الفصل 15
جاءت هانا قبل أن تطلبها ليتا حتى، ففوجئت ليتا للحظة قبل أن ترفع صوتها قائلة:
“نعم، ادخلي.”
دخلت هانا الغرفة، وكانت شاحبة تماماً وترتجف بشدة.
‘لا توجد علامات كدمات على عنقها. لحسن الحظ أنها تلقت العلاج جيداً.’
خمنت ليتا أنها خائفة هكذا لأنها شهدت نوبة تشنجها بسبب رائحة الباتشولي.
‘لو كانت تملك أي ذكرى عن تلك الليلة، لما كانت تعمل في قلعة البتولا حتى الآن. من المرجح أنها لا تتذكر شيئاً، وهذا يعني أن عائلتي أيضاً لم تكتشف أبداً تورط هانا في اختفائي.’
لو كانت طفلة عادية لانكشف أمرها بالتأكيد، لكن يبدو أن من كان يتحكم بها قد محا آثارها ببراعة.
راقبـت ليتا هانا الواقفة عند الباب وهي ترتجف بتمعن.
شعر بني محمر، نمش خفيف، ملامح دائرية مطيعة، وعينان بنيتان فاتحتان.
‘بما أنني أنظر إليها بتمعن الآن، فهي تشبهني حقاً. رغم أن الانطباع الذي تعطيه مختلف تماماً.’
كانت ليتا باسكال تملك شعراً بنياً محمراً، ونمشاً خفيفاً، لكن بملامح حادة وعينين بنيتين مائلتين للاحمرار. وبما أنها كانت تعيش وتقاتل في الخطوط الأمامية، لم تكن تنظر إلى وجهها في المرآة كثيراً، لذا لم تدرك الشبه فوراً؛ بل اكتفت بالاعتقاد بأن لون شعرهما متشابه لكن شكل العينين والوجه مختلف.
‘تبدو كقريبة بعيدة. من الصعب ملاحظة ذلك للوهلة الأولى، لكن بمجرد التركيز والمقارنة، يتضح الشبه.’
. . . * * * . . .
بينما كانت ليتا تحدق في وجهها بصمت، ازداد شحوب هانا.
“آنستي…”
“آه.”
انتبهت ليتا لنفسها، فأشارت لهانا نحو الأريكة قائلة:
“تعالي واجلسي أولاً يا هانا. لديَّ شيء أريد التحدث معكِ بشأنه أيضاً.”
لكن بدلاً من أن تطيع هانا، جثت فجأة على ركبتيها وارتطم رأسها بالأرض وهي تقول:
“آنستي، أرجوكِ اقتليني!”
“ماذا؟ فجأة، ما الذي تقولينه…”
عندما سألتها ليتا بذهول، انفجرت هانا بالبكاء وتابعت:
“إنه… إنه أنا، يا آنستي. لقد كنتُ أنا.”
“… هل يعقل أنكِ…”
شعرت ليتا بملامح وجهها تتصلب تلقائياً.
“هل تذكرتِ كل شيء؟ أحداث تلك الليلة؟ وهل واصلتِ العمل بجانب عائلتي طوال هذا الوقت وأنتِ صامتة؟”
عندما سألتها ليتا بحدة، رفعت هانا رأسها بسرعة، وكان وجهها غارقاً بالدموع وهي تهز رأسها:
“لا، لا! لستُ وقحة إلى هذا الحد، أنا… أنا، أعني…”
أدخلت هانا يدها في صدر ثوبها وهي تنتحب. استعدت ليتا غريزياً لأي هجوم مباغت، لكن ما أخرجته هانا لم يكن سلاحاً سرياً.
كانت قطعة من القماش والجلد محترقة لدرجة أنه لم يعد من الممكن التعرف على شكلها.
وضعتها على الأرض بيدين ترتجفان والدموع تتساقط من عينيها.
“آنستي، هل… هل تعرفين ما هذا؟”
“… لا أعرف.”
“هذا هو… الحذاء المنزلي الذي كنتِ ترتدينه في تلك الليلة، يا آنستي الصغيرة.”
“…!”
تذكرت ليتا الذكريات التي استعادتها مؤخراً.
في تلك الليلة، بينما كانت تقاوم وهي محتجزة بين يدي هانا، تمزق طرف قميص نومها وسقط الحذاء الذي كانت ترتديه.
لم يلحظ الشخص الذي كان يتحكم بهانا قطعة القماش العالقة في الشجيرات، لكنه لاحظ الحذاء الساقط، فقام هانا -أو الشخص الذي تلبسها- بجمعه بالتأكيد.
لكن عندما كانت ليليتا مستلقية في التابوت، كانت حافية القدمين، وحتى عندما عادت ليتا لجسدها الأصلي وخرجت من البحيرة، كانت حافية أيضاً.
اعتقد أهل الدوقية أنها اختفت وهي ترتدي حذاءها، فلم يتساءلوا عن مكانه، لكن من الواضح أن حذاءها ظل هنا في مكان ما طوال تلك الليلة.
ويبدو أن هانا كانت تحتفظ به كل هذا الوقت.
“الليلة الماضية… عندما سُمع ذلك الصوت القوي من البحيرة، سمعتُ أنكِ… استعدتِ ذاكرتكِ. في تلك اللحظة، أنا أيضاً…”
أفرغت هانا كل ما في جعبتها وهي تبكي. رغم أن كلامها كان مبعثراً، إلا أن ليتا استطاعت تخمين ما حدث.
‘يبدو أن تحطيمي للتابوت المنقوش عليه الدائرة السحرية أثر على هانا أيضاً.’
في الصباح الذي تلا اختفاء ليليتا قبل عشر سنوات، لم تستطع هانا الاستيقاظ بسبب حمى شديدة. كانت تعاني من آلام في كامل جسدها، وتقيؤ، وطفح جلدي، وتشنجات، ولم يتمكن طبيب الدوقية من معرفة السبب.
في النهاية، وصفوا لها خافضاً للحرارة كعلاج للأعراض فقط، وبشكل غريب، شُفيت من تلقاء نفسها بعد بضعة أيام.
‘بالنظر إلى الأعراض، يبدو أنها آثار جانبية لـ “الأود”. لقد حدث ذلك لأن الجاني استخدم السحر بجسد هانا التي لا تملك توافقاً مع الأود. لذا فمن المنطقي أنها شُفيت تلقائياً بمجرد توقف التأثير.’
عندما استيقظت هانا بعد مرضها، لم تكن تتذكر أي شيء مما حدث في تلك الليلة.
وعلى الرغم من أن أهل الدوقية استجوبوا هانا بعد اختفاء ليليتا، إلا أن أحداً لم يشك بجدية في طفلة كانت تعاني من حمى شديدة، وعندما قالت إنها لا تعرف شيئاً عن تلك الليلة، تركوها وشأنها.
فتشوا غرفتها الصغيرة أثناء البحث في القلعة، لكن الحذاء لم يُعثر عليه حينها.
لم تكن هناك آثار أقدام أو أي أدلة في الحديقة أو في ممر غابة البتولا، ولم يكن هناك شهود أو أي شيء يربط هانا بالأمر، سوى قطعة من قميص النوم ملطخة بدم ليليتا وُجدت في الأدغال.
حتى هانا نفسها لم تشك في أمرها أبداً، بل حزنت مع الآخرين على اختفاء الآنسة.
لكنها بدأت تتذكر شيئاً ما ليلة أمس فقط.
“تذكرتُ فجأة… بشكل ضبابي… أنني ذهبتُ إلى القصر الرئيسي، نحو غرفة الآنسة… في ذلك الوقت، لم أكن أعرف حتى أين تقع غرفتكِ، فكيف وجدتُها بدقة، وطلبتُ منكِ… أن نفعـل شيئاً معاً…”
قالت إن شيئاً ما كان داخل رأسها يملي عليها الأوامر باستمرار. لم تكن تستطيع المقاومة، ولم تكن حتى تفكر في المقاومة.
تحركت كالمسحورة تتبع ذلك الصوت الذي يهمس بلا توقف، وعندما تعثرت أو أخطأت، بدا وكأن ذلك الشيء يزمجر بلسانه استياءً… وبعد ذلك، لم تعد تتذكر شيئاً.
حكمت ليتا في داخلها:
‘في منتصف الأمر، أصبحت هانا تتحدث بطلاقة وابتسمت فجأة. يبدو أن الجاني بدأ بالتحكم بها مباشرة عندما لم تسر الأمور كما خطط.’
قالت هانا إنها عندما استعادت وعيها، وجدت نفسها واقفة في غرفتها وهي مبللة تماماً.
وعندما رأت ملابسها مبللة، ظنت أنها بللت نفسها أثناء الليل، وبسبب خوفها من التوبيخ، غسلت قميص نومها سراً وعلقته ليجف، ثم ارتدت ملابس أخرى ونامت.
بعد ذلك مرضت بشدة… وفقدت الذاكرة، تماماً مثل ليليتا.
“لكن ليلة أمس، استيقظتُ على ذلك الصوت المدوّي، ورأيتُ شيئاً يلمع أسفل السرير. نظرتُ بذهول وأنا مستلقية على بطني، وكان هناك… حقاً لا يعقل، لكنه كان هناك… ذلك الحذاء الصغير…”
قالت إنها نظفت أسفل السرير ونظرت إليه مرات لا تحصى طوال عشر سنوات، ولم تجد الحذاء أبداً.
كان محاطاً بنقوش ذهبية غريبة ويشع ضوءاً، ثم اشتعلت فيه النيران من تلقاء نفسها.
أخرجته هانا وهي مذعورة وحاولت إطفاءه بالماء وفعلت كل ما بوسعها، لكن النار لم تنطفئ إلا بعد أن تحول إلى مجرد قطع متفحمة لا معالم لها، حيث تلاشت النيران وكأنها سحر.
“وبعد ذلك استعدتِ ذكرى تلك الليلة؟”
“نعم… قد يبدو الأمر ككذبة، أو مجرد عذر، لكنه الحقيقة. حقاً لم أكن أعرف شيئاً حتى البارحة. لم أكن أكذب، والآن فقط… تذكرت… يا إلهي، أنا… أنا من… اختطفتُ الآنسة. أنا…”
كانت هانا تخمش الأرض وهي جاثية، والسجادة تتبلل بدموعها الغزيرة.
“اقتليني يا آنستي. أنا… أستحق ذلك… كيف يمكنني أن أرد المعروف بهذا الغدر، كيف تجرأتُ وفعلتُ ذلك بالآنسة…”
تنفست ليتا الصعداء بعمق.
يبدو أن ذاكرة هانا عن تلك الليلة كانت مختومة في الحذاء، تماماً كما كانت ذكرى ليليتا مختومة في ذلك التابوت الخشبي.
بما أن هناك صلة بينهما، فلا بد أن الختم تحطم عندما حطمت هي التابوت في البحيرة.
‘مثلما لم يجدوا شيئاً في البحيرة رغم تفتيشها مراراً، لا بد أن ذلك الحذاء كان مخفياً بالأود. وهذا يعني أن سكان هذا العالم لن يتمكنوا من العثور عليه أبداً.’
نهضت من الأريكة واقتربت من هانا. وأمام الفتاة التي كانت ترتجف ورأسها في الأرض، التقطت قطع الحذاء المحترقة.
رغم صعوبة تمييزها، إلا أن هناك خطوطاً كانت بلا شك جزءاً من دائرة سحرية. وبالنظر إلى لون المادة المتبقية وملمسها، كان من المؤكد أنه الحذاء الذي كانت ترتديه في تلك الليلة.
وهذا يعني أن لقصة هانا أساساً من الصحة.
‘الجاني الذي فعل كل هذا هو بالتأكيد…’
كبير السحرة باسكال. ربما كان له شريك، ولكن بما أنه استخدم هذا المستوى من السحر، فالأرجح أنه هو نفسه من قام بذلك.
لقد تلبس جسد هانا واختطف ليليتا.
‘يجب أن أفحص هذه الآثار أكثر، مع شظايا التابوت.’
احتفظت ليتا بقطع الحذاء، ثم نظرت إلى هانا الباكية بصمت قبل أن تفتح فمها قائلة:
“هانا.”
ترجمة : ســايــومــي ❥
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل "15"