كان جلالته بعد أن كفَّ عن ذلك الإفراط في التدليل، خصمًا أسهل كثيرًا في التعامل معه.
“إن كنتِ ترغبين ، فلن أتدخّل مباشرة في تحديد نتيجة العقوبة غير أنّه بما أنّني حضرتُ بنفسي، فلا مفرّ من أن يرتعب أعضاء هيئة التدريس، فيبادروا إلى فرض عقوبة صارمة من تلقاء أنفسهم.”
وهذا أمرٌ مفهوم.
فلو أنّ جلالته قال لهيئة التدريس ألا يُراعوه وأن يطبّقوا العقوبة بعدل، لكان ذلك سيزيد الأمور تعقيدًا لا غير.
ثم إنه، ما إن وصل حتى توجّه مباشرة إلى قاعة الطعام المكتظّة بالطلاب، فلا بدّ أن خبر زيارته قد اجتاح الأكاديمية بأكملها.
وفي مثل هذا الوضع، لو قال لهم ألا يبالغوا في معاقبة طفلٍ تشاجر مع رفيق لعبه؟ لعمّت الفوضى الأكاديمية منذ الآن.
صحيح أنّ الأفضل كان ألّا يظهر أصلًا، لكن بما أنّه حضر بالفعل، وانتشرت الشائعات، فإن الاكتفاء بإظهار الوجه ثم الانصراف كان الحلّ الأمثل.
وهكذا يمكن الادّعاء، على نحوٍ مناسب، أنّه جاء فقط ليطمئن على أنّني لم أُصب بأذى بالغ.
“على أيّ حال، سأستدعي أولئك الثلاثة على انفراد، وأكتفي بتوجيه تحذيرٍ لهم ففي أيّ مكان يوجد دائمًا أناسٌ حمقى على نحوٍ استثنائي سيكون محرجًا لي إن أساء أحدهم الظنّ واعتقد أنّ زيارتي فحسب تعني أنّني لا أقدّرك بما فيه الكفاية.”
كنتُ واثقًا من أنّ جلالته سيتصرّف بحكمة، لكن بدافع الاحتياط، تقدّمتُ بطلبٍ منه
“أرجوك، لا تُرهب الأطفال كثيرًا……”
لا، ليس أنّ الأمر ضروري، لكن جلالته في سنواته الأخيرة كان يميل أحيانًا إلى المبالغة.
ومع ذلك، فهو في الأصل ليس ممّن يمارسون سياسة التخويف ما لم يتجاوز الطرف الآخر حدوده.
“ومن الذي يقدّم النصيحة لمن الآن؟”
كان محقًّا.
في الواقع، كنتُ أنا من يميل إلى التساهل في العقاب، لكن إن عاقبتُ، فعلتُ ذلك بصرامة شديدة.
لذلك، وبدلًا من الاعتراض، صحّحتُ الكلمة فحسب
“ليست نصيحة، بل رجاء.”
غيّرتُ نبرة الكلام، لكن يبدو أنّني لم أستطع تغيير موقفي الداخلي.
فحتى لو كان قولَ حقّ، كيف لي أن أجرؤ على إسداء نصيحة إلى جلالته؟ أمرٌ غير معقول.
ابتسم جلالته ابتسامةً خفيفة، ومدّ يده ليمسح على رأسي برفق ، بل لعلّها كانت أقرب إلى تربيتةٍ خفيفة.
“هل تسمحين لي بأن أرسل إليكِ رسائل؟”
كانت الكلمات التالية كأنها صدمة هزت كياني وبينما كنتُ أرتجف من المفاجأة، تابع جلالته سؤاله قائلًا
“وهل ستردين على رسائلي؟”
أعادني ذلك الأسلوب إلى ذكرياتٍ بعيدة جدًا.
إلى زمنٍ لم أكن فيه تابعًا لجلالته، ولم يكن هو سيّدي.
إلى تلك الأيام التي كنّا نجلس فيها متقابلَين، نحتسي الشاي، ونلتقي بنظراتنا، ونبتسم لبعضنا البعض.
إلى الزمن الذي وقعتُ فيه في حبّ هذا الفتى، وتجرّأتُ على أن أحلم بمستقبلي معه.
ذكرياتٌ كان عليّ أن أدفنها بعد الفراق.
آه… حقًّا، إنّه رجلٌ ليس بالسهل أبدًا أخفيتُ احمرار وجهي، وغطّيته بكلتا يديّ، ثم تمتمتُ بصوتٍ خافت
“هل أبدو لكِ وقحة لدرجة أنني لن أرسل حتى ردًا؟”
لحسن الحظ، وعدني ألّا يفعل ما أكرهه.
ولحسن الحظ أيضًا أنّنا لم نلتحق بالأكاديمية معًا.
فلو كنتُ أقابله كل يوم وأتعرض لإقناعه، لكنتُ تمنيتُ له السعادة، حتى لو عنى ذلك أن يطير النوم من عينيّ كل ليلة، أو أن أتألم من الذكريات التي تهاجمني بين الحين والآخر.
وبينما كان وجهي يشتعل خجلًا، كان جانبي الآخر يجري تلك الحسابات في عقلي؛ لقد كان تصرفًا أقرب ما يكون إلى غريزة البقاء.
***
لأن الصفقة مع بلانش أُبرمت على نحوٍ خاص تمامًا داخل مكان لم يكن فيه سواهما، بدا ظاهريًا أن ميلتشزيدك لم يجنِ شيئًا من قدومه إلى هنا.
راح بعضهم يثرثر بأن مجيئه إلى هذا المكان، رغم عدم وجود ما يمكن كسبه، لا بد أن يكون بدافع المحبة، لكن موكب الدوق الأعظم ليس خفيفًا إلى درجة أن يتحرّك بدافع عاطفة كهذه من الأساس.
لذا، لا يزال الدوق الأكبر لم يحصل على شيء.
ومع ذلك، كانت خطوات ميلتشزيدكوهو عائد إلى الشمال خفيفة ومبتهجة.
“تبدو في مزاجٍ جيّد.”
“لأنني فعلًا في مزاجٍ جيّد.”
حتى أمام سؤال مساعده الحذر، كان ميلتشزيدك متسامحًا؛ لأنه كان حقًا في مزاجٍ جيّد.
كان موقف بلانش دفاعيًا، لكن ذلك وحده كان كافيًا ليمنح ميلتشزيدك ثقةً بنفسه.
في نهاية المطاف، السبب وراء عدم تطور علاقتهما في الحياة السابقة هو كونهما في علاقة حاكم بتابعه.
قد يكون التفضّل ذا طابع تبادلي، لكن الولاء لا يمكن أن يكون كذلك.
ولهذا، كانت التبادلات بينهما دائمًا آنية ومؤقّتة.
كان بإمكانه أن يُثني على الإنجازات التي حققتها بايك ريون ، إلا أنها لم تُحقق تلك الإنجازات كردّ جميل على العطايا التي منحها إياها.
لكن الأمر الآن مختلف.
الآن ستردّ بلانش على ما يرسله.
ستكتب جوابًا على رسالته، وستبعث ردًا على كلماته وبين هذا الأخذ والرد، ستتراكم المشاعر.
وفي هذه الحالة، كان الابتعاد الجغرافي ميزةً لا عيبًا.
صحيح أن المسافة قد تُباعد بين القلوب، لكنها تنطبق كذلك على المشاعر السلبية.
فالمسافة المتّسعة ستخفّف الأشواك الحادّة التي نبتت في قلب بلانش.
لقد بكت بلانش حين رأته قادمًا، لكنها لن تتعذّب بسبب رسالة واحدة.
وهكذا، إذا حافظا على مسافةٍ مناسبة وتبادلا الرسائل، فستهدأ الكراهية تدريجيًا، وستتكوّن محبةٌ جديدة.
وسيكون من الأفضل أيضًا، إن أمكن، أن يذكّرها بذكريات الماضي.
تذكّر ميلتشزيدك وجنتي بلانش اللتين احمرّتا آنذاك.
كانت قد بكت وتألّمت عند آثار جا تشونغ ريونغ ، لكنها احمرّ وجهها عند الذكريات التي استحضرها على سبيل الاحتياط من أيام الصبا.
هل يعود السبب في اعتبارهما شخصيتين منفصلتين —الابن الثاني لعائلة جا والإمبراطور جا تشونغ ريونغ— إلى فجوة الانقطاع الزمني التي حدثت في المنتصف؟
أيًّا كان الأمر، ما دام هناك جزءٌ يحمل ذكرياتٍ طيبة، فذلك يصبّ في مصلحته لِمَ لا يكتب الرسائل بصيغة الاحترام من الآن فصاعدًا؟
فحتى أخوه يستخدم صيغة الاحترام مع زوجته، وإذا قال إن ذلك تعبير عن احترامه لشريكة حياته المستقبلية، فسيكون عذرًا مناسبًا لتغيير أسلوب حديثه.
“ليديلون.”
“نعم، مولاي.”
“حين نصل إلى الشمال، اجمع لي ورقًا يصلح لكتابة رسائل الغرام كما تعلم، ذاك الذي يمكن كبس الأزهار عليه أو ما شابه.”
لم تكن هذه المرة الأولى التي يبعث فيها رسالة إلى شخصٍ ما، لكنها كانت أول مرة يرسل فيها رسالة حب، لذا خفق قلب ميلتشزيدك.
أن يرشّ العطر على الورق، ويترك قبلةً في الخاتمة أن يكتب قصيدة حب بلا سبب، وينتظر الجواب بلهفة، محدّقًا من النافذة كل يوم.
نعم.
لعلّه تلقّى حياةً ثانية من أجل هذا بالذات ليذوق ما لم يستطع أن يعيشه في حياته السابقة.
طرق شفتيه بأطراف أصابعه.
وحين فكّر في الأمر، تذكّر أنه لم يتمكّن هذه المرة سوى من اعترافٍ جزئي، يعبّر فيه عن إعجابه ببعض الجوانب فحسب.
حسنًا، ما دام أمامه خمس سنوات، فلا بد أن فرصة اعترافٍ صريح ستأتي يومًا ما خلالها.
ابتسم ابتسامةً هادئة، وحمل منظر الخارج في عينيه فكّر أن يكتب لها عن هذا المشهد بعد أن يعود إلى إقطاعيته.
فلو كتب لها منذ الرسالة الأولى عن مشاعره المتدفقة، فقد تفزع بلانش وتحرق الرسالة فورًا.
***
لم تكن هذه النهاية هي التي تمنّيتها عند التحاقي بالأكاديمية لأول مرة، لكن مع ذلك جرى احتواء جميع الحوادث الطارئة على نحوٍ جيّد.
حُكم على مجموعة ‘هيروميتشي بالوضع تحت القيد والقيام بالخدمة المجتمعية
أمّا العقوبة المتعلقة بضربي، فكما أخبرتني آنسة ويلينغدن سابقًا، كانت اعتذارًا رسميًا، وقد انحنوا لي وهم يبدون على وجوههم قدرًا لا يُستهان به من الصدق.
لا بدّ أن جلالة الإمبراطور قد وبّخهم توبيخًا حقيقيًا.
بدوا نادمين إلى حدٍّ جعلني أتخلّى تمامًا عن فكرة الضغط عليهم أكثر.
فبعد أن أظهروا ذلك الاعتذار المتذلّل أمام الجميع، تمكّنتُ، كما كنت أطمح، من الصعود إلى الطبقة العليا داخل الأكاديمية، ومع آنسة بارانديس أيضًا، إذ بدأنا بعد ذلك نتبادل الحديث على مهل ونتقرّب من بعضنا، فتكوّنت بيننا تلك العلاقة التي كنت أنوي بناءها بعد الترقية، ولكنها تشكّلت على نحوٍ طبيعي.
وأصبحت الآن أتبادل التحية البسيطة مع زملاء الصف، بل أصبح لي رفاق أتناول معهم الطعام.
والحقّ أنني أشعر بأن عدد أصدقائي في هذه الحياة يفوق ما كان لديّ في حياتي السابقة التي عشت فيها أكثر من ستين عامًا.
أما المنهج الدراسي، فليس من الصعب عليّ مجاراة ما يتعلّمه الأطفال، وبعد أن تلقّى مجموعة هيرميتشي توبيخًا صارمًا، لم يعد هناك من يضايقني، وعلاقاتي بزملائي تسير بسلاسة، ويمكنني التفرّغ للتعلّم متى شئت.
ورغم أنني لا أنزل كثيرًا مراعاةً لنظرات الآخرين، فإنني أستطيع، إن أردت، أن أزور منزل المدينة في عطلة نهاية الأسبوع لأرى تولا.
كانت أيّامًا لا أطلب بعدها شيئًا.
بل لقد بلغت من السكينة حدًّا جعلني أفكّر، وللمرة الأولى منذ نلت حياةً ثانية، أن مثل هذه الحياة تجعل قبول حياةٍ ثانية أمرًا يستحق العناء.
وبهذا يمكن إدراك مدى هدوء حياتي آنذاك.
آه، صحيح لقد بعثت لي فانيا أيضًا رسالة، وكأن صداقتها لي ما زالت قائمة حتى الآن.
وعلى خلاف خطّي المتصلّب، كان خطّ فانيا دائريًا جميلًا، بل إن ورق الرسالة نفسه كان بالغ الجمال.
كانت قد كبست أزهارًا على الورق، حتى خُيّل إليّ أنني أرغب بوضعها في إطار وتعليقها للزينة، لما كانت عليه من جمال وعناية.
فشعرت بشيء من الحرج أن أبعث ردًا على ورقٍ أبيض عادي، فكتمت خجلي واشتريت من الدكّان ورق رسائل ملوّنًا.
عرض عليّ موظف الدكّان أيضًا ورقًا مزخرفًا ومعطّرًا، لكن يدي لم تمتدّ إلى ذلك الحد، وقرّرت أن أجرّبه لاحقًا حين تتوفّر لي الشجاعة.
وبعد أن عدت بورق الرسائل، كتبت الجواب.
كتبت لها أنني بخير حقًا ردًّا على قلقها وسؤالها عن حالي بعد سماعها المتأخّر بقضية مجموعة هيرميتشي، وأجبت عن سؤالها بشأن موعد عودتي إلى العاصمة بأنني سأعود في العطلة.
وبعد شيء من التردّد، أضفت أنني أستطيع المرور بمنزل المدينة في عطلة نهاية الأسبوع، وأنه لا بأس إن زارتني إن صادف مرورها بالقرب.
ليست دعوة مباشرة، لذا فلن تبدو قسرية، أليس كذلك؟
وبما أن أبناء النبلاء في الأكاديمية لم يثيروا أي ضجّة، فلا يبدو أن هناك أمرًا خطيرًا، لكنني سألتها أيضًا إن كانت أحوالها بخير هذه الأيام، فلعلّ لديها همومًا صغيرة لا يسهل البوح بها للآخرين.
وبعد أن ملأت الرسالة بأمورٍ بسيطة كهذه، وضعتها في الظرف، فبقي أمامي أمرٌ واحد.
نظرت إلى درج المكتب المغلق بإحكام.
في داخله كانت رسالة فانيا التي وصلتني بالأمس، ومعها أيضًا خطاب جلالة الإمبراطور.
التعليقات لهذا الفصل " 101"