5
ابتسم الأمير بعينيه المنحنيتين.
كان يبدو في غاية السرور حقًّا.
“هذا مطمئنّ.”
“أخطّط للهروب من قلعة ملك الشياطين في يوم التآلف القادم، فحافظي على حالتكِ الحالية حتّى ذلك الحين.”
“هذا يعتمد عليك.”
“ماذا؟”
سألتُه عن السبب، لكنّ الأمير لم يبدُ راغبًا في الإجابة.
“ما اسمكِ؟”
“إيلي.”
“إيلي إذن… حسنًا، إيلي. أنا ريهات. تذكّري الاسم جيّدًا.”
كان اسم الأمير أندريه بورغيرت.
تساءلتُ إن كان أفراد العائلة المالكة يختصرون أسماءهم الكاملة هكذا، فاكتفيتُ بهزّ رأسي بلا اكتراث.
على أيّ حال، لن يحدث أن أنادي الأمير باسمه.
“سأخرج قليلًا لأتفحّص الخارج.”
“سأذهب معكِ.”
نهض الأمير من مكانه.
سقط الغطاء كاشفًا عن فخذين قويّتين، لكنّهما اختفيا سريعًا داخل الملابس.
“يبدو أنّك تُمارس الرياضة بجدّ.”
“ليس إلى هذا الحدّ.”
‘أحسدهُ.’
فبعض الناس يُتعبون أنفسهم بالتمرين ولا تتكوّن عضلاتهم، بينما آخرون يحصلون على هذا الجسد من دون عناء.
توجّهتُ إلى النافذة، وثبّتُّ حبل الهروب وتحقّقتُ من حالته.
“انزل أوّلًا.”
أمسك الأمير بالحبل ونزل البرج دفعةً واحدة.
تبعتُه مباشرة، وحططتُ على الأرض.
“لم يبقَ وقتٌ كثير، علينا التحرّك بسرعة.”
“ولِمَ؟”
“لأنّ يوم التآلف شارف على الانتهاء.”
“وهل هذا سيّئ؟”
“قد يظهر ملك الشياطين.”
“ولِمَ؟”
ظننتُه يسخر، لكنّ ملامحه كانت صادقة، فواصلتُ السير وبدأتُ الشرح.
“هل سمعتَ بأسطورة تقول إنّ قوّة البشر السحريّة تأتي من القمر الأزرق، أمّا طاقة الشياطين فتأتي من القمر الأحمر؟”
“نعم.”
“إن كانت الأسطورة صحيحة، فلن يتمكّن ملك الشياطين من استخدام طاقته في يوم التآلف.”
لم تكن سوى فرضيّة.
لكنّ عدم ظهور ملك الشياطين حتّى الآن رغم اختطاف الأمير زاد من مصداقيّتها.
“لكن قد لا تكون صحيحة.”
“ربّما. لكن من دون تصديقها لم أجد طريقة لإنقاذك.”
“تصرف أحمق.”
كان حكمه قاسيًا لدرجة أنّني ضحكتُ.
ففي نهاية الأمر، لا نهاية لهذه المسألة سوى استمرار الحياة أو الموت.
وإن متُّ.
‘أبدأ من جديد فحسب.’
حتّى لو لم يحدث الرجوع، فلا بأس.
لقد اندفعتُ لإنقاذ الأمير لأضع حدًّا لهذا التكرار الغامض.
شقَقنا طريقنا في الغابة على ضوء القمر.
وحين عبرناها، ظهر سور القلعة مباشرة.
“تجاوز السور يبدو صعبًا.”
لم يبقَ سوى طريق واحد للهروب، وهو عبور الحديقة الواسعة والخروج من البوّابة الرئيسيّة.
وللهروب خلال الساعتين اللتين يستمرّ فيهما التآلف، سنحتاج على الأرجح إلى خيل.
“ركوب الخيل…”
كنتُ على وشك أن أسأله إن كان يجيده.
صَبَك، صَبَك.
خطوات وأصوات قادمة من بعيد.
كان هناك شيطان يتجوّل في الحديقة.
‘حارس؟’
راقبتُ الشيطان المتثائب بعناية.
جلد بنيّ قاسٍ كالصخر.
إنّه من قبيلة توما المشهورة بقوّتها.
‘المواجهة المباشرة مستحيلة.’
لكنّ نقطة ضعفه واضحة.
ضربة واحدة في مؤخرة العنق تكفي.
“ابقَ هنا.”
استغللتُ الظلام، وتسلّلتُ خلفه بسرعة.
غرستُ الخنجر في عنقه دفعةً واحدة.
سقط الشيطان من قبيلة توما.
أمسكتُ بجسده الثقيل وسحبته إلى الزاوية قبل أن يُحدث ضجيجًا.
“حركة نظيفة. أسلوبكِ يدلّ على براعة في الاغتيال. هل كنتِ قاتلة مأجورة؟”
“نعم.”
“كما توقّعت…”
ابتلع الأمير بقيّة كلامه، ثمّ مدّ يده إليّ فجأة.
وما المطلوب الآن؟
نظرتُ إلى يده وإلى وجهه المبتسم بالتناوب.
“أنا خائف. ماذا ستفعلين إن تجمّد الأمير من الخوف؟”
“……”
“أمسكي عقل الأمير جيّدًا أيضًا.”
“البطلةُ إيلي
عليكِ تحمّل المسؤوليّة، أليس كذلك؟”
كان همسه البارد كفيلًا بأن يقشعرّ بدني دون إرادة.
* * *
حاكم عالم الشياطين، ملك الشياطين.
ريهات، الذي أصبح ملك الشياطين بعد وفاة الملك السابق، لم يكن ملكًا كاملًا بلا نقص كما يراه الجميع.
فهو ماجين، وُلد بين إنسان وشيطان.
امتلك طاقة شيطانيّة هائلة جعلت الشياطين تقدّسه، لكنّ الدم البشري الذي يجري في عروقه أثار نفورهم في الوقت ذاته.
وقبل كلّ شيء، كان عليه أن يعيش في ألم دائم بسبب دمه الناقص.
فهذا الدم كان ضعيفًا أمام الطاقة الشيطانيّة.
كلّ يوم، وكلّ دقيقة، وكلّ ثانية، كان يتعرّض لهجومها ثمّ يتعافى مرارًا لا تُحصى.
لذلك كان الألم أمرًا متوقّعًا.
مرّ أكثر من ثمانمئة عام وهو لا يموت، بل يعيش وسط المعاناة.
وذات يوم، أعلن ملك البشر الحرب.
لم يجد سببًا لتجاهله، كما أنّه فكّر بأن إطلاق طاقته قد يخفّف الألم.
وقد أصاب توقّعه.
حين أطلق طاقة تكفي لإبادة القارّة الشماليّة، صفا ذهنه وخفّ جسده.
ثمّ أدرك ريهات موته القادم.
‘آه، أخيرًا.’
أدرك أنّه كان ينتظر هذه اللحظة.
لم يكن موته مميّزًا.
رأى فتاة صغيرة على ما يبدو، لكنّه لم يهتمّ كثيرًا.
أغمض عينيه، ثمّ استيقظ قبل عام من ذلك الزمن.
‘هل كان حلمًا؟’
أيصنع هذا الألم أوهامًا كهذه؟
لكنّ الأحداث المألوفة تكرّرت، وحين دمّر القارّة الغربيّة بعد الشماليّة، مات مجدّدًا برفقة تلك الفتاة التي رآها من قبل.
‘من هي؟’
عندما فتح عينيه في المكان نفسه للمرّة الثانية، أثارت الفتاة فضوله.
لماذا كانت حاضرة في نهايته مرّتين؟
كانت معه حتّى حين دمّر القارّة الجنوبيّة بعد الشرقيّة، ومات هناك أيضًا.
‘إن عدتُ للحياة مرّة أخرى، سأبحث عنها.’
أغمض عينيه وهو يفكّر بذلك.
وحين فتحهما من جديد، لوّح بذراعه نحو شخص غريب يقترب بعلامات انفجار.
وفي اللحظة التي لامس فيها أحدهم، تبدّدت الطاقة الشيطانيّة العنيفة فجأة.
تعرّف ريهان على الفتاة في الحال.
فهي آخر شخص قابله، كما أنّ عينيها العميقتين لا تُنسى بسهولة.
“جئتُ لإنقاذ الأمير.”
فهم ريهات الموقف فورًا.
في يوم التآلف، حين يصبح نصف إنسان، يتغيّر شكلهُ إلى شعر أشقر وعينين زرقاوين تشبهان والدته.
“إن كانت الأسطورة صحيحة، فلن يتمكّن ملك الشياطين من استخدام طاقته في يوم التآلف.
نظر ريهات إلى الفتاة الأصغر منه بكثير وتردّد.
هل أقتُلها أم لا؟
في الأحوال العاديّة، لكان اختار القتل دون تفكير.
“لحظة واحدة.”
الفتاة التي قتلت شيطان من قبيلة توما أمسكت بيده رغم تذمّرها.
ومن خلال التلامس، شعر بتلك القوّة التي أحسّ بها سابقًا.
قوّة تهدّئ طاقته المنفلتة وتنعش ذهنه بعطر بارد صافٍ.
لم تكن قوّة مقدّسة تُنقّي الطاقة.
بل كانت قوّة تُعادلها وتبطلها.
هو لا يحبّ لمس الآخرين.
فالألم الدوريّ جعله شديد الحساسيّة.
نظر إلى اليد الصغيرة التي تمسك بيده.
يد تُزيل الألم.
مسكّن صغير وقع في حضنه.
كانت تلك اللحظة الأولى في حياته التي يرغب فيها بشيء.
* * *
“لنعد الآن.”
رفعتُ رأسي متتبّعة نظر الأمير.
كان يوم التآلف يوشك على الانتهاء.
كانت نزهة الليل تنتهي هنا.
“دعنا نترك الأيدي الآن.”
“همم… لا أريد.”
بل شدّ الأمير على يدي بقوّةٍ.
مهما هززتُ وحاولتُ سَحبها، لم أستطع الإفلات.
تسلّل إليّ الضيق، لكنّ الاستسلام كان أسرع من الجدال.
عدنا من الطريق نفسه ونحن متشابكا الأيدي.
وكان القمر الأحمر قد كاد يظهر فوق برج الغابة.
“هاه… اصعد بسرعة قبل أن يراك ملك الشياطين.”
كنتُ ألهث بقوّة، بينما الأمير اكتفى بهزّ كتفيه دون عناء.
“لا تقلقي. حتّى لو رآنا، فلن يقتلكِ.”
“وكيف تضمن ذلك؟”
“لأنّ ملك الشياطين طيّب.”
“هل جُننت؟”
انفجر الأمير ضاحكًا.
“أتقولين مجنون؟ مهما يكن، أنا أمير. أترغبين بالموت بتهمة إهانة العائلة المالكة؟”
كان وجهه مليئًا بالمرح، فاكتفيتُ بقول ‘أعتذر’ على عجل.
“على أيّ حال، سموّ الأمير، اصعد…”
“ريهات.”
“نعم؟”
“ريهات.”
هل يريدني أن أناديه باسمه؟
أملتُ رأسي وقلتُ:
“الأمير ريهات.”
هزّ رأسه.
ليس هذا.
“الأمير أندريه بورغيرت؟”
هزّ رأسه مجدّدًا.
وما المطلوب إذن؟
“هل أنتِ بليدة؟ لقد أعطيتكِ الإجابة بالفعل.”
……أأقتله؟
“تبدين وكأنّكِ تريدين قتلي. اصبري قليلًا.”
“كنتُ أنوي ذلك أصلًا.”
حاولتُ كبح غضبي، لكنّ كلماته المتكرّرة عادت إلى ذهني.
‘لا تقل…’
“ريـ… هات…؟”
“نعم، إيلي.”
تسلّل الرعب إلى جسدي مع هذا النداء اللطيف.
ليته يترك يدي ويختفي من أمامي فورًا.
“دعنا نترك الأيدي.”
“لا. إلى أين تذهبين؟”
“إلى غرفتي.”
“وتتركينني؟”
“هل آخذك معي إذن؟ إلى غرفتي؟”
“همم، لا بأس بذلك.”
“……”
“أرخِ تعابيركِ. سأتحمّل الأمر برحابة صدر.”
“تتحمّل ماذا؟”
“أشياء كثيرة.”
“……”
من الأفضل ألّا أسأل.
فأحيانًا يكون الجهل نعمة.
“اصعد الآن. سنلتقي في يوم التآلف القادم. حينها سأُخرجك، أعني الأمير… لا، ريهات.”
أفلت الأمير يدي أخيرًا.
راح يقبضها ويفتحها وكأنّه مندهش.
“غريب حقًّا. مدهش. إيلي. سأنتظر لقائنا القادم.”
“نعم.”
وهكذا، وعدنا باللقاء التالي، وافترق كلّ منّا إلى مكانه.
Chapters
Comments
- 5 منذ 3 ساعات
- 4 منذ 3 ساعات
- 3 منذ 4 ساعات
- 2 منذ 4 ساعات
- 1 - هل هذا أيضًا لفترةٍ محدودةٍ؟ منذ 5 ساعات
- 0 - المقدمة منذ 12 ساعة
التعليقات لهذا الفصل " 5"