لم تكن فانيا وحدها من أوفت بوعد إرسال الرسائل، بل إن جلالته أوفى بوعده هو الآخر.
غير أنّ الاختلاف كان في أنّ رسالة فانيا فُتحت فورًا في منزل البلدة، أمّا هذه، فحتى بعد إحضارها إلى المدرسة لم أجرؤ بعد على فتحها.
“……لا بأس.”
أول ما يخطر في البال عند ذكر رسالة من جلالته هو تلك التوبيخات التي تلقيتها قبيل الموت.
اتهامات بخيانتي وتقاعسي، كُتبت بحروف صُهرت من الذهب فوق حرير نفيس، حتى إن ارتداءه كان ليُعدّ إسرافًا.
تلك الحروف اللامعة التي كانت تُتعب العين من شدّة بريقها، تطفو بوضوح خلف جفوني المغمضة.
آه، إن التفكير في الأمر وحده مُرهِق.
فركتُ جفنيّ متأثرةً بإرهاقٍ متخيَّل.
بالطبع أعلم أنّ رسالة جلالته هذه المرة لن تكون من ذلك القبيل.
لكن، لا بدّ أنّ رؤية رسالة مختومة تعيدني إلى تلك الذكريات، وهذا أمر لا مفرّ منه.
نجحتُ في إخراج الرسالة من الدرج، غير أنّ الشجاعة لفتحها لم تكن قد نضجت بعد.
بقيتُ شاردة الذهن، أجمع شجاعتي طوال وقت الفراغ المسائي.
لو كانت أيّامي مزدحمة كما في السابق، لما راودتني هذه الهواجس، ولفتحتها فورًا.
لكن كثرة الوقت الذي يمكن تركه ينساب كالماء جعلت التفكير يطول بلا داعٍ.
إذ لا مشكلة حتى لو بقيتُ أحدّق في الرسالة ساعة كاملة دون أن أفتحها.
في النهاية، لم أمدّ يدي إلى الرسالة مجددًا إلا قبيل الفجر.
وعلى خلاف ذلك اليوم، لم يكن ضوء القمر وحده كافيًا للقراءة، فأشعلتُ شمعة.
خشية أن يتسرّب الضوء إلى الخارج، أسدلتُ الستائر وحينها فقط، انحنيتُ بخفة وفتحتُ الختم الذي يحمل طابع الدوق.
“أوه؟”
حين أملتُ الظرف، سقطت ورقة قيقب قبل الرسالة.
لم يكن من الممكن أن تكون قد اختلطت سهوًا، إذ أُلصق على ظهرها ورق رقيق، وطُليت بطبقة واقية بعناية كي لا تتفتت.
لكن أن يرسل جلالته ورقة شجر؟ لا ياقوتة مصاغة على هيئة ورقة قيقب؟ هذا التناقض غير المنسجم جعلني أقطّب حاجبيّ وأنا أخرج الرسالة.
على عكس الظرف الخارجي الصلب نوعًا ما، كانت ورقة الرسالة جميلة.
لم تكن بمستوى ما أرسلته فانيا، لكنها كانت ملوّنة بلطف وتفوح منها رائحة طيبة.
هل رشّ عليها عطرًا؟ لقد فُسخت الخطبة، ولسنا بعد اليوم رفيقي لعب… أليس هذا مبالغة بعض الشيء في تبادل الرسائل؟
وبينما تراودني هذه الأفكار، فتحتُ الرسالة، فإذا بالسطر الأول من المتن يثبت في عينيّ.
‘الجوّ صافٍ اليوم، لذا أكتب هذه الرسالة الطقس هنا بارد، لكنه بلا رياح، فلا بأس بالإقامة كيف هو الحال هناك؟ أخشى أن تصابِي بنزلة برد.’
في اللحظة التي قرأتُ فيها هذا السطر، شعرتُ وكأن خنجرًا غُرس في قلبي.
لأن هذا الأسلوب كان مطابقًا تمامًا لأسلوب فتى بيت زاغا في رسائله.
لا جلالته ولا الدوق كانا يكتبان بهذه الطريقة.
اتخاذ أمر تافه كالطقس ذريعة لكتابة رسالة… لم أرَ هذا إلا من ذلك الفتى الذي علّمته أنا آداب الشاي.
لا يكتفي باتخاذ الطقس موضوعًا، بل يقول إن الجو صافٍ، أو إن النجوم كثيرة، أو إن النسيم لطيف، ولذلك يكتب.
حتى لو كانت رسالة بلا سبب ولا داعٍ، فإنه يتكلف اختلاق سبب للبداية هذا الأسلوب لم أعرفه إلا من رسائل ذلك الفتى.
‘أليس هذا… جبنًا مفرطًا؟’
صحيح أنّ مشاعري العاطفية انتقلت إلى جلالته.
حتى لحظة موتي، لم أستطع التخلي عن حبي له ولا عن ولائي.
لكن ولائي وُلد بعد أن اعتلى العرش، حين كنت أفكّر كيف أعيش بقية حياتي بعد أن سُلبت عائلتي، أمّا الحب فقد تراكم ببطء في تلك الأوقات التافهة التي كنتُ أقضيها معه وحدنا، نشرب الشاي ونتحادث.
بمعنى آخر، بعد أن عرفتُ أنّ الدوق هو جلالته، كانت مشاعري أقرب إلى الولاء منها إلى العشق.
ومع ذلك، هكذا… بل وحتى بإحياء صيغة الاحترام التي كان يستخدمها آنذاك، لم أعد أرى في هذه الرسالة سوى ذلك الفتى.
الهادئ، صاحب الصوت اللطيف، والابتسامة غير المؤذية.
ذلك الذي لم يُظهر قطّ تمردًا سافرًا، والذي كان يخاطب حتى فتاة أصغر منه باحترام، ويبقى هادئًا وسط سيل العداء كأنّه لا يشعر بشيء.
كم أحببتُ تلك الابتسامة، وذلك الصوت الخفيض، وذلك الأسلوب الحنون.
هل توقّع أنني، قبل فتح الرسالة، سأخاف وأنا أستحضر آخر رسالة بعثها إليّ؟ ربما فعل فهو جلالته، الذي طالما نفذ ببصره إلى خبايا النفوس.
إن كان الأمر كذلك، فهذه رسالة محسوبة بعناية، تهدف إلى إصابة نقطة ضعفي تحديدًا.
‘يقال إن أساس الهجوم هو استهداف الدفاع الأضعف، لكن…’
إن ذهني يتلاشى فعلًا.
لو كان ما تحويه الرسالة عقدًا من الياقوت يذكّرني بجلالته، أو كلمات مليئة بتعداد مناقبه، لما تفاجأت إلى هذا الحد.
لكن أن أتهيأ لرسالة من جلالته، لأجد رسالة من ذلك الفتى… هذا ما لم أتوقعه.
وانتهت رسالة الفتى بملاحظة لاحقة.
‘ملاحظة: أعلم أنك تحبين القراءة، فاستخدميها علامة للكتاب.’
إذًا، ورقة القيقب المرفقة هي بالفعل هدية منه.
ليست مئة ثوب من الحرير، ولا صكّ أرض في إقليم ما، ولا لقبًا… بل مجرد ورقة واحدة.
ورقة حمراء جميلة تشبه لون شعره.
في الشمال، حيث يقال إن البرد دائم وأن الثلوج لا تذوب في الجبال، كيف حصل على هذه الورقة؟ أتأمل ورقة القيقب المتقنة بلا عيب، فأغرق في التفكير.
وكيف عرف أن معالجتها بهذه الطريقة تجعلها صالحة كعلامة كتاب؟ وهو ليس ممن يستعملون مثل هذه الأشياء البسيطة عادةً.
هل كان شخصًا قادرًا على تقديم مثل هذه الهدايا؟
في حياتي السابقة، أو في هذه الحياة، هل قدّم لأحدٍ غيري هدية كهذه؟
ليس عطية رسمية تُمنح لإعلان شيء على الملأ… بل شيئًا تافهًا كهذا.
هل كان هناك من تلقّى منه هدية توحي بأنه لم يتعمد البحث عنها، بل منحها لأنها وقعت في عينه فحسب؟
وبينما تتوالى الأفكار، كانت الشمعة قد قصرت كثيرًا.
آه… أفكار لا طائل منها كثيرة جدًا.
هززتُ رأسي لطرد الشرود، ثم عدتُ أقرأ الرسالة من بدايتها.
‘إلى بلانش.’
تحية مقتضبة، بلا ألقاب، يرد فيها الاسم فقط.
‘إن كان لديك متسع، فأرجو أن تكتبي لي ردًا سأكون سعيدًا بذلك.’
سطر أخير يحثّ على الرد.
‘ملاحظة: أعلم أنك تحبين القراءة، فاستخدميها علامة للكتاب.’
ملاحظة بسيطة تؤكد أن ورقة القيقب ليست خطأً، بل هدية مقصودة لي.
‘بمودة خالصة،ميلتشزيدك.’
ختام خالٍ من الألقاب أيضًا، لا يحمل سوى المحبة.
‘……هل كان من الضروري حقًا أن يطلب الرد صراحة؟’
‘أعلم أنك مشغولة، لكن إن تفضلتِ بإرسال رد فسأكون سعيدًا.’
مع جلالته، لم يكن بوسعي الامتناع عن الرد.
لكن حين كنا صغارًا، في تلك الرسائل التافهة التي كان يمكنني تجاهلها بلا حرج، كنت أحرص على الرد في كل مرة.
حتى انقطعت رسائله، وسمعتُ عبر الأقاويل أنه اعتلى العرش بدل أخيه الراحل.
‘……نعم، سأكتب يجب أن أكتب ما دام يرغب في ذلك، فكيف لي أن أرفض…’
تنهدتُ، ثم تناولتُ ورقة الرسالة الفارغة الموضوعة أمامي.
ما زلت أرى أن العلاقة الرسمية بيني وبين جلالته ملتبسة لاستخدام ورق ملوّن كهذا.
لكن أوراق الدكان كانت تُباع في رزم من عشر.
“ليس من المنطقي أن أشتري ورقًا آخر، وهناك ورق سليم متبقٍ.”
ورغم علمي بأن هذا عذر واهٍ، تمتمتُ به بصوت مسموع، ثم غمستُ القلم في الحبر.
على خلاف رسالة الدوق الأكبر التي استغرق وصولها وقراءتها من قِبل المتلقية وقتًا غير قصير، فإن رسالة الأميرة ما إن وصلت إلى يد صاحبها حتى فُكَّ ختم الشمع عنها في أقل من دقيقة.
بل إن تلك الدقيقة نفسها لم تكن إلا الوقت الذي استغرقه ميلتشزيدك في إجراء تحليلٍ سريع من قبيل
‘بما أنّ ختم مملكة لاموريه غير مطبوع على الشمع، فهذا يعني أنّ بلانش صنّفت هذه الرسالة، من داخلها، على أنّها رسالة خاصة إنها إشارة طيبة.’
أدار ميلتشزيدك ظرف الرسالة مرة واحدة بسرعة، مستخلصًا كل ما يمكن استخلاصه من معلومات، ثم مزّق الظرف دون إبطاء، وأشار بذقنه إلى المرافق كي ينسحب.
فهذا النوع من الرسائل الخاصة كان الأجدر أن يُقرأ على انفراد.
‘إلى صاحب السمو الدوق الأكبر راندولف.’
‘من الأميرة بلانش’
كانت التحية في بدايتها رسمية جامدة، لا ميلكي ولا حتى ميلتشزيدك وكان الختام بلقب الأميرة، ومع ذلك لم يزدد إلا عمق الابتسامة المرتسمة على وجه ميلتشزيدك
“هاها، يا بلانش لو أردتِ حقًا أن تجعلي هذه رسالة رسمية جامدة إلى هذا الحد، لكان عليكِ أن تضعي الختم.”
فبلانش، بوصفها مبعوثة السلام لمملكة لاموريه، تملك بطبيعة الحال الحق في استخدام ختم المملكة على الرسائل.
وكان يكفي أن يُطبع الختم على الشمع الساقط حتى تتحوّل هذه الرسالة إلى وثيقة دبلوماسية مكتملة.
لكنها لم تفعل، بل إن ورقة الرسالة نفسها كانت جميلة ذات لون خافت.
وفي مثل هذه الحال، فإن التشبث بالرسميات في الألقاب لا يفعل سوى أن يُظهر مدى إصرار بلانش على رسم حدود فاصلة.
“حتى في رسالة لا ترقى لأن تكون وثيقة رسمية، لا بدّ من إقامة جدار بيننا، إذن.”
ربما كان استخدامه لأسلوب الاحترام، بما يستدعي صورتها الأولى حين التقيا، قد أتى ثماره.
أو لعل الفجوة بين من كان لا يهدي سوى الذهب والجواهر، وبين إرساله هذه المرة شيئًا تافهًا كعلامة كتاب مصنوعة من ورقة قيقب، هي ما ترك الأثر الأكبر.
“في كلتا الحالتين، يسعدني أن رسالتي نالت رضاك.”
ابتسم ميلتشزيدك برضا، وانحنى ليطبع قبلة على اسم بلانش.
ومع علمه التام بأن بلانش لم تترك في هذا المكان قبلةً حقيقية، إلا أن قلبه امتلأ شعورًا بالاكتفاء.
التعليقات لهذا الفصل " 102"