الفصل الخامس
تأمل ليونهارت ملامح شقيقته الحازمة بمشاعر مختلطة، ثم قال بصوت هادئ:
“إن كنتِ ترغبين حقاً في العودة إلى مكانكِ الأصلي، فسأتعاون معكِ بجدية لتحقيق هذا الهدف.”
“هل ستساعدني في البحث عن طريق للعودة؟”
“نحن أيضاً نرغب في استعادة ليليتا الحقيقية. أعتقد أن هذا العرض يصب في مصلحتكِ أيضاً.”
ضاقت عينا ليتا، وسندت ذقنها على يدها غارقة في التفكير. بينما حافظ ليونهارت على هدوئه، مسترجعاً تفاصيل نقاش الليلة الماضية.
لقد جادل هو بأنها ليليتا الحقيقية، بينما لم يصدقه ريتشارد .
أما الدوق، فرغم ثقته بابنه الأكبر، إلا أنه رأى منطقاً في رأي ريتشارد ؛ فثمة أمور غريبة كثيرة تمنعهم من الاحتفاء بعودتها بنقاء تام.
انتهى بهم الأمر إلى مراقبة ليليتا عن كثب. فجسدها، بلا أدنى شك، هو جسد ابنة لاسكايل. وإذا كانت روحها هي الأخرى تنتمي لليليتا حقاً كما يشك ليونهارت، فلا يمكنهم تحمل خسارتها مرة أخرى.. أبداً.
لكنهم قرروا إبقاء الأمر سراً عن الدوقة، التي أصبحت هشة النفس بعد فقدان ابنتها، خوفاً من أن يصيبها مكروه بسبب هذه البلبلة.
‘سيُدرك والدي الأمر بمجرد مراقبتها، فنحن عائلة. وريتشارد أيضاً سيعرف الحقيقة حتماً.’
هكذا فكر ليونهارت. ورغم أنه لن يجبرها الآن على الاعتراف بأنها ليليتا وهي تنكر ذلك بشدة، إلا أنه قرر:
‘حتى تدرك ليليتا الحقيقة بنفسها.. سأعاملها كـ ليتا باسكال.’
استغرق تفكير ليتا وقتاً طويلاً، وانتظر ليونهارت بصمت.
ومع صعود الشمس، طرد الضوءُ بقعَ الظل من الغرفة شيئاً فشيئاً. وأخيراً، وفي غمرة ضياء الصباح، أومأت برأسها.
“حسناً، أقبلُ بهذا العرض.”
. . . * * * . . .
بعد تناول إفطار خفيف وعلاج جرح يدها على يد الطبيب الذي أرسله ليونهارت، تحركت ليتا خلف الخادمة. رأت أن “دور ليليتا” يشبه المهمة العسكرية، وقد شرح لها ليونهارت الخطوات بوضوح:
“أولاً، اعتبري هذا القصر منزلكِ. أخبرتُ الخدم أنكِ عدتِ فاقدة للذاكرة، لذا تصرفي براحة. وإن سألكِ أحد أين كنتِ، قولي ببساطة إنكِ لا تتذكرين.”
“والدي وشقيقي يعرفان أنكِ (ليتا باسكال)، لكننا لم نخبر والدتي بشيء. تفهمين ما أعنيه، أليس كذلك؟ سنخبرها بعودتكِ فور أن تتقني دور ليليتا، لذا احذري من مواجهتها حالياً.”
“ترين ذلك الملحق خلف الحديقة؟ والدتي تقيم هناك. لم تستطع البقاء في القصر الرئيسي لأن الذكريات كانت تطاردها. هي نادراً ما تخرج، لذا يكفي ألا تقتربي من جهة الحديقة الخلفية.”
“أما بقية الأمور، فعيشي كابنة الدوق الصغرى. حاولي أن تتقمصي شخصية ليليتا بصدق.”
تقبلت ليتا العرض كأنه “هدف عملية”.
‘أنا فاشلة في التنكر والتمثيل كمدنية. كان هذا تخصص القائد إيس.’
لم تكن مجرد مدنية، بل “آنسة نبيلة” وهي لا تعرف أصلاً ما معنى النبالة. أحست بصداع يداهم رأسها. أما فكرة “العيش براحة كأنني في منزلي” فكانت الأصعب؛ فـ ليتا باسكال لم تملك منزلاً قط، بل تنقلت بين الجبهات والأنقاض.
‘حسناً.. قال لي أن أرتدي فستاناً وأتجول في القصر لأتعرف عليه حتى يأتي معلم الآداب.’
تحديد هيكل المكان وتضاريسه هو أساس التخييم العسكري. قررت ليتا أن هدف اليوم هو “استطلاع وتأمين قلعة البتولا”، وشعرت ببعض الراحة بعد تأطير الأمر عسكرياً.
“آنستي.. لـ.. لقد وصلنا. هـ.. هنا.”
أيقظها صوت الخادمة المرتجف من تفكيرها في كيفية رسم خريطة للقصر. لاحظت ليتا أن الخادمة “هانا” لا تزال تعاني من الرعب.
“اسمعي..”
“نـ.. نـ.. نعم!”
أجابت هانا بجفلة. تنهدت ليتا وقالت بألين نبرة ممكنة:
“فزعتِ قبل قليل، صح؟ أنا آسفة. لقد فقدتُ ذاكرتي وشعرتُ أن المكان غريب، لذا بالغتُ في حذري. لم أقصد إخافتكِـ..”
“لا بأس! كيف لآنسة مثلكِ أن تـ.. تـ.. تعتذر لخادمة مثلي!”
قفزت هانا من مكانها وحاولت تغيير الموضوع بسرعة:
“انظري! هذه هي غرفة الملابس التي جمعت فيها سيدتي الفساتين التي وصت بصنعها من أجلكِ!”
تغيرت ملامح هانا لتصبح حزينة فجأة وتابعت:
“كانت سيدتي تقول إنه يجب أن تكون هناك ملابس جاهزة لعودتكِ في أي وقت.. لذا كانت توصي بصنع فستان في كل عيد ميلاد لكِ..”
ارتبكت ليتا. ‘هل يُعقل أن أرتدي ملابس لم تُصنع لي بل لليليتا الحقيقية؟’
بينما كانت تبتلع سؤالها، مسحت هانا طرف عينها وتمتمت:
“كانت سيدتي تصنعها بناءً على متوسط نمو الفتيات في عمركِ.. كانت تقول إن الآنسة في الصور لا تكبر، لكن فساتينها تكبر وتكبر.. لقد كانت صغيرة جداً والآن أصبحت سيدة ناضجة..”
“…”
ثقل قلب ليتا ولم تستطع الرد. التفتت هانا إليها وشبكت يديها بحماس:
“عودتكِ معجزة كبيرة جداً! كنتُ أشعر بتمزق قلبي كلما نظفتُ هذه الغرفة ورأيتُ الفساتين بلا صاحبة. آه، كم ستفرح سيدتي.. أتمنى أن نخبرها بعودتكِ قريباً جداً.”
“لذا، لا داعي للاعتذار عن خطأ بسيط بسبب ارتباككِ! وجودكِ هنا بحد ذاته هو مدعاة للشكر!”
لم تستطع ليتا النظر في عيني الخادمة المليئتين بالدموع، وقالت بصعوبة:
“كلا.. تهديدكِ كان خطأً فادحاً مني..”
“أنا بخير حقاً! لقد فزعتُ قليلاً لكنني لستُ خائفة الآن! الآنسة ليليتا هي ابنة سيدتنا، مستحيل أن تكون مخيفة! لقد كنتُ متحمسة جداً لخدمتكِ!”
انفجرت هانا بالحديث كأن سداً قد انهار، وعيناها تلمعان:
“أريدكِ أن تتعاملي معي براحة. سأخدمكِ بكل جوارحي، اعتبريني من الآن فصاعداً يديكِ وقدميكِ!”
“أو.. أوه.. شـ.. شكراً.”
بينما كانت ليتا تحاول استيعاب حماس هانا، فتحت الأخيرة باب غرفة الملابس بابتسامة عريضة.
“تفضلي يا آنستي، الفساتين..”
في اللحظة التي فُتح فيها الباب، استنشقت ليتا رائحة مألوفة.
رائحة زفارة الطين بعد المطر، أو خشب محترق. شعور لاذع ومرّ يخترق الأنف.
رائحة مألوفة.. ومطيرة بالنحس.
إنها الهالة التي ينفثها “الوحش السحري” وهو يهضم اللحم البشري بعد افتراسه للتو.
أن تكون الرائحة قوية لدرجة أن يستنشقها الأنف البشري العادي، فهذا يعني وجود وحش “مُسمى” فائق القوة.
نهاية مأساة مريرة.. وبداية صراع مستميت.
استجاب جسد ليتا غريزيًا للكابوس المحفور في عظامها.
جذبت المدنية التي أمامها خلف ظهرها، وخفضت جسدها كاتمة أنفاسها، بينما تحركت يدها لتسحب سلاحاً.. لكنها لم تجد شيئاً.
‘سحقاً، لا أملك مسدساً.’
ثمة طريقة لإطلاق الرصاص السحري بيدين عاريتين، لكن ذلك يتطلب التحكم في “الأود” .
علاوة على ذلك، هي الآن في معركة فردية بلا رفاق، ومعها مدنية عاجزة.
‘هذا هو الأسوأ.’
ترجمة : ســايــومــي ❥
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل "5"