الفصل التاسع
بانغ!
توقف اضطراب ليتا على وقع صوت فتح الباب بعنف.
التفتت غريزيًا وهي تحرك “الأود” لتشكيل رصاصة سحرية عند طرف إصبعها.
“أيتها المزيفة اللعينة!”
كان الذي ركل الباب واقتحم الغرفة رجلًا ذو شعر أحمر.
رغم أنه وجه غريب، إلا أنها عرفته على الفور بسبب ما سمعته سابقًا. وجه يشبه ليونهارت، وعينان بنفسجيتان مماثلتان، لكنه يمتلك انطباعًا مبهجًا ومتحررًا، على عكس ليونهارت الوسيم والمنضبط.
ريتشارد ديل نيسا لاسكايل. الابن الثاني لعائلة لاسكايل.
حدق فيها بضراوة.
“أيتها المزيفة، سمعتُ أنكِ خنقتِ خادمة؟ يبدو أنكِ كشفتِ عن وجهكِ الحقيقي بأسرع مما توقعت…”
تلاشت كلماته العنيفة فجأة. اتسعت عينا ريتشارد وهو ينظر إليها، وبدا وكأنه فقد صوابه. تمتم بصوت مسحور:
“… ليلي.”
لم تنطق ليتا بكلمة. بل لم تستطع.
لقد نجح “العهد” لتوّه باسم ليليتا، وكان رأسها يكاد ينفجر من تعقيد الموقف. لم تعد قادرة على النفي أو الإثبات أمام ذلك النداء.
ترنح ريتشارد مقتربًا منها وهي واقفة بذهول.
جفلت ليتا؛ فقد انبعثت منه رائحة خمر نفاذة.
’إنه في حالة سكر شديد.‘
هي لا تشرب، لكن صديقتها المقربة “أولي باسكال” – الساحرة العظيمة وصانعة المسدسات السحرية البارعة – كانت تحب الخمر لدرجة تقرب من الإدمان، لذا هي خبيرة بالحالة. عندما تنبعث من المرء رائحة كهذه، فإنه عادة لا يفقه الكلام ويتصرف بمنطق غائب.
’كانت تلك اللحظة الوحيدة التي تتحول فيها أولي إلى حمقاء.‘
وكما توقعت، جثا ريتشارد على ركبتيه فجأة بمجرد اقترابه منها.
“أنا آسف.”
“…؟”
ألم يقتحم الغرفة قبل ثوانٍ وهو يصرخ “أيتها المزيفة”؟ اعتذار مفاجئ؟
رغم توقعها بسبب رائحة الكحول، إلا أنها شعرت بالذهول. وانفجر الرجل الجاثي بالبكاء المرير.
“أنا آسف يا ليلي. أنا آسف، لقد أخطأت…”
بدأ الرجل ينوح كالطفل ويهذي بكلمات غير مترابطة:
“لقد طلبتِ مني.. أن أبقى بجانبكِ فقط حتى تنامي، أنا آسف، أنا.. أنتِ فتاة لا تطلبين مثل هذه الطلبات عادة، لكنني.. شعرتُ بالضجر ولم أسمع كلامكِ، أنا حثالة لا فائدة منها. كيف.. كيف استطعتُ أن أقول لكِ اذهبي لغرفتكِ وأعود أنا للنوم؟ كان يجب أن أتفقد غرفتكِ على الأقل. أنا نذل…”
مد يده نحوها وهو يشهق، ولم تكن رعشة أطراف أصابعه بسبب السكر وحده.
“آه، ليلي، ليلي.. لا تعلمين كم ندمتُ على تلك الليلة. أنتِ لا تعلمين. أنا آسف، حقًا أنا آسف. لو كان بإمكاني إعادة الزمن لفعلت. أنا حثالة. كانت لدي فرصة للمنع، كان بإمكاني إنقاذكِ، لكنني أدركتُ بمرارة أن هناك أشياء في العالم لا يمكن إصلاحها. لقد عرفتُ ذلك بعمق لدرجة أنني.. أنا حقًا…”
تشبث ريتشارد بطرف ثوب نومها وانتحب بحرقة:
“أنا آسف يا ليلي، أنا آسف…”
تصلب جسد ليتا ولم تستطع حتى دفعه بعيدًا.
اقتحم الغرفة صارخًا، ثم فقد رباطة جأشه فجأة وبدأ بالاعتذار والبكاء.
’إنه ثمل تمامًا.‘
لم تفهم حتى نصف ما يقوله.
بددت الرصاصة السحرية التي شكلتها ونظرت إلى الرجل الناحب بحيرة. ماذا تفعل به؟
“سيدي الشاب!”
ظهر شخص آخر فجأة عند الباب الذي ركله ريتشارد.
هذه المرة لم تتفاجأ ليتا، لأنها بدأت تستشعر تدفق “الأود” حولها كعادة غريزية فور استيقاظها.
كان رجلًا في أواخر الثلاثينيات يرتدي نظارة أحادية .
وبناءً على زيه الرسمي المهندم ومناداته لـ ريتشارد بـ “السيد الشاب”، بدا أنه رئيس خدم القصر.
بدا الرجل مرتبكًا عند رؤية المشهد، ثم انحنى بسرعة لـ ليتا.
“تشرفتُ بلقائكِ، الآنسة ليليتا. أنا رئيس خدم لاسكايل…”
“وااااع، أنا آسف يا ليلي، أنا حثالة حقًا…”
“… اسمي ألفريد. أعتذر لأنني أقدم نفسي في ظرف كهذا.”
رفع ألفريد نظارته الأحادية ومسح عرقًا تصبب من جبينه.
تنهدت ليتا وأشارت إلى ريتشارد الذي لا يزال يواصل اعتذاراته:
“سُررتُ بلقائك يا ألفريد. هذا الشخص يبدو مخمورًا، افعل شيئًا بشأنه.”
“حاضر، معذرةً منكِ.”
أشار ألفريد بيده، فدخل مجموعة من الخدم ذوي البنية القوية وأمسكوا بريتشارد الناحب بحذر. ثم قام أحدهم بفتح زجاجة خمر ولوح بها بالقرب من ريتشارد كطعم، وبدأ ينسحب من الغرفة ببطء.
“…!”
بمجرد أن شم ريتشارد رائحة الخمر، التفت نحوها، فقام الخدم بدفعه برقة للخارج. غادروا جميعًا ولم يبقَ سوى ألفريد.
’ما هذا.. كأنهم يغرون حيوانًا…‘
رمشت ليتا بذهول من المنظر. شرح ألفريد بهدوء وكأنه يتوقع تساؤلها:
“السيد ريتشارد فارس من الدرجة العليا. إنه شخص يستطيع التلاعب بـ (الأورا) بجسده العاري، لذا إن لم نستخدم الطعم ليتحرك بنفسه، سيصبح الجميع في خطر.”
“الخمر هو الطعم؟ لا، قبل ذلك، هل ينجح هذا النوع من الطعوم مع البشر؟”
“ينجح جيدًا عندما يكون في حالة فقدان الوعي. إنها الطريقة الأكثر أمانًا.”
أدركت ليتا، من رد فعل رئيس الخدم الهادئ، أن هذا الأمر يتكرر كثيرًا في هذا القصر.
’هذا يعني أنه مدمن كحول تمامًا. كيف تحطم شخص قادر على استخدام الأورا هكذا؟ أليس الفرسان مهنة تقدس الفروسية والوقار؟‘
بينما كانت تنقر لسانها بأسف، قال ألفريد وكأنه يقرأ أفكارها:
“آنسة، أرجو ألا تفهمي الأمر بشكل خاطئ. السيد ريتشارد لم يكن هكذا أبدًا.”
“لم يكن هكذا من قبل؟”
“لم يكن يلمس الخمر أبدًا. لقد أصبح هكذا منذ اختفاء الآنسة، لأنه يعتقد أن كل ما حدث كان بسببه.”
“…!”
“يقول السيد إنه في الليلة التي اختفت فيها الآنسة ليليتا، ذهبتِ إليه. أخبرتِيه أنكِ حلمتِ بحلم غريب وخائفة، وطلبتِ منه البقاء بجانبكِ حتى تنامي. في ذلك اليوم، كان السيد والسيدة في حفلة مسائية، وكان السيد ليونهارت في الأكاديمية، لذا لم يتواجد في ‘قلعة البتولا’ غير السيد ريتشارد.”
واصل ألفريد حديثه بهدوء، مدركًا أن ليتا لا تتذكر شيئًا.
“تجاهل السيد ريتشارد طلبكِ لأنه كان غارقًا في النوم، وعدتِ أنتِ إلى غرفتكِ وحدكِ. كانت تلك آخر مرة شوهدت فيها الآنسة ليليتا قبل اختفائها.”
فهمت ليتا الآن معنى الكلمات المهذرة والاعتذارات التي كررها ريتشارد قبل قليل.
“لقد ندم السيد ريتشارد على ما حدث في تلك الليلة طوال السنوات العشر الماضية. لم يستطع تحمل ذنب التقصير، فبدأ يشرب في لحظة ما.. حتى وصل إلى هذه الحالة.”
تنهد رئيس الخدم تنهيدة تشبه النواح.
“لذا، مؤخرًا، لم نعد نضع الخمر في القصر أبدًا، لكن كونه فارسًا من الدرجة العليا، لا يمكننا منعه من الذهاب للشرب في الحانات الخارجية.”
“…”
“لكن من الآن فصاعدًا، سيتغير كل شيء. بما أن الآنسة عادت بمعجزة.. سنسمع أخيرًا أصوات الضحك في قلعة البتولا مجددًا.”
اتجه وجه ألفريد المليء بالتأثر والأمل نحو ليتا، وانحنى لها بعمق مرة أخرى.
“الآنسة ليليتا، أهنئكِ من أعماق قلبي على عودتكِ. شكرًا لكِ.. شكرًا لأنكِ عدتِ.”
“…”
لم تستطع ليتا قول أي شيء، فهي لا تزال في حالة من التخبط.
“سمعتُ أنكِ مشوشة بسبب فقدان الذاكرة. ارتاحي جيدًا، وإن احتجتِ لأي شيء أو كان لديكِ أي تساؤل، فنحن في خدمتكِ دائمًا.”
همَّ رئيس الخدم بمغادرة الغرفة بعد أن قال كلماته الودودة، لكن ليتا استوقفته.
“لحظة، ألفريد.”
“نعم، آنستي.”
“لدي سؤال.”
“تفضلي بكل ما تريدين.”
“ليليتا.. أعني، أنا، أي نوع من الأطفال كنتُ؟”
لم يستطع ألفريد الإجابة فورًا. عبث بنظارته الأحادية لفترة، ثم خفض عينيه وأجاب:
“أعتذر يا آنسة. يصعب عليَّ الإجابة عن ذلك.”
“لماذا؟”
“لقد أصبحتُ رئيس خدم القصر بعد اختفائكِ. في ذلك الوقت، كان والدي هو رئيس الخدم، وأنا كنتُ أدرس في مكان آخر. لذا، لا أعرف شيئاً عن طفولة الآنسة ليليتا.”
“والدك كان رئيس الخدم السابق؟ إذاً هو يعرف جيدًا، أليس كذلك؟ منه يمكننيـ..”
“والدي..”
أغمض ألفريد عينيه ثم فتحهما ببطء وتابع:
“بعد اختفاء الآنسة، شعر والدي بمسؤولية كبيرة واستقال من منصبه، ثم وافته المنية بعد فترة وجيزة.”
“…!”
“من فضلكِ لا ترسمي هذا التعبير، لم يرتكب الآنسة أي خطأ.”
ابتسم ألفريد ابتسامة مريرة وقال بهدوء:
“كان اختفاء الآنسة كنيزك من البؤس سقط علينا، وغطى أثره قلعة البتولا بظل لا يزول. لقد حدثت.. أشياء كثيرة جدًا.”
صمت رئيس الخدم لبرهة، ثم تابع بابتسامة خفيفة:
“بمجرد عودتكِ، سيتحسن كل شيء. لهذا السبب نحن ممتنون جدًا.”
ترجمة : ســايــومــي ❥
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل "9"