي الرسائل هنا.
لذا، شرعتُ في كتابة رسالتين؛ واحدة لصاحب الجلالة والأخرى لفانيا.
كان فحوى الرسالتين واحداً: سأشرح كل التفاصيل شخصياً عند قدومي في الإجازة، لذا أرجو عدم إرسال أي رسائل في الوقت الحالي.
شعرتُ بضيقٍ في معدتي حين فكرتُ في أن إحدى أكبر مسراتي ستختفي مؤقتاً، لكن لم يكن باليد حيلة.
“على أي حال، لم تكن صلة الرحم يوماً عوناً لي، لا في الماضي ولا في الحاضر.”
تنهدتُ بعمق وأنا أتأمل القاسم المشترك بين عائلتي في حياتي السابقة، التي كانت تعترض طريقي عند كل خطوة، وبين العائلة المالكة الآن، التي تدخلت في حياتي فجأة بعد أن عشنا وكأننا لا وجود لبعضنا البعض.
التعليقات لهذا الفصل " 105"