2
تفاجأتُ لأنّ الأمرَ سارَ بهذه السرعة، فلم أكن أتوقّع أن يُحسَم بهذه المباشرة.
راودني الشكّ، لكنّني أجّلتُ التفكير فيه، وتوجّهتُ فورًا إلى قلعةِ ملكِ الشياطين.
دَلْك دَلْك.
اندفعتِ العربةُ وهي تتخبّط فوق أرضٍ غير مستوية.
كان جسدي يطفو ثمّ يهبط، ويتقاذف يمينًا ويسارًا.
عرّف كبيرُ الخدمِ العجوز في قلعةِ ملكِ الشياطين عن نفسه باسم بيتر، وكان إنسانًا ذا شعرٍ بنّيّ وعيونٍ بنّيّة.
نظر بيتر إليّ وأنا أضرب رأسي بالسقف مرارًا، وارتسمت على وجهه ملامحُ اعتذار.
“الأمرُ مزعج، أليس كذلك؟ على الأقلّ من الجيّد أنّكِ لا تُصابين بدوارِ السفر.”
“همم…….”
كنتُ قد أجبتُ بيتر، قبل أن أركب العربة، بأنّني لا أُعاني من دوارِ السفر.
لكن هذا التخبّط كفيلٌ بإصابة من لم يُصَب به من قبل.
أشعرُ الآن بسخافةِ ثقتي السابقة حين ظننتُ أنّ الطريق، مهما اهتزّ، يبقى طريقًا.
“سنصل قريبًا، فاصبري قليلًا.”
“نعم.”
حرّكتُ جسدي في المقعد، ثمّ أدرتُ بصري إلى خارج النافذة محاوِلةً تهدئة معدتي المضطربة.
كانت العربةُ تجتازُ أرضًا قاحلة.
ثمّ دخلت منطقةً عمرانيّة، وبعد مسافةٍ قصيرة ظهر سورٌ عظيمٌ شاهق.
اتّسعت عيناي دهشةً أمام حجمٍ لم أتخيّله.
لكنّ الدهشة لم تتوقّف عند هذا الحدّ.
بعد عبور الجسر فوق الخندق، واجتياز بابين من أبواب القلعة، انفتح أمامنا فضاءٌ شاسع.
لا أدري أهو حديقة أم سهلٌ فسيح.
واصلتِ العربةُ السير فيه برهة، ثمّ توقّفت أخيرًا أمام القلعة.
نزلتُ من العربة وأنا ألحظُ ضخامةَ قلعةِ ملكِ الشياطين غير العاديّة، فلم أملك إلّا أن ألوّح بلساني دهشةً.
عندها فقط بدأتُ أفهم.
كنتُ أظنّ أنّ توظيف إنسانةٍ مثلي في هذا التوقيت، حيث يقال إنّ الحرب على وشك الاندلاع بسبب اختطاف الأمير، تصرّفٌ طائش، لكنّه في الحقيقة نابعٌ من ثقةٍ طاغية.
‘بهذا الحجم، سيستغرق العثورُ على الأمير شهرًا كاملًا على الأقلّ.’
وفوق ذلك، حتّى بالنسبة إليّ، فإنّ الهروب من هذه القلعة الشاسعة برفقة الأمير سيكون أمرًا بالغ الصعوبة.
نظرتُ مجدّدًا إلى بيتر ذي الوجه الوديع.
ظننته سهلًا، لكنّه في النهاية أحد أتباع ملكِ الشياطين.
‘هدفُ مراقبة رقم 1.’
دوّنتُ ذلك في قائمةٍ ذهنيّة خاصةٍ بي ، بنيّة التخلّص منه فورًا إن أعاق خطّتي لاحقًا.
“الآنسة إيلي سميث.”
كان اسمي الجديد الذي خرج من فم بيتر غريبًا، ومع ذلك مألوفًا.
“سأقودكِ أوّلًا إلى الغرفة. من هنا.”
“نعم.”
تبعتُ بيتر إلى القاعة الرئيسيّة.
صعدنا درجًا قديمًا لكنّه مُعتنى به، يمتدّ على جانبي القاعة، فإذا بساحةٍ داخليّة واسعة بين الأبنية تقع في مرمى البصر.
وهناك، انحبسَ صوتي.
الأشجارُ المزروعة حول الحديقة كانت ذات أشكالٍ شديدة الغرابة، يصعب تحديد ماهيّتها.
بدت كأنّ حساءً أخضرَ ينساب متجمّدًا في الهواء.
كلّما أمعنتُ النظر، خُيّل إليّ أنّها تتّخذ هيئةَ حيوان.
بل لعلّها تشبه غولِمًا من أحدِ أنواع السحر القديم الذي قرأتُ عنه في المخطوطات.
على أيّ حال، كانت أشجارُ تنسيقٍ عملاقة بلا داعٍ، وهيبتُها مرعبة.
“هذا هو زينةُ قلعةِ ملكِ الشياطين…….”
وبينما كنتُ أُبدي إعجابي بهذه الزينة التي تزيد القلعةَ كآبةً، أطلق بيتر ضحكةً محرجة.
“السيّدُ ملكُ الشياطين الصغير يحبّها كثيرًا.”
كان هذا يعني أنّ تغيير البستاني أمرٌ مستحيل.
لعلّه ذوقُ الشياطين الذي لا يفهمه البشر.
ثمّ ملكُ الشياطين الصغير…
لم يكن من المطمئن معرفة أنّ هناك شخصًا آخر يجب الحذر منه.
“وما طبيعةُ السيّدِ ملكِ الشياطين الصغير؟”
“السيّدُ ملكُ الشياطين الصغير هو…….”
غامت ملامحُ بيتر بالحزن.
وبعد تردّدٍ طويل، قال.
“……في سنّ المراهقة.”
آه، هكذا إذًا، مراهقة.
لكن هل تمرّ الشياطين أيضًا بمرحلةِ مراهقة؟
حبسني الذهول عن الكلام.
“هو سريعُ الانفعال قليلًا، لكن إن أحسنتِ تهدئته، فلا بأس.”
دوّنتُ هذا أيضًا في قائمتي الذهنيّة.
‘ملكُ الشياطين الصغير. مراهق. كثيرُ التذمّر.’
“وماذا عن السيّدِ ملكِ الشياطين؟”
“آه. لا داعي للقلق بشأنه. لن تلتقي به خلال إقامتكِ هنا. إلّا إن طالت مدّةُ بقائكِ.”
لماذا؟
هل ملكُ الشياطين غير موجودٍ في القلعة حاليًّا؟
نشأ الشكّ، لكن لم يكن بوسعي طرحه.
فقد يثير الريبة.
اكتفيتُ بالإيماء، لكنّ بيتر سألني فجأةً بسؤالٍ غير متوقّع.
“بالمناسبة، آنسة إيلي، هل أنتِ صبورة؟”
“نعم.”
أنا قاتلة مأجورة.
والتخلّص من الهدف بأفضل طريقة يتطلّب صبرًا طويلًا.
لكن، لماذا يسأل عن هذا؟
“جيّد. وماذا عن الطبخ؟”
“أُجيد تجهيزَ المكوّنات.”
لأنّني قاتلة مأجورة.
“والغسيل؟”
“أعرف كيف يُفعل.”
غالبًا ما أُنجز عملي بهدوء، كطفلٍ يغوص تحت الماء، لكن أحيانًا تقع اشتباكات.
وعندها، يجب إزالة بقع الدم عن الملابس.
“والتنظيف؟”
“بالطبع.”
فالتخلّص من الآثار جزءٌ أساسيّ من العمل.
لكن.
“هذا سؤالٌ متأخّر، أليس كذلك؟”
أليس من المفترض طرحُ مثل هذه الأسئلة قبل التوظيف؟
تجنّب بيتر الإجابة بابتسامةٍ هادئة.
تصرفٌ مراوغ يليق بهدفِ مراقبة رقم 1.
توقّفنا بعد قليل أمام إحدى الغرف.
“هذه الغرفة ستستخدمينها من الآن فصاعدًا.”
كانت غرفةً فاخرة على غير ما يُتوقّع من سكن الخدم.
“ابتداءً من الغد، ستتولّين تنظيفَ القلعة. ساعاتُ العمل من السابعة صباحًا إلى السابعة مساءً. وسيُصرف الراتب في الأوّل من كلّ شهر.”
“نعم.”
“الإفطار في السادسة، والغداء في الثانية عشرة، والعشاء في السابعة، لكنّ المواعيد مرنة. إن انتهى عملكِ، يمكنكِ الطلب من الطاهي في أيّ وقت.”
“نعم.”
“وماذا عن عشاء اليوم؟”
“سأذهب إلى قاعة الطعام في السابعة.”
“حسنًا. بما أنّه اليوم الأوّل، سأرسل من يرافقكِ. استريحي الآن.”
أغلق بيتر الباب وغاب، فبقيتُ وحدي أخيرًا.
أرخيتُ كتفيّ المشدودتين قليلًا، وفتحتُ حقيبة الأمتعة.
لم يكن فيها الكثير، فلم أحتج إلى ترتيب شيء.
توجّهتُ إلى النافذة، ونظرتُ إلى القمرِ الأحمر الذي لا يغيب عن سماءِ عالمِ الشياطين، ليلًا أو نهارًا.
مدّةُ إقامتي هنا محدّدة بثلاثة أشهر فقط.
لأنّ بعد ثلاثة أشهر يحلّ آخرُ يومِ تآلفٍ في هذا العام.
يومُ التآلف هو اليوم الذي يغطي فيه القمرُ الأزرق لعالمِ البشر القمرَ الأحمر لعالمِ الشياطين.
يُقال إنّ ظهور القمر الأزرق في سماءِ عالمِ الشياطين يربط العالَمَين معًا.
على أيّ حال، لم أحصل على معلوماتٍ عن ملكِ الشياطين أو الأمير، لكن بما أنّ تاريخَ الحروب طويل، فقد استطعتُ جمعَ معلوماتٍ عن عالمِ الشياطين من المخطوطات.
وفي أحدِ الكتب، استوقفني سطرٌ واحد.
قوّةُ البشر السحريّة تنبع من القمر الأزرق، أمّا طاقةُ الشياطين فمصدرها القمر الأحمر.
قلتُ لليو، الذي كان يقرأ معي.
“إذًا، أليس من الممكن ألّا يستطيع ملكُ الشياطين استخدامَ طاقته في يومِ التآلف؟،”
“لو كان هذا صحيحًا، لما تناقص عددُ السحرة إلى هذا الحدّ.”
كان كلامه منطقيًّا، لكن قلبي لم يطمئن.
فمن يمتهن مهنةً تتطلّب شحذَ الحواس باستمرار، تتطوّر لديه الغريزة.
ما زال الأمرُ مجرّد فرضيّة.
وبما أنّني وضعتُ فرضيّة، فقد حان وقتُ التحقّق منها.
انتظرتُ يومَ التآلف الثالث لهذا العام، بعد أيّام قليلة.
الفصل 2 : قلعةُ ملكِ الشياطين
طَق طَق.
“الآنسة إيلي؟ حان وقتُ الطعام.”
كنتُ أستريح في الغرفة، فنهضتُ من مكاني.
فتحتُ الباب، فرأيتُ امرأةً ذات شعرٍ ورديّ وعيونٍ برتقاليّة.
‘إنسانةٌ أخرى.’
ثاني إنسانٍ أراه في قلعةِ ملكِ الشياطين بعد كبير الخدم.
هل تكون هذه المرأة أيضًا قد دخلت القلعة لإنقاذ الأمير؟
‘كم عددهم؟ وما مستوى مهارتهم؟’
يجب أوّلًا تقييمُ قوّة أيّ أبطال آخرين موجودين هنا.
وليكن البدء بهذه المرأة.
“تشرفتُ بلقائكِ. اسمي إيلي سميث. يمكنكِ مناداتي إيلي فقط.”
قلتُ ذلك وأنا أمدّ يدي للمصافحة، إذ لا مكانَ يفضح المهنة مثل اليدين.
“تشرفتُ بلقائكِ، إيلي. أنا اسمي إستل.”
انحنت عيناها الناعمتان بلطف، وانتفخت وجنتاها المستديرتان بحمرةٍ خفيفة.
ابتسمت إستل ببراءة، وأمسكت يدي وهزّتها بخفّة صعودًا ونزولًا.
تحسّستُ يدَ إستل بسرعة.
يدٌ صغيرة ناعمة، بلا أيّ آثارِ كدح، باستثناء جانب السبّابة.
يدٌ لم تمسك سوى قلم، ولا تمتّ بصلة إلى عملٍ جسدي.
‘ليست مرتزقة.’
وإن لم تكن مرتزقة، فاحتمال كونها بطلةً ضعيف.
فالإنسان الذي لا يُجيد القتال لا يزعم البطولة إلّا إن كان راغبًا في الموت.
لكنّ التسرّع غيرُ حكيم.
“أنذهب إلى المطبخ؟”
“نعم.”
تركتُ يدها وتبعتُها، وهي تتقدّم أمامي.
ألقت عليّ نظرةً سريعة وسألت.
“كيف انتهى بكِ المطاف للعمل في قلعةِ ملكِ الشياطين؟”
“بسبب الراتب.”
كان راتبُ القلعة، عشرين ألف ليبرا، يعادل نفقةَ عامين لعامة الناس، فكان عذرًا مناسبًا.
“آه، الراتب…….”
أومأت إستل برأسها.
“توقّعتُ ذلك. أنا أيضًا تقدّمتُ بسبب الراتب.”
أمامي وبعد وجهِ إبتسامةِ إستل المشرقة لمحتُ ظلامَ الساحة الداخليّة وقد خيّم.
كانت إستل ترتدي قميصًا أبيضَ واسعًا وسروالَ عملٍ مخصّصًا.
وفي منتصف شعرها الورديّ، علقت ورقةُ شجرٍ وغصن.
لحظة.
“أشجارُ الساحة… هل أنتِ من اعتنى بها، إستل؟”
Chapters
Comments
- 5 منذ 49 دقيقة
- 4 منذ ساعتين
- 3 منذ ساعتين
- 2 منذ ساعتين
- 1 - هل هذا أيضًا لفترةٍ محدودةٍ؟ منذ 3 ساعات
- 0 - المقدمة منذ 10 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 2"