الفصل الثالث
“ماذا؟ متى أتيت؟ أنت لا تملك مهارات التخفي مثل إيثان، فلماذا تظهر دائماً دون أن نشعر بك؟”
هبت ليتا من مكانها بذعر، ومدت يدها نحو المسدس الذي سُلب منها وهي ترد عليه بحدة: “أعد لي سلاحي!”
“أين اختفت قيود الطاقة في هذا السلاح؟ أولي، هل هذا فعلكِ؟”
عقد الرجل حاجبيه المرسومين بدقة ورمق المرأة ذات النظارات بنظرة حادة. عقدت المرأة ذراعيها وأشارت بذقنها نحو ليتا.
“لو لم أفعل، لكانت فجرت جسدها بدلاً من المسدس، فماذا أفعل؟ لقد قالت سيرا، التي فحصت ليتا، إنه من الأفضل رفع القيود بدلاً من تركها هكذا.”
“… يا للهول، سأجن حقاً.”
تنهد الرجل بعمق وأعاد المسدس إلى ليتا وهو يقول بنبرة قاتمة: “ليتا، ألا تعرفين أن عمري ينقص في كل مرة تقفزين فيها بتهور؟ أرجوكِ، اعتني بنفسكِ قليلاً.”
“ومن يتحدث؟ أنت الذي تندفع بجنون لولا وجودي لكنت الآن في عداد الموتى.”
“هذا لا يسمى اندفاعاً، بل يسمى اختراقاً استراتيجياً.”
“وهل كان القائد ‘جيد باسكال’، الذي كان ينفذ عملية الاختراق الاستراتيجي تلك، ليعيش أم يموت لو لم أقفز أنا بجنون؟”
سألت ليتا وهي تضع مسدسها السحري في غمده عند خصرها ببراعة. جز الرجل المدعو ‘جيد’ على أسنانه وأجاب:
“هاه، حسناً. لقد حييتُ بفضل جنونكِ، أعترف بذلك.”
“بما أنك تعلم، فاستغل وقتك في وضع الخطط بدلاً من القلق علي.”
جذبت ليتا ‘جيد’ بعيداً عن بقية الرفاق من ‘آل باسكال’. وبينما كانا يتجهان نحو برج لا يزال صامداً في تلك القلعة المهدمة، خفضت صوتها وسألت:
“هل عاد ‘إيس’ من الاستطلاع؟”
“عاد قبل قليل. ولهذا جئتُ للبحث عنكِ.”
“أخبار جيدة أم سيئة؟”
رفع جيد ثلاثة أصابع من يده اليمنى صامتاً. أطلقت ليتا ضحكة ساخرة.
“ثلاث أخبار سيئة فقط؟ سحقاً، ما هي؟”
“لنناقش التفاصيل في الداخل.”
فتح لها باب البرج بلياقة النبلاء وتابع: “هذه أمور يصعب مناقشتها مع غيركِ. أحتاج إلى رأيكِ.”
“ألا يعتمد قائدنا عليَّ كثيراً؟ ماذا ستفعل بدوني؟”
“أما زلتِ لا تدركين ذلك يا ليتا؟”
ضحك جيد بخفة على كلماتها التي ألقتها كدعابة، ثم أضاف: “أنا لا أستطيع العيش بدونكِ.”
. . . * * * . . .
حلمتُ باليوم الذي سبق موتي.
فتحت ليتا عينيها.
بمجرد استيقاظها من الحلم، انتفضت جالسًا وشدت أعصاب جسدها بالكامل. مكان غريب، لا أثر فيه لرفاقها المعتادين. لم تصدق أنها نامت بكل هذه الراحة في مكان كهذا. بدأت تتحسس خصرها بحذر وهي تراقب محيطها.
لم تجد مسدسها السحري الذي كان جزءاً من جسدها. بدلاً من ذلك، لمست أصابعها شعراً طويلاً وناعماً. سحبته ليتا أمام عينيها لتراه؛ وتحت ضوء شمس الصباح المتسرب من النافذة، كان الشعر يلمع كخيوط الذهب.
“…”
لم يكن اللون البني المائل للحمرة الذي اعتادت عليه، بل كان شعراً ذهبياً ناصعاً بشكل يثير العجب.
‘هذا ليس جسدي.’
غادرت السرير بحذر؛ كان السرير وثيراً بشكل غريب بالنسبة لشخص اعتاد النوم على الأرض الترابية أو ما هو أسوأ. انجذبت نحو النافذة حيث يسطع الضوء.
كانت الحديقة المنسقة مليئة بالزهور المتفتحة. ومن وراء السياج المتشابك بعروق الورد، رأت غابة من أشجار البتولا البيضاء تكتسي باللون الأخضر الفاتح. بالنسبة لها، وهي القادمة من عالم رمادي يندر فيه رؤية برعم واحد، كان هذا المنظر يبدو كلوحة لربيع نضر لم تره إلا في الكتب.
وحتى السماء التي تمتد فوق ذلك المنظر كانت زرقاء صافية بشكل مذهل. لا غبار، لا كدر، ولا غيوم مغطاة بألوان كئيبة.
‘يا لها من سماء صافية.’
فتحت ليتا النافذة وكأنها مسحورة. لم يستقبل أنفها هواءً ثقيلاً ومغبراً، بل هواءً منعشاً ممزوجاً بعطر الزهور.
واخترق مسامعها غناء الطيور.
وبدلاً من الشمس الشاحبة التي لم تكن سوى رماد خامد، كانت هناك شمس مشرقة في السماء لدرجة لا يمكن النظر إليها مباشرة. في تلك اللحظة، أدركت ليتا مجدداً:
‘ما رأيته بالأمس لم يكن وهماً. هذا ليس المكان الذي عشتُ فيه. إنه عالم مختلف تماماً.’
بدأت ذكريات الأمس تطفو ببطء. ظنت أنها ماتت، لكنها فتحت عينيها تحت الماء، ثم قابلت رجلاً ادعى فجأة أنها شقيقته التي اختفت قبل عشر سنوات.
‘لقد قلتُ له بوضوح إنني لستُ شقيقتك بل شخص آخر… لكن يبدو أنه لم يصدقني.’
لقد أظهر لها ظهره بكل بساطة، مما أثار دهشتها في داخلها. فوفقاً لمنطقها، كان من المستحيل كشف الظهر بهذا الشكل العزل أمام غريب. لذا قررت أن تثق به مؤقتاً.
وبينما كان يحملها على ظهره، بدأت تتأمل ما حولها. غابة البتولا والبحيرة تحت ضوء الغروب كانتا جميلتين ونابضتين بالحياة لدرجة أنها أبدت إعجابها دون وعي. بعد ذلك، وصلا إلى قلعة ضخمة وفاخرة بلون الكريم لم ترَ مثلها من قبل، ثم بعد ذلك…
لا تملك أي ذكريات.
هل فقدت وعيها في مكان غريب كهذا؟
‘لم يغمَ عليَّ. بالنظر إلى حالة جسدي الآن، لم أتعرض للضرب ولا للمخدرات. هل يُعقل أنني نمتُ ببساطة؟’
هل نامت دون أي حذر؟ ليتا باسكال؟ ودون وجود رفاقها حولها؟ لقد تهاونت.
‘حتى ملابسي تغيرت. هل نامتُ بعمق لدرجة أنني لم أشعر بشخص يغير ملابسي؟ هذا جنون. كم ساعة قضيتُها هكذا دون دفاع؟’
وبينما كانت القشعريرة تسري في عمودها الفقري، سُمع صوت طرق على الباب.
فُجعت ليتا ليس بسبب الصوت، بل لأنها لم تشعر باقتراب أحد حتى وصل إلى الباب ليطرق.
‘حواسي تبلدت تماماً. هل هذا بسبب جسد شخص آخر؟’
كان جسداً لم يخضع لأي تدريب. حتى “الأود” الذي كانت تستخدمه بطبيعية كالتنفس، لا تشعر به. لا يجب أن تقابل غريباً وهي في هذه الحالة الضعيفة. مهما كان المنظر الخارجي هادئاً والغرفة فاخرة، لا يمكنها التهاون مرة أخرى.
بحثث غريزياً عن أي شيء يمكن استخدامه كسلاح.
“ألم تستيقظي بعد؟ سأدخل يا آنستي.”
عندما لم يأتها رد، دخلت الخادمة بحذر ثم فُجعت. السرير فارغ، ولا يوجد أحد في الغرفة. الآنسة ليليتا التي عادت بعد عشر سنوات قد اختفت مجدداً!
“أمر، أمر فظيـ…”
كادت تصرخ لتخبر الجميع، لكن فمها أُغلق فجأة.
“اصمتي.”
همس صوت من خلفها، بينما وُضعت قطعة مرآة حادة مكسورة أمام عينيها كخنجر.
“إن أصدرتِ صوتاً سأقتلكِ. أومئي برأسكِ إن فهمتِ.”
أومأت الخادمة برأسها وهي ترتجف. رفعت ليتا يدها ببطء، ووقع نظرها فجأة على شعر الخادمة.
‘بني محمر.’
كان نفس لون شعرها الأصلي. رغم أن لون عينيها وملامح وجهها كانا مختلفين.
استجوبت ليتا الخادمة المذعورة وهي لا تزال توجه قطعة المرآة نحوها: “أين نحن؟”
“إنه، إنه، إنه قصر الدوق لاسكايل يا آنستي…”
“وأين يقع هذا القصر؟”
“ماذا؟ إنه في مقاطعة الدوق… أ، أ، ألا تذكرين؟”
“لا أعرف. صفي لي الموقع بدقة أكبر.”
“ق، قصر الدوق لاسكايل يقع في قلعة البتولا بمركز مقاطعة الدوق، التي تمتد على طول نهر هيندر في سهل كورنو بالمنطقة الشمالية من إمبراطورية كايرام…”
كما توقعت، كل هذه الأسماء تسمعها لأول مرة. كتمت ليتا تنهيدتها وسألت عن شيء آخر: “من أنتِ؟”
“أ، أنا خادمة في بيت الدوق، ا، اسمي هانا، وقد كُلفت بخدمة الآنسة ابتداءً من اليوم…”
“خادمة؟ هل أنتِ من غيرتِ ملابسي؟”
كانت ترتدي قميص نوم جديداً يصل إلى كاحليها، بدلاً من ملابسها الممزقة والمبللة بالأمس.
“نعم، نعم! أ، أنا من غيرتُ ملابسكِ ليلة أمس…”
أومأت هانا برأسها بقوة وهي ترتجف. سألت ليتا ببارقة أمل: “عندما غيرتِ ملابسي، ألم تجدي أي متعلقات شخصية؟”
“مـ، ماذا؟”
“خنجر، بطاقة هوية، حزام بحقائب صغيرة، قلادة أو بوصلة، أي شيء؟”
“لـ، لم يكن معكِ أي شيء…”
كما ظنت. كانت تعلم منذ لحظة استيقاظها أنها لا تملك شيئاً، لكنها لم تستطع التخلي عن الأمل وتأكدت.
عضت ليتا شفتها ثم فتحت فمها لتسأل مجدداً: “إذاً، ما الذي حدث ليلة أمس—”
“سأجيب أنا على ذلك.”
قاطعها فجأة صوت رجل.
فُجعت ليتا مرة أخرى. كيف لم تلاحظ اقتراب شخص إلى هذا الحد؟
التفتت بحذر، لتجد ذلك الرجل الذهبي الذي حملها بالأمس واقفاً عند الباب.
وبالنظر إليه الآن، كان يملك شعراً ذهبياً يطابق شعرها الحالي تماماً. حتى لون العينين وملامح الوجه التي تأكدت منها في المرآة قبل قليل كانت متشابهة لدرجة لا تقبل الشك.
كما فكرت عندما رأت وجهها في البحيرة لأول مرة…
‘من المؤكد أنهما شقيقان. هو وهذا الجسد.’
دخل الرجل الغرفة ببطء وقال: “تحدثي معي يا ليتا. واتركي الخادمة البريئة وشأنها.”
ترجمة : ســايــومــي ❥
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل "3"