تدفّق الإرهاق دفعةً واحدة.
كنتُ أريد أن أنهار فورًا فوق سريري، في غرفتي.
“أليس لأنّها أريكة فلا تستطيع النوم؟ لماذا تترك السرير.”
“هل تريدين أن ننام معًا؟”
“……تفضّل بالنوم.”
وضعتُ يده اليمنى التي كنتُ أمسكها بلطف فوق صدره، ثم جلستُ مجددًا في مكاني.
أمّا الذراع التي كنتُ أمسكها منذ البداية، فما زالت عالقةً بيدي.
“تحدّثي عن شيءٍ آخر.”
“عن أيّ شيءٍ تقصد؟”
“عن نفسك. كيف عشتِ، ماذا فعلتِ، وكيف وصلتِ إلى هنا.”
كانت تلك المرّة الأولى التي يُطرح عليّ فيها سؤال كهذا.
فقد عشتُ دومًا كقاتلةٍ مأجورة، ولم يسألني أحد من قبل.
“كنتُ عاديّةً فحسب. أعمل مثل الآخرين، وأكسب المال.”
“القتل المأجور ليس عملًا عاديًّا. كيف أصبحتِ قاتلةً؟”
“بعد وفاة والديَّ، كان الشخص الذي تكفّل بي يعمل في ذلك المجال، فتعرّفتُ عليه بشكلٍ طبيعي.”
في اليوم نفسه، وفي المكان نفسه، فقد ليو وأنا والدينا، ونشأنا على يد رجلٍ زعم أنّه صديقُهما.
كان الرجل الذي دُعي بالأستاذ يعامل الكبار والصغار بلا تمييز، بلا رحمة.
تلك الطفولة القاسية التي سُحقت بلا شفقة لم تكن ذكرياتٍ أودّ استعادتها.
“وكيف كانت طفولةُ ريهات؟”
عند سؤالي، ضاق نظرُ ريهات.
“أنتِ أوّل من يسألني عن ذلك.”
“هذا متوقّع…….”
فطفولةُ الأمير أمرٌ يمكن تخمينه دون سماعه.
“لكنّك مختلفٌ عن باقي الأمراء. أيُّ أميرٍ في العالم لا يملك حتى صورةً رسميّة؟ لولا شعرك وعينيك لما كدتُ أتعرّف عليك.”
“كيف وصلتِ إلى هنا؟”
“برفقة بيتر، في عربة.”
“…….”
كان واضحًا أنّه لم يكن يقصد هذا السؤال.
ابتسمتُ بخفّة.
“أعلم. كنتُ أمزح. جئتُ فقط لأنّ المكافأة كبيرة.”
“لا تبدين متعلّقةً بالمال.”
“المال كلّما كثر كان أفضل، أليس كذلك؟”
“ورفضتِ أن تصبحي خادمةً خاصّة؟”
“…….”
“أليس من الجيّد أن تكوني مع الأمير الذي يجب إنقاذه؟ سيكون ذلك مناسبًا لوضع خطّة الإنقاذ أيضًا.”
أُف. حين عدّد الأمر نقطةً نقطة، لم يبقَ لديّ ما أردّ به.
“إذًا ليس المال هو هدفك.”
تنفّستُ زفيرًا خافتًا.
يا له من أميرٍ حادّ الملاحظة بلا داعٍ.
“صحيح. لديّ هدفٌ آخر.”
كان ينظر إليّ بترقّبٍ صامت، كأنّه يقول: تكلّمي.
لم يكن أمامي خيار سوى إخفاء الحقيقة بذكاء.
“أخشى اندلاع حرب.”
“……ماذا؟”
“كما تعلم، الملكُ الذي يكره الشياطين يملك ابنًا غاليًا لدرجةٍ وضع لأجله ثروةً طائلة.
وها هو الآن في قبضة أكثر ما يكرهه، بل في قبضة ملك الشياطين نفسه.
أخشى أن يُعلن حربًا بحجّة استعادة ابنه.”
“……هل أنتِ خائفةٌ من الموت؟”
“وهل يوجد من لا يخافه؟”
بالطبع، ما كنتُ أخشاه حقًّا ليس الموت، بل تكرار الحياة مرّةً أخرى.
حياة لا تتقدّم، تشبه الجحيم.
“هكذا إذًا.”
عاد رأسُ ريهات الذي كان مرفوعًا قليلًا ليستقرّ على الأريكة، وأغمض عينيه بإحكام.
بدا أنّه ينوي النوم فعلًا.
حين انقطع الحديث، خيّم الصمت على الغرفة.
كدتُ أمزح بسؤاله إن كان يحتاج إلى تهويدة، لكنني عدلتُ عن ذلك.
فلا حاجة لأن أحفر قبري بيدي.
“تصبح على خير.”
* * *
كان الليل في عمقه.
تردّد صوتُ أنفاسٍ منتظمة.
فتح ريهات عينيه اللتين لم يَغشَهما النعاس بعد، وأدار نظره جانبًا.
كانت إيلي جالسةً على الأريكة، تغفو وهي تهزّ رأسها.
نهض ريهات بحذرٍ كي لا يوقظ إيلي الحسّاسة، ثم جلس يتأمّلها ببطء.
شَعرٌ أحمر أكثر وضوحًا من القمر القاني.
ملامح دقيقة متناسقة في وجهٍ صغير، وتحت جفونٍ رفيعة برزت عيونٌ بنفسجيّة حادّة، لكنها تحمل سحرًا غريبًا.
راح ريهات يمرّر أصابعه على كفّها المتشابك مع كفّه.
الزوائد القاسية المتكوّنة عبر السنين كانت تخبره بأنّ إيلي سلكت طريقًا بعيدًا عن حياة البشر العاديّين.
“إيلي.”
نطق اسمها بصوتٍ مسموع.
ارتجفت جفونها المغلقة بخفّة.
بدت تلك الحركة لطيفة، فارتسمت ابتسامة على شفتيه.
تذكّر الحوار الذي دار قبل قليل.
لقد أخفت الحقيقة بدهاء، لكنّها لم تستطع خداع عينيه اللتين تتذكّران كلّ عودة.
أنتِ تتذكّرين كلّ شيء أيضًا.
لم يكن يؤرّقه كثيرًا أنّه قتل إيلي مرارًا في السابق بسبب فقدانهِ للسيطرةِ.
فهو بطبيعته كذلك.
بل إنّ ذلك الحادث كان ممتعًا.
إذ صار سببًا جعلَ مسكّنتهُ الصغيرةَ تتدحرج إلى أحضانه.
لا تقلقي.
هذه المرّة لن أفقد السيطرة.
“سأدّخركِ.”
حتى تبقي معي طويلًا، طويلًا.
لمعت عيناه الحمراوان بوميضٍ مرعب.
* * *
دَلغْرَك، دَلغْرَك.
كانت عربةٌ واحدة تشقّ طريقها فوق أرضٍ وعرة.
وكانت محمّلةً بالبضائع حتى الامتلاء، وتحمل نقشًا سداسيًّا على الخزف.
“آه، إيليا…….”
جلس ليو إلى جوار السائق، متنهّدًا وهو ينظر إلى ورقةٍ صغيرة لا تتجاوز حجم راحة اليد.
سطرٌ واحد فقط.
بينما كانت إيليا تجمع المعلومات عن حادثة اختطاف الأمير، اختفت فجأةً، تاركةً هذه الورقة.
“ذهبتُ للعمل. اعتنِ بالنقابة.”
رسالة قصيرة جدًّا، تليق بطباعها.
قاسية بلا رحمة.
إلى أين ذهبت؟
الأمر واضحٌ فلا داعي للسؤال……
نظر ليو إلى قلعة ملك الشياطين التي بدأت تلوح في الأفق، وزفر بقلق.
إنّه مكانٌ سيّئ السمعة.
وتسلّل إليه خوفٌ بطيء من احتمال أن تكون إيليا قد ماتت هناك.
* * *
أشرق الصباح.
تمدّدتُ أمدّ جسدي براحة، ثم شعرتُ فجأةً بشيءٍ غير طبيعي.
‘متى نمتُ على السرير؟’
أتذكّر أنّني كنتُ أنتظر نوم ريهات.
فتحتُ عينيّ بقلق.
الغرفة الغريبة كانت، كما توقّعت، غرفة ريهات.
“لماذا أنا على السرير…….”
لم يكن هناك ما يثير الشكّ سوى أنّني نُقلتُ إليه.
صاحب الغرفة لم يكن موجودًا.
نهضتُ، تفحّصتُ ملابس النوم، ثم خرجتُ من الغرفة.
وفي تلك اللحظة بالذات، التقت عيناي بعيني الملك الصغير الذي كان يمرّ في الممر.
نظر الملك الصغير إلى ملابس نومي، ثم إلى الباب الذي خرجتُ منه، بالتناوب.
“لماذا تخرجين من هناك؟ ذلك المكان…….”
“لحظة فقط. جئتُ صباحًا لأمرٍ ما. لكن يبدو أنّه غير موجود. النادل.”
“بهذا الزيّ؟”
“كان الأمر طارئًا…….”
بدلًا من السؤال عن السبب، طرق الملك الصغير الباب.
ولمّا لم يتلقَّ ردًّا، فتحه فجأةً ودخل ليتفحّص الداخل بنفسه.
وبعد أن تأكّد من أنّ الغرفة خالية، بدا عليه الغضب.
“سأغادر الآن.”
“…….”
لم يلتفت.
هل يعقل أنّه يفكّر فيّ كعشيقةٍ لكن خطفهُ أبيهُ لأنهُ وسيم؟
شعرتُ بعدم ارتياحٍ غريب.
* * *
بعد إفطارٍ بسيط أعقبه غسل الوجه فقط، توجّهتُ إلى موقع التنظيف لهذا اليوم.
طَق طَق طَق.
تنظيفُ اليوم هو نوافذُ الممرّات.
أوّلًا، نفضتُ غبار عشرين عامًا متراكمًا.
وفي الوقت نفسه، لم أنسَ مراقبة الخارج.
إلى أين يؤدّي ذلك الطريق؟
ذاك سيُلاحظ بسرعة.
آه، ذاك يبدو مناسبًا. يجب أن أتحقّق منه لاحقًا.
طَق طَق طَق طَق.
فَلانغ.
بين أصوات نفض الغبار الخشنة، اختلط صوتٌ غير منسجم.
“هم.”
مع الرنين المنخفض للصوت، أنزلتُ رأسي ونظرتُ إلى الأسفل.
كان ريهات يستند إلى النافذة ويقرأ كتابًا.
ليس موقع عمله، وفوق ذلك في مكانٍ يتطاير فيه الغبار.
لماذا هو هنا؟
“الغبار يتطاير.”
“نعم، يتطاير.”
فَلانغ.
قلّب ريهات الصفحة بلا اكتراث.
“ادخل واقرأ في الداخل.”
“لا أريد.”
“…….”
لولا أنّه أمير……
“تبدين وكأنّك تريدين ضربي.”
قالها دون أن يرفع عينيه عن الكتاب.
أدرتُ رأسي بسرعة وتظاهرتُ بالبراءة.
“أبدًا.”
“لكن، إيلي.”
“نعم.”
“ملابسك الداخليّة ظاهرة.”
بلا حذر.
‘ملابسي الداخليّة؟’
خفضتُ رأسي ونظرتُ إلى التنّورة التي أرتديها.
كانت سوداء، طويلةً تجرّ على الأرض، وتبدو محتشمةً جدًّا إذا وطئتُ طرفها بخفّة.
حتى لو كنتُ على السلّم، فلن تُرى إلا إن اقترب أحدهم ونظر عمدًا من الأسفل.
“هذا مستحيل.”
وقبل أن يقول مثل هذا الكلام، كان الأجدر به أن يرفع عينيه عن الكتاب.
ولأنني أعلم أنّه مجرّد افتعالٍ للمشاكل، قفزتُ بخفّة من السلّم العالي.
ريهات الأنيق لم يرفع عينيه عن الكتاب رغم تصاعد الغبار مجددًا.
فهمُ النبيذ.
كان يستمتع مؤخرًا بقراءة هذا النوع من الكتب.
“يبدو أنّ العمل يناسبكَ؟”
“آه، أكثر ممّا توقّعت. ويبدو أنّه يناسبكِ أيضًا، إيلي.”
عندها فقط رفع ريهات عينيه عن الكتاب ونظر إليّ.
تأمّل منفضة الغبار التي أحملها، ودلو الماء على الأرض، ثم ابتسم.
كانت ابتسامة سخريةٍ واضحة.
……هل أقتلهُ فحسب؟
وعندما قرأ برودة نظرتي، تعمّقت ابتسامته أكثر.
“تعالي إلى غرفتي الليلة.”
“لا.”
إن ذهبتُ، فسأُجبر على الجلوس بلا حراك كما حدث بالأمس.
وما المتعة في ذلك؟
“وماذا لو جاء قاتلٌ مأجور؟”
انتفضتُ.
لم أفزع لأنّه ذكر هويّتي،
بل لأنّه انحنى فجأةً وعضّ شحمة أذني بقوّة.
تراجعتُ مذعورة، ممسكةً بأذني.
“مجنون……!”
“تصفين أميرًا بالمجنون؟”
هذا المجنون يتحدّث عن جريمة إهانة العائلة المالكة.
لكن، أليس مجنونًا فعلًا؟
أيُّ أميرٍ مخطوف يعمل ساقيًا في المكان الذي اختُطف إليه؟
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 13"