3
إنَّه لأمرٌ مدهش حقًّا.
أن يكون البستاني الذي حوَّل أشجار الحديقة إلى ساحةٍ خضراءَ ليس سوى إنسان.
‘بهذه المهارة، كيف تجرَّأ على أن تُسمِّي نفسهة بستانيًّا؟’
في النهاية ، وبما أنَّ عملها وافق الذائقة الجماليّة للشياطين، فقد استمرّت في عملها، لكن لو كان هذا مكان عملٍ في عالم البشر لكانت قد طُردت فورًا.
أمرٌ مريب.
ضيَّقتُ عينيّ وسألتُ:
“لكن، منذ متى تعمل إستل هنا؟”
“آه، أنا… مضى عليَّ نحو شهرين الآن.”
قبل شهرين، أي قبل أن يختطف ملكُ الشياطين الأمير.
وبالتالي، فهذا يعني أنَّ إستل ليست بطلة.
“آه، أنا أحبُّ هذا الوقت أكثر من أيّ وقتٍ آخر. أليس جميلًا؟ لطيفٌ جدًّا…….”
توقَّفت إستل عن المشي للحظة، ونظرت إلى الحديقة التي ينساب عليها وهج الغروب، ثم ابتسمت بخجل.
أمَّا في عينيَّ، فلم أرَ سوى عزيمة الوحوش السحريّة التي تستعدّ للحرب.
‘إنسانة غريبة الأطوار.’
دوَّنتُ شخصيّة إستل في قائمتي الذهنيّة.
وحين كنَّا على وشك الوصول إلى المطبخ، حدث ذلك.
“آاااه!”
طاخ طراخ—!
صرخةٌ حادّة يتبعها صوتُ سقوط أشياء.
“ما الذي…….”
“آه.”
مع تنهيدة إستل، توقَّفت ساقي التي كادت تتحرَّك تلقائيًّا.
التفتت إليَّ، وكان وجهها هادئًا إلى حدٍّ بدا معه متبرّمًا، ثم أطلقت تنهيدةً أخرى قبل أن تلتقي نظراتُنا.
“آه…… أفزعتيَ، أليس كذلك؟ لا بدّ أنَّه أمرٌ بسيط. هذا يحدث كثيرًا لأنَّ شخصًا يُدعى فريدي يعمل في المطبخ وهو أخرق قليلًا.”
يحدث كثيرًا؟
مشيتُ مع إستل، ثم توقَّفتُ عند رؤية قاعة الطعام المدمَّرة.
بل كان المكان أقرب إلى مطبخٍ صغير، تعمّه المكوّنات الغذائيّة وأدوات الطهي المبعثرة.
يبدو أنَّ الدقيق قد انسكب، إذ غُطِّيَت طاولة العمل بمسحوقٍ أبيض، وكان دخانٌ خانق يتصاعد من الموقد.
“فريدي! أخرج ما في الموقد أوّلًا!”
عند صرخة إستل، انتفض الرجل المغطّى بالدقيق، وأخرج كتلةً سوداء من الفحم باستخدام المجرفة، وفي تلك الأثناء فتحت إستل النافذة للتهوية.
يبدو أنَّ قولها إنَّ الأمر يحدث كثيرًا لم يكن كذبًا، فقد بدت حركاتهما متمرّسة للغاية.
“ما الذي يجري؟ أشمُّ رائحة احتراق!”
صرخ بيتر بصوتٍ فزع، وهو يركض إلى الداخل، ثم ما لبث أن تغيَّر لونه عند رؤية المطبخ الأبيض تمامًا.
“أنا آسف…….”
“……هل أُصيب أحد؟”
“لا.”
“هذا مطمئن.”
لكنَّ وجهه وهو ينظر إلى القاعة كان ممتلئًا بالمرارة.
لم يقل بيتر شيئًا آخر، وبدأ بتنظيف المكان، وساعدته إستل.
وأنا أيضًا شعرت بالحرج من الوقوف مكتوفة اليدين، أو بالأحرى خشيت أن يتأخّر العشاء، فساعدت في التنظيف.
“الزجاج سأتولّاهُ أنا…….”
“لا. نحن سننظّف هنا، وأنتَ حضِّر العشاء.”
“نعم…….”
عند هذا الرفض الحازم، عبس فريدي وبدأ بتتبيل اللحم المفروم.
وبإشراف بيتر وإستل، تمكَّن هذه المرّة من إعداد عشاءٍ مطهوٍّ على نحوٍ مناسب.
تصاعدت رائحةٌ شهية من قالب اللحم المشويّ جيدًا.
قطعتُ قطعةً بالسكين ووضعتها في فمي، بينما أراقب الطاهي.
كان اسم الرجل فريدي.
رجلٌ ساذج الملامح، بشعرٍ أزرق وعيونٍ بنّيّة.
وقبل كلّ شيء، إنسانٌ آخر.
“آه، فريدي. هذه إيلي، الخادمة التي جاءت اليوم.”
عند تعريف إستل، ابتسم فريدي ابتسامةً عريضة.
“آه، إيلي! تشرفت بلقائك، إيلي! اسمي فريدي. أتطلّع للعمل معكِ!”
وشخصيّتهُ بريئةٌ كالأطفالِ.
“نعم. تشرفت بمعرفتكَ.”
من غير المعقول أن يكون مثل هذا الإنسان بطلاً، لكن لا بدّ من التأكّد.
أمسك فريدي بيدي التي مددتُها، وكانت يده خشنة مليئة بالثَّفَن، وتركت إحساسًا قاسيًا قبل أن يتركها.
“…….”
عرفتُ فورًا.
هذه ليست يدًا عاديّة، بل يدُ شخصٍ أمسك بالسيف طويلًا.
‘إذًا، هل هذا الرجل هو البطل……؟’
كان قد أجاب سابقًا، حين سأله بيتر أثناء التنظيف: “كيف انتهى الأمر بقاعة الطعام إلى هذه الحالة؟”
“ههه، تعثَّرتُ فقط…….”
انزلق بصري تلقائيًّا إلى الأرضيّة الملساء.
أين بالضبط؟
مهما نظرت، لم يكن هناك ما يمكن التعثّر به.
لكنّ هذا الشكّ لم يدم طويلًا.
“سأصبُّ لكِ ماءً!”
رأى فريدي الكأس الفارغ فجاء بالإبريق، وكان يسير بثباتٍ في البداية، ثم أطلق صرخةً قصيرة: “أُه!”، واختلّ توازنه.
“…….”
دوّى صوتُ ارتطام الإبريق، وفي اللحظة نفسها اندفع ماءٌ بارد على خدّي.
لقد تعثَّر بقدمه هو.
“إيلي!”
“آنسة إيلي! هل أنتِ بخير؟”
“آسف، آسف جدًّا……!”
مسحتُ الماء عن وجهي بكفّي، ونفضته إلى الأرض.
تحوّلي إلى فأرٍ مبلّل لم يكن مشكلة.
وتحوّل قالب اللحم الذي لم آكل منه سوى لقمةٍ واحدة إلى يخنة لحم لم يكن مشكلة أيضًا.
“سأحضّر غيره حالًا……!”
أوقفتُ يد فريدي التي كانت تمتدّ نحو الطبق، ورفعتُ الملعقة.
“لا بأس.”
تناولتُ قالب اللحم المبتلّ، وأنا أُخفي مشاعري المضطربة بصعوبة.
‘أن يكون هذا بطلًا…….’
كنت أظنّ أنَّني لست الوحيدة التي تسلّلت إلى قلعة ملك الشياطين، لكن لم أتخيّل وجود شخصٍ بهذه البلاهة.
مهما قيل إنَّ الحرب مع عالم الشياطين باتت من الماضي، فالأمر يتعلّق بمواجهة ملك الشياطين، فكيف يتسلّل هذا الأحمق إلى القلعة؟
مأزقٌ حقيقي.
بدل أن أشعر بالفرح لوجود رفيقٍ جديد، شعرتُ بثقل عبءٍ إضافيّ.
‘يجب أن أطرده قبل أن أعثر على الأمير.’
إن كرَّر أخطاءه اليوم، فسيغضبُ بيتر قريبًا ويُطرَد.
ومع ذلك، وبعد الاستمرار في الأكل، كان قالب اللحم المبتلّ صالحًا للأكل على نحوٍ ما.
ولهذا، كان عشاءً يجرح الكبرياء على نحوٍ غريب.
في اليوم التالي، وبعد الانتهاء من الفطور، التقيتُ في القاعة بامرأةٍ ترتدي زيّ العمل نفسه الذي أرتديه.
شعرٌ بنّي، وعينان خضراوان، وطولٌ فارع وبنيةٌ قويّة، إنسانة.
“مرحبًا! أنا فيرونيكا فرانكو!”
دوّى صوتها الجهوريّ في القاعة، تمامًا كما يوحي مظهرها.
لم يكن لديّ شعورٌ جيّد.
ربما بسبب تجربة فريدي بالأمس.
للتأكّد مبدئيًّا، مددتُ يدي إلى فيرونيكا.
“إيلي.”
“سمعتُ من السيّد بيتر. قيل لي إنَّك ستعملين معنا في تنظيف قلعة ملك الشياطين ابتداءً من اليوم. تشرفت بمعرفتك.”
كانت يد فيرونيكا التي أمسكت بيدي صلبة.
كان فيها ثَفَن، لكنَّه يختلف عن ذاك الناتج عن السيف أو الرمح.
إن اضطررتُ للتحديد، فهو ناتج عن العمل البدنيّ الشاق.
“سأشرح لك. لا توجد مناطق تنظيف محدَّدة هنا. فقط نظّفي ما ترينه كلّ يوم. ستعرفين حين تتجوّلين، لكن لا يوجد مكان غير متّسخ في هذه القلعة. إنّها أقذر وأوسع قلعة رأيتها في حياتي!”
نزلت فيرونيكا تحت الدرج وفتحت خزانةً خشبيّة على مصراعيها.
“أدوات التنظيف هنا. آه، وهذه أيضًا أوّل مرّة أرى مكانًا تكون فيه أدوات التنظيف بالية هكذا!”
“تبدين متمرّسة. هل مضى وقتٌ طويل منذ بدأتِ العمل هنا؟”
“لا؟ مضى نحو أسبوعين فقط.”
“……فهمت.”
إذًا، فذلك ناتج فعلًا عن العمل البدنيّ.
“كنتُ أنظّف الطرف الغربيّ من الطابق الأوّل. هل أنتِ جيّدة في التنظيف؟ أم أنَّه يومك الأوّل فننظّف معًا؟”
بما أنَّ هويّتها لم تتّضح بعد، فالأفضل مراقبتها عن قرب، لكن……
“……سأتولّى الجهة الشرقيّة.”
“حسنًا. بالتوفيق! نلتقي في قاعة الطعام وقت الغداء!”
سأُبقي الأمر معلّقًا.
لم تكن لديّ ثقةٌ في تحمّل ثرثرة فيرونيكا السريعة.
لوّحت لي فيرونيكا، وهي تحمل المكنسة والدلو المملوء بالماء، ثم اختفت سريعًا في منطقتها.
وأنا بدوري أخذت أدوات التنظيف بنفسي.
وأنا أتحرّك، عزمتُ على ألّا تنكشف هويّتي أبدًا.
وهكذا بدأ عملي كخادمة.
بعد مسيرٍ طويل، وصلتُ إلى الغرفة الأخيرة في الجهة الشرقيّة، وهي غرفة مهجورة يُفتح بابها بصوت صريرٍ مزعج.
رغم ضخامة قلعة ملك الشياطين، لم أشعر بأيّ وجودٍ بشريّ، ويبدو أنَّ عدد الخدم قليل للغاية.
‘قال ليو إنَّه كان ينشر إعلانات توظيفٍ دوريًّا.’
يبدو أنَّ إيجاد خدمٍ كان أمرًا صعبًا، ربما بسبب بُعد المكان.
تجاوزتُ سجّادةً تراكم عليها الغبار، وفتحتُ النافذة، ثم نزعتُ الستائر الريفيّة دفعةً واحدة.
بعدها، أزلتُ القماش الأبيض الذي كان يغطّي السرير ذي المظلّة والفراش والأريكة، وكذلك السجّادة.
دفعتُ كلّ الغسيل إلى الممرّ، ثم أمسكتُ بالمكنسة.
نفضتُ الغبار عن السقف والجدران والنوافذ، ومسحتُ الزجاج، ونظّفتُ الأثاث، وكنستُ الأرض ومسحتها……
وبينما كنتُ أنظّف بجنون، شعرتُ بالجوع فرفعتُ رأسي، فإذا بالغرفة النظيفة تقع أمام عينيّ.
كما هو متوقّع ممّن لا يعجزه شيء، أصبحت الغرفة نظيفةً على نحوٍ مثاليّ.
هززتُ رأسي رضا، وحملتُ الستائر وعدتُ إلى القاعة، حيث صادفتُ بيتر الخارج من المطبخ.
“هل هذا غسيل؟ إن ذهبتِ إلى الخلف من هنا فستجدين المغسلة. فريدي طبخ حساء البطاطا للغداء، وكان لذيذًا.”
“لا، يا بيتر. ألا تفكّر في تغيير هذه الستائر القرويّة؟ أرى أنَّ عدم تعليقها أصلًا أفضل من إعادتها إلى مكانها.”
Chapters
Comments
- 5 منذ 49 دقيقة
- 4 منذ ساعتين
- 3 منذ ساعتين
- 2 منذ ساعتين
- 1 - هل هذا أيضًا لفترةٍ محدودةٍ؟ منذ 3 ساعات
- 0 - المقدمة منذ 10 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 3"