الصديق الجديد هنا كان يقصد به ريهات.
‘غيرةٌ إذًا…….’
فجأةً، خطر ببالي الحوار الذي دار بيني وبين ليو في الماضي.
“هل حقًّا خطف ملكُ الشياطين الأميرَ بسبب الملك؟”
عند سؤالي هذا، تبادلنا النظرات. وفي ذلك اليوم أيضًا، صرخنا في الوقت نفسه بفكرةٍ خطرت لنا فجأة.
“لأنّ ملك الشياطين أحبَّ الأمير؟”
“هل أحبَّ ملكُ الشياطين الأميرَ؟”
“يقولون إنّ الأميرَ المخطوف وسيمٌ إلى حدٍّ مهولْ.”
“سببٌ وجيه.”
لماذا خطر ببالي ذلك الحوار السخيف فجأة؟
لم يكن سوى مزحةٍ خلال حياة هروبٍ مملّة……
لكن، ماذا لو كان صحيحًا؟
إن كان الأمر كذلك، فتصرفاتُ الملكِ الصغير ليست غيرةً، بل غضبًا.
سخطٌ من كون والده يتقرّب من رجلٍ آخر.
وربما كان الملكُ الصغير قد أدرك حقيقةَ ريهات منذ البداية.
تراءى لي وجهُ ريهات، وفي الوقت نفسه ظهر في ذهني ملكُ الشياطين بعينيه الحمراوين المغمورتين بالطاقة السحرية.
“أُه…….”
شعرتُ فجأةً بغثيان.
ذلك لأنّ صورة الاثنين وهما يقفان متقاربين بحميمية ارتسمت في رأسي تلقائيًّا.
يبدو أنّ عليّ تخطّي العشاء هذه الليلة.
* * *
حتى لو كانت معدتي سيئة، لم يكن العمل ليتوقّف.
تمدّدتُ على السرير قليلًا لأهدأ، ثم نهضتُ حين اشتدّ الليل.
كنتُ أنوي اليوم إلقاء نظرةٍ خفيفة على مكتب ملك الشياطين……
كي، كيييك، كيك.
استرعى انتباهي صوتُ احتكاك معدنٍ بمعدن.
يبدو أنّ ضيفَ الليل قد تحرّك مجددًا هذه الليلة أيضًا.
‘هل هو فريدي؟ أم فيرونيكا؟’
عندما ركّزتُ سمعي على الصوت الخافت، بدأتُ ألتقط همساتِ حوارٍ غير واضحة.
لا يُعقل أن يكون اجتماعًا في الممر في هذا الوقت من الليل.
“محاربٌ آخر.”
خفّفتُ وقع خطواتي واتجهتُ نحو مصدر الصوت.
كان هناك أشخاصٌ لم أرهم من قبل، يقفون في الظلام.
“يثير الغرور، أليس كذلك؟ لأنّها قلعة ملك الشياطين.”
“فلنسرع ونعثر عليه ونغادر.”
“نعم.”
كان المتسلّلون بارعين للغاية في إخفاء أثرهم.
كانوا قتلةً مأجورين. وربما بمستوىٍ متوسط؟
“أنا من هنا، وأنتَ من هناك.”
قبل أن يتفرّقوا، تعمّدتُ إصدار صوتٍ سريعًا.
“هناك، هل يوجد أحد؟”
حبس المتسلّلون أنفاسهم.
شعرتُ بنية القتل، لكنني واصلتُ الحديث بهدوء.
“فريدي؟ هل شربتَ الكحول مجددًا؟”
اقتربوا أكثر، حتى صارت ملامحهم تُرى على نحوٍ خافت.
“…….”
تبادلنا النظرات. وسرى صمتٌ غريب في العتمة.
اندفعوا نحوي بلا صوت.
كانت حركاتهم متقنةً إلى حدٍّ لو كنتُ خادمةً عاديّة لاختفيتُ دون أن أدرك حتى أنني متُّ.
لكن، هيهات.
فَخ! فَخ!
“كُه!”
“أُووه!”
تفاديتُ هجماتهم بمرونة وأسقطتهم أرضًا.
ارتجفت أجسادهم وهم ممدّدون على الأرض.
فقد أحدهم وعيه سريعًا، بينما نظر الآخر إليّ بعينين مرتعدتين.
“لا تقلق. لم تمت. ولن أقتلكَ.”
فالتخلّص من الجثث أمرٌ مزعج.
“جئتم لإنقاذ الأمير المخطوف؟ إن كان صحيحًا، فأومئ برأسكَ.”
هزّ رأسه بخفّة.
“هل أرسلكَ الملك بنفسه؟”
هنا هزّ رأسه نفيًا.
“إلى أيّ نقابةٍ تنتمي؟”
“……جِ…… رِي…….”
“مدّةُ العقد؟”
“حـ-حتى…… تنطفئ الشمعة…….”
كان ذلك تعبيرًا سرّيًّا يعني الاستمرار في المهمّة حتى صدور أوامر جديدة.
أي إنّ أمثالهم سيواصلون اقتحام قلعة ملك الشياطين.
“مزعج. هل أقتلكَ؟”
“هـ-هيك……! لـ-لن تقتليني، أليس كذلك؟”
“لكن إن جاء غيرك فسيكون الأمر مزعجًا. لو قتلتُ كلّ من يأتي، فربما ينتهي الأمر بعد ثلاث مرات.”
“…….”
“أتريد أن تموت؟”
“أ-أرجوكِ…… دعيني أعيش.”
“حسنًا. سأمنحكَ فرصةً.”
صفعتُ خدّ الفاقد للوعي حتى استيقظ.
“إن لم ترغب في الموت، فاخرجا بهدوء. إن أمسك بكما أحدُ الشياطين فستموتان. وإن أحدثتما ضجيجًا فستموتان. وإن جاء متسلّلٌ آخر فستموتان أيضًا. مفهوم؟”
أومآ برأسيهما بحماسٍ مفرط.
“لكن…… هل أنتِ الكارثةُ الحمراء؟”
سألني أحدهما بعدما رأى شعري الأحمر المنسدل خلف ظهري.
اللقب الذي يُطلق على من ينجح في كلّ مهمّة، فيكون كارثةً على هدف الاغتيال.
مرّ في ذهني ضحكُ ليو وهو يمسك بطنه ساخرًا من هذا اللقب.
“يبدو أنّ قتلكما كان أفضل.”
“هيييك!”
فرّ الاثنان بأقصى سرعة بعدما استشعرا نيّة القتل.
كان من الغباء أن يظنّا أنّهما سينجوان بعد معرفة هويّتي، ما جعلني أفقد الحماسة.
وبعد أن تخلّصتُ من المتسلّلين، هممتُ بالعودة إلى غرفتي.
عندها، جاءني صوتٌ من الخلف.
“نزهةٌ ليلية؟”
التفتُّ وقد تفاجأتُ لرؤية ريهات.
هل انشغلتُ بالمتسلّلين إلى حدٍّ فاتني إحساسه؟
“وأنتَ، ريهات، ماذا تفعل في هذا الوقت؟”
“آه، رأيتُ فأرًا يتجوّل، فخرجتُ.”
“إن كنتَ تقصد الفأر، فقد طردته للتو.”
“حقًّا…… يبدو أنّك ستكونين مشغولة. فالفئران كثيرة في قلعة ملك الشياطين.”
تذكّرتُ فريدي الذي كان هادئًا هذه الأيام، فأومأتُ برأسي.
أن يتفهّم الأميرُ المخطوف معاناتي كان أمرًا مؤثّرًا.
“يبدو أنّه لن يكون هناك فئران أخرى الليلة، فاذهب ونَم.”
استدرتُ لأعود إلى غرفتي.
“غرفتي هناك.”
قال ريهات وهو يشير إلى الزاوية.
أعلم أنّ غرفته تقع بعد الانعطاف، لكن؟
“إنها قريبةٌ جدًّا من غرفتك.”
“وماذا في ذلك؟”
“بما أنّها قريبة، مرّي قليلًا.”
“ولماذا أفعلُ ذلكَ؟”
“ألا يعجبكِ؟”
“نعم. لا يعجبني.”
“حقًّا؟ إذًا هل أصرخ هنا الآن؟”
“تفضّل…….”
لحظة. تخيّلتُ ريهات وهو يصرخ.
أوّلًا، ريهات يصرخ.
ثانيًا، يستيقظ الناس ويتجمّعون.
ثالثًا، يكشف ريهات هويّتي.
رابعًا، أموت وأعود بالزمن مجددًا.
خامسًا، اللعنة!
حدّقتُ فيه بغضب.
كان ريهات يبتزّني بوجهه الجميل، وذلك أزعجني بشدّة.
فنقر جبهتي بإصبعه.
“لا تحدّقي هكذا بي ، سيصبحُ لديكِ تجاعيدٌ.”
كان الموضع الذي لمسه يثير حكةً غريبة.
تراجعتُ خطوةً وقلتُ:
“لا تلمسني دون إذن.”
“لا أريد.”
“ما رأيك أن نحافظ على مسافةٍ بيننا؟”
“لا أريد ذلك أيضًا.”
“هل أنتَ مريض؟”
“ربما.”
ابتسم ريهات واقترب أكثر ممّا كنتُ عليه قبل أن أتراجع.
مع أنّه لا يستعمل عطرًا، إلا أنّ رائحته كانت طيّبة.
“كم المسافة بيننا الآن؟”
داعبت أنفاسه الساخنة وجهي.
“إن أردنا الدقّة، فهي مسافة لا ينبغي لنا حتى تبادل الكلام فيها.”
الفارق بين أمير مملكة ونبيلةٍ ساقطة من أطراف البلاد كان شاسعًا.
“أظنّها أقرب من ذلك، لكن يبدو أنّك لا ترين الأمر كذلك.”
“نعم.”
“قاسية.”
“نعم.”
“هاهاها.”
ضحك ريهات بصوتٍ عالٍ.
كان ضحكًا مصطنعًا، يحمل برودةً غريبة.
“إن واصلتِ هكذا، سيتألم قلبي.”
قالها بوجهٍ بدا حزينًا بصدق، فتردّدتُ لحظة.
‘ما هذا؟’
كان وجهًا يصعب تجاهله على نحوٍ غريب.
“حسنًا…… لحظة فقط.”
دخلتُ الغرفة خلفه.
“تعالي هنا.”
أدركتُ أنّ الأمير خدعني حين جذبني نحو أريكةٍ لشخصٍ واحد.
كان ريهات يبتسم.
حاولتُ النهوض فورًا، لكنه ضغط على كتفيّ ومنعني.
“ابقَي فقط حتى أنام.”
“تنام؟”
“نعم. لا أنام جيّدًا.”
تمدّد ريهات على الأريكة المجاورة.
كانت أريكةً تتّسع لشخصين، لكنها امتلأت به وحده.
“هل يكفي أن أجلس هنا؟”
لم أفهم ما علاقة جلوسي بنومه.
“إن شعرتِ بالملل، أمسكيني.”
لوّح بيده الكبيرة والمتينة أمام عينيّ.
“أنتَ من يريد الإمساك بي.”
“إن أمسكتِ أنتِ، سأغفو أسرع.”
كان أميرًا يعاني نقصًا في الحنان، كما يليق به.
“……حسنًا.”
أمسكتُ بيده على مضض، وأنا أنوي أن أجعله ينام سريعًا وأغادر.
لكن، مهما انتظرتُ، لم يغفُ ريهات.
“أليس بلا فائدة؟”
لم يزد الأمر سوى أن تعرّقت أيدينا المتشابكة.
“تحدّثي.”
“عن ماذا؟”
“عن أيّ شيء.”
“أمم…….”
بينما أفكّر، وقع نظري على جسد ريهات الذي حيّرني منذ زمن.
لا يبدو أنّه يتدرّب، ومع ذلك يمتلك جسدًا ممتازًا.
كانت عضلاته المتناسقة ممّا تمنّيتُ امتلاكه يومًا.
“هل تتدرّب؟”
“ليس حقًّا.”
يبدو أنّ القدر غير عادل فعلًا.
فبعضهم لا يحصل على شيء مهما تمرّن، وبعضهم ينال كلّ هذا دون جهد.
“هل يعجبك جسدي إلى هذا الحد؟”
“ماذا؟”
“تنظرين إليّ بعينين مشتعلتين. منذ المرّة الماضية.”
شُدّت يدي فجأةً، واقترب جسدي منهِ.
“يمكنكِ النظر عن قرب أكثر. وإن أردتِ، أخلعه لكِ.”
رفع قميصه بيده اليمنى قليلًا، فكشف عن بطنٍ مشدود.
فزعتُ ونهضتُ بسرعة، ممسكةً بيده.
“لا أريد أن أرى.”
“لا حاجة للرفض.”
“……أرجوكَ، توقّف عن هذا الهراء.”
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 12"