6
في اليوم التالي.
واجه بيتر استدعاءً مفاجئًا من ملك الشياطين، فالتقاه للمرّة الأولى منذ قرابة عام.
شَعرٌ بلون السواد الحالك، وعينان حمراوان واضحتان.
كان ملك الشياطين يقلب صفحات الكتاب الذي يقرؤه بملل، ثمّ قال فجأة:
“يبدو أنّ عدد الخَدَم الجدد قد ازداد.”
“ماذت؟ نعم…….”
أدار بيتر عينيه.كان اهتمامًا في غير محلّه.
“نعم. قمنا هذه المرّة بتوظيف بستانيٍّ وطاهٍ وخادمة.”
“أهذا كذلك.”
قلب ملك الشياطين، بملامحه الرتيبة، صفحة الكتاب بتمهّل.
كان برج الغابة الذي يعتزل فيه ملك الشياطين مكانًا مخفيًّا بحاجزٍ سحري.
ولا يستطيع دخول الغابة والخروج منها سوى من نال إذنه، وفي الحقيقة لم يكن المسموح له بذلك سوى كبير الخدم.
“وماذا تفعل المرأة ذات الشعر الأحمر والعينين البنفسجيّتين؟”
“أتقصد الآنسة إيلي؟”
“نعم، إيلي.”
رفع بيتر أحد حاجبيه قليلًا.
ذلك لأنّ ابتسامة خاطفة مرّت على وجه ملك الشياطين وهو يردّد اسم إيلي.
كانت عابرة إلى درجة أنّه شكّ إن كان قد رآها فعلًا.
“إنّها خادمة. تقوم في الغالب بأعمال التنظيف.”
“تنظيف إذن…… فلتتولَّ إيلي تنظيف البرج.”
“نعم البرج، لحظة البرج؟!”
كان بيتر في الخامسة والستّين من عمره، وقد أمضى سبعةً وعشرين عامًا يعمل في قلعة ملك الشياطين.
وخلال تلك المدّة، لم يرَ البرج يُنظَّف ولو مرّة واحدة.
ثمّ إنّه البرج الذي يقيم فيه ملك الشياطين.
مكانٌ من الطبيعي أن يفرّ منه أيّ إنسانٍ عاديّ خوفًا.
“سأحاول إخبارها أوّلًا، لكن…….”
تردّد بيتر، إذ لم يجرؤ على إخبار سيّده بالحقيقة.
“ستوافق.”
قالها ملك الشياطين بثقة.
“سأنقل لها الأمر على أيّ حال.”
شدّد بيتر مرارًا، ثمّ غادر الغابة.
* * *
“البرج؟”
“نعم، البرج…….”
التفتُّ إلى بيتر وأنا أعلّق ستائر جديدة.
كان يحدّق في الأرض بملامح محرجة على نحوٍ غريب.
“يوجد برج داخل الغابة الملاصقة للحديقة. المطلوب هو تنظيفه. هل هذا ممكن؟”
إنّه البرج الذي يوجد فيه الأمير.
خطر في بالي وجه الأمير المبتسم الذي رأيته البارحة.
الأمر ممكن، لكنّ الشكّ راودني.
‘هل يجوز كشف مكان الأمير المخطوف بهذه السهولة؟’
هل ثمّة مؤامرة، أم أنّهم يثقون بي؟
تفحّصتُ وجه بيتر بهدوء، لكن باستثناء ارتباكه الواضح، لم ألمح ما يثير الريبة.
“حسنًا. سنفعل ذلك.”
“الآنسة إيلي. أمم، البرج…….”
“نعم، البرج؟”
“البرج…… البرج، البرج…… البرج متّسخ جدًّا…….”
“آه، حسنًا.”
أكان كذلك؟
حاولتُ استرجاع ذكرى الأمس، لكنّ الظلام كان كثيفًا فلم أتذكّر جيّدًا.
“لكن هل يمكنني البدء بالتنظيف من الغد؟ أودّ إنهاء ما أعمل عليه الآن.”
“……نعم. افعلي ذلك.”
“حسنًا.”
“……شكرًا لكِ.”
في اليوم التالي.
كان البرج في وضح النهار يبدو أقدم وأعلى ممّا بدا عليه بالأمس.
“قال إنّه هنا…….”
تلمّستُ الجدار متذكّرة كلام بيتر.
وحين تتبّعتُ بأصابعي الشقوق الدقيقة وضغطتُ عند نهايتها، ظهر درجٌ يصعد داخل البرج مع غبارٍ خفيف.
عندما فتحتُ الباب في أعلى الدرج الحلزوني، رأيتُ ريهات جالسًا وحده في غرفةٍ مظلمة.
“الأمير…… ريهات.”
توجّهت نحوي عينان زرقاوان متلألئتان حتى في الظلام.
“قال بيتر إنّكِ ستتولّين تنظيف هذا المكان ابتداءً من اليوم.”
أومتُ برأسي.
يبدو أنّه كان قد أُبلغُ مسبقًا.
توجّهتُ أوّلًا إلى النافذة، وسحبتُ الستائر الثقيلة، ثمّ فتحتُها.
وحين فتحتُ النوافذ الثلاث كلّها، أضاء المكان، وبدا فقر الغرفة واضحًا.
فغرفة السجين لا يمكن أن تكون جيّدة على أيّ حال.
“هل تناولتَ طعامك؟”
“…….”
“الأ تأكلُ؟”
عند التأمّل، لم تكن الغرفة تحمل أيّ أثرٍ للحياة.
لا أطباق من عشاء الأمس، ولا حتّى سلّة خبز عاديّة.
‘هل ظلّ بدون طعامٍ؟ لا يبدو الأمر كذلك…….’
ومرّة أخرى، وجدتُ نفسي أتفحّص جسد ريهات دون قصد.
كان جسده ما يزال كاملًا.
بل إنّ شكل عضلاته المتناسق كان مدهشًا.
“لم آكل. ظننتُ أنّ إيلي ستجلب الطعام.”
“آه.”
كان الصباح باكرًا.
وبما أنّني جئتُ بدلًا من بيتر الذي كان يعتني بوجباته، فمن المنطقي أن أفعل أنا ذلك.
“سأحضره حالًا.”
“لا داعي…….”
“لا. لا يجوز للإنسان أن يجوع. مهما حصل. أبدًا.”
قلتُ ذلك بحزم، ثمّ اندفعتُ نحو قلعة ملك الشياطين.
إنّ سبب اهتمامي بطعام ريهات واحد فقط.
وهو ألّا ينهار من الضعف وقت الهروب.
حضّرتُ الطعام بسرعة، وصعدتُ الدرج وقدّمته له.
“البيض المخفوق احترق قليلًا، لكن يمكن أكله.”
تأمّل الطعام قليلًا، ثمّ بدأ يمضغه ببطء.
بدا أنّه لم يعجبه كثيرًا.
‘متطلّب.’
لكن هذا مفهوم، فقد نشأ على الأطعمة الفاخرة في القصر الملكي.
بدأ التنظيف حين أوشك ريهات على إنهاء طعامه.
“ريهات. سيتطاير الغبار، هل تخرجُ من الغرفة؟”
“لا. سأبقى معكِ.”
“حسنًا.”
بدأتُ أنفض الغبار المتراكم على الجدران بمنفضة الغبار.
وبعد فترة من تنظيف البرج الواسع على غير ما توقّعت.
“أنا أكرهـ ذلك القمر الأحمر.”
“القمر الأحمر؟”
ربّما لارتفاع البرج، بدا القمر الأحمر قريبًا على نحوٍ خاص.
“أنا أيضًا لا أحبّه. يشبه عيني ملك الشياطين.”
“…….”
“على ذكر ذلك، يُقال إنّ القمر الأزرق في عالم البشر يشبه عيون العائلة المالكة.”
حدّقتُ في عيني ريهات.
هل يشبهه؟
لا أعلم.
كانت عيناه أكثر زرقةً وصفاءً من القمر الأزرق نفسه.
أبعدتُ نظري عن وجهٍ أدركتُ فجأة كم هو وسيم.
“تحمّل الأمر حتّى لو لم يعجبك. سأغلق النوافذ بعد الانتهاء من التنظيف.”
اقترحتُ عليه مجدّدًا أن يخرج قبل تنظيف الأرضيّة، لكنّه رفض مرّة أخرى.
وبعد الانتهاء من تنظيف البرج، نزعتُ أغطية السرير والستائر التي استُخدمت طويلًا.
“سأغسلها، فبدّل ملابسك بهذا.”
قلتُ ذلك وأنا أناوله الملابس التي أحضرتها معي.
لكن……
“ما هذا…….”
أدرتُ نظري على عجل عن صدرٍ متينٍ مكشوف.
كان ما يرتديه ريهات رداءً يُربط بحزامٍ عند الخصر، لا ملابس من قطعتين.
أي إنّه ما إن يُفكّ الحزام حتّى يصبح عاريًا تمامًا.
“ما بكِ؟ أتشعرين بالخجل؟ ظننتُكِ ترغبين برؤية جسدي، فقد كنتِ تتفحّصينه دائمًا.”
مهما يكن، فهناك فرق بين الجسد المكسوّ والعاري.
لكنّني سارعتُ بالاعتراف بخطئي.
“أعتذر. لن أتفحّصه مجدّدًا.”
التقطتُ الغسيل وصعدتُ الدرج مسرعة.
ومن خلفي، تردّد ضحك ريهات.
كان يسخر منّي.
وضعتُ الغسيل في حوضٍ كبير وجدته، وجلبتُ الماء من البئر القريب، وأذبتُ الصابون.
ثمّ بدأتُ أدوسه بقوّة، وأنا أتذكّر ريهات الذي كان يضحك عليّ.
“إيلي. عليكِ أخذ ملابسي أيضًا.”
“نعم. أعطني إيّاها.”
مددتُ يدي دون أن أرفع بصري.
لكن مهما انتظرت، لم ألمس شيئًا.
“حتى النظر لا تريدين؟”
ليتَه يكتفي بإعطائي الغسيل.
“نظرتكِ غير لائقة جدًّا.”
مدّ ريهات الملابس وهو يبتسم ابتسامة عريضة.
وحين أمسكتُها وكأنّني أختطفها، قبض على يدي.
سألته بضيق:
“لماذا تمسك بيدي؟”
“ألا يجوز؟”
سألني مقلّدًا نبرة صوتي.
وكانت ثقته هذه تثير الغيظ.
“اتركني.”
“أميركِ خائف.”
“هاه. لمَ هذه المرّة؟”
ابتسم ابتسامةً غامضة، متهرّبًا من الجواب.
يا له من إنسانٍ وقح.
الأنانيّة جزءٌ من طبيعته.
من الأفضل ألّا أواصل الحديث.
شدَدتُ يدي وانتزعتها منه، ثمّ واصلتُ دعك الغسيل بقوّة.
انتهى العمل في البرج بنشر الغسيل الرطب، وتعليق ستائر جديدة، وترتيب الفراش.
عدتُ إلى القلعة وأنا أطرق كتفيّ، وبفضل فريدي الهادئ، نمتُ بعمق تلك الليلة.
وفي اليوم التالي، ذهبتُ إلى البرج مجدّدًا.
وكان ريهات، لسببٍ ما، قد نزل إلى الأسفل.
البرج محاط بالغابة من كلّ جانب.
ولا يُرى طوال النهار سوى الأشجار التي تهتزّ مع الريح، ومع ذلك بدا الأمير مأخوذًا بها.
راقبته صامتةً قليلًا، ثمّ اقتربتُ وسألت:
“ريهات. هل يجوز لك البقاء في الأسفل؟”
“نعم. فملك الشياطين ليس صارمًا إلى هذا الحدّ.”
‘لأي شيءٍ ينظر أصلًا…….’
أردتُ أن أسأل، لكنّني كتمتُ فضولي.
خشيتُ أن يجيبني بشيءٍ من قبيل: ‘لأنّ ملك الشياطين طيّب؟’
وأثناء جمع الغسيل الجاف وترك ريهات يستمتع بالمنظر، امتدّت يده فجأة أمامي.
تتبّعتُ يده بنظري ونظرتُ إليه بذهول.
فلوّح بيده وكأنّه يستعجلني.
“……تريدني أن أمسكها؟”
أومأ برأسه.
يبدو أنّ الأمير يعاني نقصًا في العاطفة.
‘تسك.’
صافحته بشيءٍ من الشفقة.
فارتسمت على وجه ريهات ابتسامة هادئة، وأغمض عينيه بملامح مرتاحة.
وبعد أن طال الأمر، قلت:
“يجب أن أُنهي التنظيف.”
“قاسية.”
“نعم.”
ضحك ريهات بصوتٍ مسموع.
‘من السهلِ إضحاكهُ.’
حركتُ يدي ثم بدأتُ التنظيف بنشاط.
وفي اليوم التالي أيضًا، نزل ريهات إلى أسفل البرج ليستمتع بأشعّة الشمس.
أمسكتُ يده مرّة أخرى، ثمّ صعدتُ لتنظيف البرج.
كانت أيّام قلعة ملك الشياطين متشابهة في الغالب.
لا شيء مميّز، ولا شيء غريب.
كانت مجرّد أيّام عاديّة.
Chapters
Comments
- 6 منذ ساعتين
- 5 منذ يومين
- 4 منذ يومين
- 3 منذ يومين
- 2 منذ يومين
- 1 - هل هذا أيضًا لفترةٍ محدودةٍ؟ منذ يومين
- 0 - المقدمة منذ يومين
التعليقات لهذا الفصل " 6"