مساعد الدوق الأكبر، ريديلّان جا تورتي ، أغلق الباب بحذر، وأطلق زفرة صامتة.
تراءى له ما يشبه الهلوسة السمعية، فخُيل إليه أنه يسمع صدى ضحكات من خلف ذلك الباب السميك والمنغلق بإحكام، رغم استحالة وصول أي صوت من خلفه.
“هل هو سعيد إلى هذا الحد…؟”
كان ذلك تدفّقًا عاطفيًا يعجز الإنسان العادي عن فهمه.
فقد كان ريديلّان يعتقد منذ البداية أن الدوق الأكبر يكنّ مشاعر تجاه الأميرة بلانش.
غير أنّ الدوق قبل حادثة محاولة التسميم، كان—كيف يصفه—يتّخذ موقفًا ملتبسًا؛ فلا يُدرى أكان ما يشعر به تجاه الأميرة حبًّا أوليًا بريئًا، أم عنايةً بدميّة جميلة، أم تدليلًا لجروٍ مطيع لطيف.
وبالطبع، لم يجد ريديلّان في ذلك ما يثير الاستغراب.
فمن المألوف أن يطوّر أبناء الأسر الرفيعة، الذين يستطيعون امتلاك كل ما يشتهون، مثل هذه الأنماط الغريبة من التعلّق في طفولتهم.
ولحسن الحظ، كان الدوق الأكبر—على غير ما يوحي به سنّه—عاقلًا، وكانت الأميرة تعرف حدودها، ولذلك لم تنشأ أي مشكلة رغم أسلوب الدوق الغريب في إظهار المودّة.
بل إن ذلك الاهتمام العجيب الذي أغدقه الدوق لم يفعل سوى أن جعل حياة الأميرة أكثر رغدًا.
والمفارقة أنّ هذا كلّه انقلب بعد حادثة محاولة تسميم الأميرة بلانش.
حينها، ظلّ الدوق الأكبر يلازم سرير الأميرة بلا انقطاع.
وكان هذا بحد ذاته كافيًا للدلالة على خطورة الأمر، إذ إن ذلك الفتى صعب المراس استطاع أن ينام على السرير الجانبي.
ثم جاء ما بعد ذلك… فترة من الاضطراب الحقيقي.
فبدلًا من أن يبقى ملتصقًا بجانب الأميرة كما فعل أثناء مرضها—وهو تصرّف كان ليبدو طفوليًا على الأقل—انكفأ على قصره، يتنهّد وحده، ثم يشدّ شعره، ثم يهيم قلقًا في أرجاء الغرفة…
إن قيل إنها مرحلة مراهقة، فالعمر مناسب ولا غرابة في ذلك، غير أنها كانت مراهقة صاخبة إلى حدٍّ ما.
ثم ألغى فجأة خطته الأصلية بدخول الأكاديمية بهدوء مع الأميرة، وذهب على نحو مفاجئ إلى أقاصي الشمال القاحلة، تلك الأرض التي لم يكن ليقصدها طيلة حياته.
ثم تصرّف كما لو أنه لن يرى وجه الأميرة أبدًا، ليهرع بعدها مباشرة إلى الأكاديمية فور سماعه بوقوع اضطراب هناك.
ولو أنه، ما دام قد ذهب، استغلّ الفرصة ليستريح قليلًا ويستمتع بالهواء الدافئ… لكنه عاد على الفور.
وبعد عودته إلى الإقطاعية، عاد هذا الاضطراب من جديد.
“آه… إنه في السنّ التي تشتدّ فيها التقلبات العاطفية، على كل حال.”
لم يكن الدوق الأكبر يكشف كل ما في صدره حتى للمقرّبين منه.
لذلك، لم يستطع ريديلّان أن يعرف ما الذي حدث بالضبط بين الدوق والأميرة، ليبدوا وكأنهما حبيبان افترقا رغمًا عنهما بسبب معارضة العائلة.
ومع ذلك…
“مع هذا، يسعدني أنه بات يبدو أخيرًا في عمره الحقيقي.”
لم يكن ريديلّان يفهم حقًا لماذا يتصرّف الدوق الآن، وفي هذا الوقت تحديدًا، كصبيّ يعيش حبّه الأول.
فالأميرة كانت إلى جانبه طوال عشر سنوات، وكانت علاقتهما جيّدة دومًا، فلماذا الآن؟
لماذا لا يبقى إلى جوار الأميرة التي يعشقها إلى هذا الحد، بل ينعزل في هذا الشمال البارد الوعر، مكتفيًا بتبادل الرسائل؟
لم يفهم، لكنه حين كفّ عن محاولة الفهم، لم يعد المشهد منفّرًا.
كان ريديلّان يكبر الدوق بعشر سنوات، وكان صاحب السمو—ذلك الفتى الأصغر بعقد كامل—عقلانيًا وناضجًا إلى حدٍّ مفرط منذ أول لقاء.
حتى نزواته القليلة كانت توحي وكأنه يتعمّد تمثيل الدلال من أجل الكبار، ما كان يبعث على الضيق أحيانًا.
لكن الدوق بعد عودته إلى إقليم الشمال لم يعد كذلك.
فالرجل الذي، لو أراد قديمًا إهداء امرأة شيئًا، لاستدعى فورًا الصائغ والخياط، بات الآن يقرفص تحت شجرة قيقب، ينبش الأرض بحثًا عن ورقة أكثر جمالًا من غيرها.
ويحتجز ورقًا معطّرًا داخل ظرف، ثم ينتظر أسبوعًا كاملًا قبل فتحه ليتأكد من الرائحة، متسائلًا أيّ عطر سيشمّ حين تفتح الأميرة الرسالة.
ويرمي عشرات الأظرف لأن الشمع لم يسقط بالشكل الدائري الذي يريده.
وبعبارة أخرى، كان الدوق الآن يبذل وقته وجهده من أجل الأميرة.
ذلك الرجل الذي امتلك ثروات الدنيا وسلطتها، حتى كان يعبّر عن مودّته باستخدام تلك الثروة والسلطة.
لم يكن الدوق ليجهل ذلك.
فلو أراد إهداء ورقة قيقب، لأمر الخدم بجمع كل الأوراق المتساقطة واختيار الأجمل بينها.
ولو أراد أفضل رائحة عند فتح الرسالة، لأمر بصناعة عطر مخصوص لذلك الغرض.
ولو أراد ختمًا مثاليًا، لأمر ريديلّان بإعداده وإرسال الرسالة.
ولم يكن ثمة سبب يدعوه إلى تمزيق رسالة الرد بيديه العاريتين، وكأن الوقت اللازم لجلب سكين الورق أثمن من أن يُهدر.
ولا سبب يدعوه إلى صرف الناس لمجرّد قراءة رسالة واحدة.
فريديلّان لن يتجسّس على مضمون الرسالة، والدوق قادر على ألا يُظهر أي انفعال، مهما كان ما تحمله من صدمة.
ومع ذلك، اختار الدوق أن ينتقي الورقة بنفسه، وأن يفكّر طويلًا في كيفية إيصالها دون أن تتفتّت، وأن يتمنّى أن تصل الرسالة إلى تلك الأميرة الجافة في حالة مثالية، وأن لا يحاول حتى إخفاء مشاعره تجاه ردّ لا يعرف مضمونه.
إنه، بحق، صبيّ مراهق يعيش حبّه الأول.
وربما كان ريديلّان نفسه قد فعل أشياء مشابهة قبل عشر سنوات.
يسهر الليل يكتب قصائد حب، ثم يمزّقها لأنها لا تعجبه، فيذهب سرًا إلى المكتبة ليشتري ديوان غزل وينسخ منه.
“على أيّ حال، بصفتي تابعًا، ليس أمامي إلا أن أُكرّس نفسي لتحقيق ما يرغبه سيدي.”
كان ريديلّان يعرف، لأنه مرّ بتلك السنّ، كم يُضعف الحبّ كفاءة الإنسان.
فالصبيّ الواقع في الحب يقضي الليل يبحث عن كلمات لرسالة الغرام، ويقضي النهار عاجزًا عن العمل وهو ينتظر الرد.
وإذا كان هذا الصبيّ يحمل أصلًا لقب الدوق الأكبر، فمن الطبيعي أن تتضاعف أعباء مساعده.
ومع ذلك، ورغم علمه بكل هذا، لم يستطع ريديلّان أن يفكّر في عرقلة سعادة سيده.
فالطفل طفل، والصبيّ صبيّ.
وسيده، الذي أظهر طوال أكثر من عشر سنوات سلوكًا لا يشبه الأطفال، بدا أخيرًا وكأنه وجد عمره الحقيقي—وذلك وحده كان كافيًا لإسعاده.
****
في الأصل، كنت قد عقدت العزم على تقليل زياراتي للمنزل المستقل قدر الإمكان.
ولكن، بما أن جلالة الإمبراطور و فانيا يرسلان الخطابات إلى هناك باستمرار، وجدت نفسي أخرج في نهاية كل أسبوع لاستلامها.
ثم إنني حين فكّرتُ في الأمر، لم أكن قد سعيت أصلًا إلى احتلال مكانة عليا داخل المدرسة، ولذلك فلا جدوى الآن من الرجوع إلى الخطة الأولى.
كما أنّني لم أرغب في المخاطرة بإرسال الرسائل إلى داخل المدرسة، خوفًا من أن تختلط بغيرها أو يحدث ما لا يُحمد عقباه.
ولهذا، اكتفيتُ بأن أزور منزل البلدة بهدوء كل أسبوعين في عطلة نهاية الأسبوع، أتحقق من الرسائل وأكتب الردود في المكان نفسه.
وهكذا عرفتُ أيضًا أنّ متجر الأدوات المتنوعة في وسط المدينة يبيع أنواعًا من ورق الرسائل أكثر تنوعًا مما يبيعه متجر المدرسة.
وأدركتُ كذلك أنّ اختيار أظرف رسائل رزينة يجعل حتى ورق الرسائل ذي الألوان الخجِلة أقل إحراجًا.
وكان هذا الأسبوع هو موعد زيارتي لمنزل البلدة.
بعد أن اجتهدتُ في الدراسة طوال أيام الأسبوع، ركبتُ العربة وخرجتُ إلى المدينة، ثم فتحتُ باب منزل البلدة.
وبما أنّ جدولي كان منتظمًا للغاية، فلم تكن هناك حاجة لإخطارهم مسبقًا بقدومي.
“مرحبًا بعودتك ، صاحبة السمو.”
غير أنّ من استقبلني لم تكن تولا.
من المؤكد أنهم كانوا يعلمون أنني سآتي إلى هنا في هذا الوقت من الأسبوع، أليس كذلك؟ وبينما كنت أرمش بعينيّ في حيرة، همس طفل الذي خرج لاستقبالي بصوت خافت ووجه يعلوه الارتباك
” السيد رئيس الخدم يستقبل الآن مبعوثاً جاء من البلاد الأم. “
في تلك اللحظة، اختلط عليّ المعنى المقصود بكلمة البلاد الأم
ولا غرابة في ذلك، إذ إن مملكة لاموريه لم تُبدِ طوال هذه السنوات أي محاولة للتقرب مني، إلى حدٍّ يكاد يكون مبالغًا فيه.
ربما كانت الإمبراطورة الأرملة أو جلالته قد حالا دون ذلك، لكن على أي حال، وخلال السنوات العشر التي قضيتها بوصفـي رفيقة لعب للدوق الأكبر، لم يُظهروا حتى نية استغلال تلك الصلة لتحقيق أي شيء.
وبما أنني غادرتُ المملكة في سن الثالثة، كنتُ أعلم بعقلي أنني ما زلتُ إحدى رعاياها، لكنني لم أشعر بذلك شعورًا حقيقيًا قط.
بل إن أهل الإمبراطورية حين كانوا يتعاملون معي، كانوا يضعون في اعتبارهم كوني شبه فرد من العائلة الإمبراطورية أكثر من كوني أميرة من مملكة لاموريه.
” …فهمت ، بما أنه مبعوث من البلاد الأم، فهل جاء لرؤيتي؟ “
لحسن الحظ، لم يدم ارتباكي إلا لبضع ثوانٍ سألتُ بهدوء بعد أن رتبتُ تعابير وجهي، وبالفعل، لم تلحظ الخادمة التي كانت في استقبالي أي شيء غريب، بل أجابتني وهي لا تزال تخفض صوتها
” نعم، يبدو الأمر كذلك. “
” حسنًا أين هو ذلك المبعوث؟ قودي الطريق. “
كان صوتها أخفض من المعتاد بلا شك، لا بدّ أنها تأخذ وجود موفد الوطن الأم في الداخل بالحسبان.
‘من النوع الذي يُشعر الآخرين بالرهبة.’
إنه من ذلك النوع الذي يرهب الآخرين ويجعلهم يشعرون بالضآلة. فإذا كان الأمر قد وصل بـ تولا إلى حد العجز عن قول إنه يجب عليها الخروج لاستقبالي، فلا بد أن سلوك هذا الشخص يتسم بفرض هيبة طاغية.
أهو ضغط مادي ملموس أم ضغط نفسي؟
وأنا أتبع الخادمة التي كانت تخطو بخطوات سريعة، بدأتُ أحلّل في ذهني طبيعة ذلك الموفد الذي لم أره بعد.
وبعد أن رتّبتُ تلقائيًا عدة احتمالات، مع أساليب التعامل المناسبة لكلٍّ منها، توقفت الخادمة أمام باب غرفة الاستقبال.
“أم… صاحبة السمو الأميرة قد وصلت.”
لمّا أشرتُ بذقني إليها لتلتفت، أعلنت عودتي بصوت مرتجف.
يبدو أن تولا قد أحسنت تدريبهم حقًا.
وقبل أن يأتي الإذن بالدخول من الداخل، بادرتُ وأدرتُ مقبض الباب.
فلو تركتُ للطرف الآخر أن يفتح الحديث أولًا، لكان ذلك أشبه بطلب الإذن لدخول بيتي، وهذا تصرّف لا يُستهان به.
دفعتُ الباب على مصراعيه وخطوتُ إلى الداخل، فرأيتُ امرأة مسنّة تجلس على الأريكة وظهرها مستقيم، وتقف أمامها تولا في وضعية مهذبة.
وكان فم المرأة مفتوحًا نصف فتحة، كما لو أنها كانت على وشك الإذن بالدخول.
فسارعتُ بإلقاء التحية قبل أن تغيّر ما كانت تنوي قوله.
“حسنًا، قيل لي إنكِ قدمتِ من مملكة لاموريه بماذا ينبغي لي أن أناديكِ؟”
التعليقات لهذا الفصل " 103"