الفصل الثالث عشر
“آنسة… لقد اختفيتِ.”
“استيقظتُ لأنني حلمتُ بحلم مخيف. هل استيقظتِ أنتِ أيضاً من نومكِ يا هانا؟”
“نعم…”
أجاب هانا ببطء، بينما كان الضوء الأصفر للمصباح يرتجف فوق وجهها. شعرت ليليتا بطريقة ما أن عينيها غريبتان؛ عينان تنظران إلى الفراغ وكأنهما غير قادرتين على التركيز.
“إذا كنتِ خائفة… فتعالي… معي…”
“ننام معاً؟”
تهلل وجه ليليتا وتشبثت بطرف ثيابها. لكن هانا هزت رأسها.
“معاً، معاً.”
“هاه؟”
“معاً… أوه…”
كررت الفتاة الكلمات نفسها، ثم فجأة أمسكت برأسها وأصدرت أنيناً، ثم رفعت رأسها مرة أخرى.
اختفت ملامح الذهول تماماً، وحلّت مكانها ابتسامة وعينان تلمعان بشكل غريب.
“تعالي معي لنشاهد النجوم يا آنسة.”
“النجوم…؟ فجأة؟”
“لقد طار النوم من عيني أيضاً وكنتُ أفكر فيما سأفعله… وبما أنه من النادر أن نكون مستيقظتين في ليلة كهذه، فكرتُ في مشاهدة النجوم. واعتقدتُ أن الأمر سيكون أجمل مع الآنسة، لذا جئتُ لأبحث عنكِ.”
“معي أنا؟”
“لقد وضعتُ الحليب والبسكويت مسبقاً عند ضفة البحيرة. هناك أغطية أيضاً، وكتاب عن الأبراج النجمية. آنستي، ألم تتعلمي عن الأبراج من معلمتكِ الخصوصية مؤخراً؟ ألا تودين رؤيتها حقاً؟ بعد شرب الحليب الدافئ ومشاهدة النجوم معاً، ستنامين بعمق ويسر!”
ثرثرت هانا وهي تبتسم ببهجة.
ليليتا، التي كانت قد تعلمت بالفعل عن الأبراج قبل وقت قصير، أغراها العرض بشدة. لقد كانت خائفة من النوم وحدها، كما أن فكرة اللعب مع فتاة من عمرها وشرب الحليب وأكل البسكويت في منتصف الليل جعلت قلبها يخفق حماساً.
“موافقة!”
أجابت ليليتا بابتسامة عريضة.
لم تشك تلك الطفلة، التي نشأت محاطة بالحب بين أناس طيبين، في أي شيء.
لم تتساءل كيف استطاعت هانا، التي تقيم في القلعة الخارجية حيث يعيش الخدم، الدخول إلى القلعة الداخلية وصولاً إلى غرفة نوم ابنة الدوق في أعماق القصر.
ولم تتساءل كيف عرفت فتاة لم تصبح رفيقة لعبها بعد، ولم يمضِ على وجودها في القصر سوى شهر واحد، أن ليليتا تعلمت عن الأبراج مؤخراً.
ولا كيف تمكنت خادمة صغيرة لا تملك أي سلطة من إعداد كل تلك التجهيزات عند بحيرة غابة البتولا.
أو ماذا يعني إخراج ابنة دوق في العاشرة من عمرها في منتصف الليل خارج القصر المزود بأنظمة أمان مشددة.
كل ما شعرت به ليليتا هو الفرح لأنها ستلعب لعبة مميزة مع رفيقة من سنها، ولأنها لن تضطر للنوم وحدها في الغرفة التي شهدت كابوسها قبل قليل.
خرجت الدوقة الصغيرة من القصر تقودها يد هانا. ورغم وجود حراس المناوبة وخدم الليل، لم تصادف الفتاتان أحداً في طريقهما للخروج.
وعندما تجاوزتا الحديقة الخلفية ودخلتا غابة البتولا، بدأت ليليتا تشعر أخيراً بشيء من الغرابة.
“هانا، انتظري قليلاً، خطواتكِ سريعة جداً…”
كانت هانا، الفتاة القوية ذات الاثني عشر عاماً، أطول برأس تقريباً من ليليتا الضعيفة ذات العشر سنوات. وكانت هانا تجرها بقوة تقريباً، دون أن تلتفت خلفها، ودون أن تنطق بكلمة.
وعندما شعرت ليليتا بالقلق وحاولت التوقف بدلاً من الانقياد، التفتت هانا إليها.
كان وجهها بلا أي تعبير، كدمية.
“… هانا؟”
“نعم، آنستي؟”
أجابت الفتاة وهي ترفع زوايا فمها لتبتسم، لكن عينيها لم تبتسما أبداً. كان شعوراً غريباً ومخيفاً للغاية. شعرت ليليتا بالخوف وتراجعت للخلف دون وعي.
“إلى أين تذهبين؟ ضفة البحيرة من هنا.”
أمسكت هانا بيدها بقوة وجذبتها. حاولت ليليتا جاهدة سحب يدها وقاومت بجسدها.
“لا، لا، لن أذهب.”
“ماذا؟”
“لقد غيرتُ رأيي. أنا آسفة يا هانا، سأذهب للنوم…”
“لا يمكنكِ فعل ذلك.”
اختفت الابتسامة المتكلفة تماماً. وبوجه خالٍ من المشاعر، جذبت هانا ليليتا بقوة خارقة للطبيعة.
“تعالي إلى هنا.”
كانت نبرة صوتها وطريقة كلامها تشبه تماماً ما سمعته في كابوسها. حاولت ليليتا، التي تملكها الرعب، الصراخ والهرب.
“آه.. إمف!”
سدت هانا فمها بسرعة، واحتضنتها بكل قوتها لتقمع تخبطها، وهي تمتم بشيء ما بسرعة بصوت غريب:
“〈أنا أريد…〉”
لم تسمع ليليتا تلك الكلمات بوضوح، فلم يكن لديها ذهن للتركيز. كانت تتخبط بجنون للإفلات من هانا.
وفي تلك الأثناء، علق طرف ثوب نومها بغصن شجرة في الشجيرات. مزق طرف الغصن فخذها طولياً فسال الدم وتمزق الثوب. بقي طرف الثوب الملطخ بالدم عالقاً في الشجيرة.
توقف صوت هانا الغريب. وفي تلك اللحظة، فقدت ليليتا كل قوتها وارتخت كدمية قماشية.
حملت هانا ليليتا فوق كتفها، والتقطت فردتي خفها اللتين سقطتا أثناء التخبط، ثم واصلت السير في الممر.
بعينين مفتوحتين بذهول وجسد عاجز عن الحراك، رأت ليليتا البحيرة تقترب.
لم يكن هناك حليب ولا بسكويت ولا أغطية عند البحيرة. ولا حتى كتاب أبراج. لم يكن هناك سوى تابوت فارغ موضوع هناك.
وضعت هانا ليليتا حافية القدمين داخل التابوت. أرادت ليليتا الصراخ وهي تنظر إلى الدوائر السحرية الغريبة التي تملأ باطن التابوت، لكنها لم تستطع حتى تحريك شفتيها.
أُغلق غطاء التابوت فوق جسدها المتصلب. وقبل أن ينغلق تماماً، رأت ليليتا هانا تنظر إليها بتعبير حزين وكئيب، تعبير لا ينتمي لطفلة أبداً.
ساد الظلام الدامس فور إغلاق الغطاء. شعرت ليليتا بالتابوت يُسحب، ثم سمعت صوت تلاطم الماء.
’هل سيوضع التابوت في البحيرة؟‘
هل سأموت هكذا؟
سيطر رعب شديد على جسدها. أرادت أن تعول وتصرخ، أو على الأقل أن تغمض عينيها بقوة. لكنها ظلت مستلقية كدمية بعينين نصف مفتوحتين.
لحسن الحظ أو سوء الحظ، لم يتسرب الماء إلى داخل التابوت. كم من الوقت مر وهي على تلك الحالة؟
بالنسبة لليليتا، بدا الأمر وكأنه دهر، لكن في الواقع لم يمر سوى وقت قصير، رأت بعده ضوءاً غريباً يسري عبر النقوش العجيبة داخل التابوت.
أعقب ذلك ألم حاد وكأنه يطعن دماغها. كان الألم شديداً لدرجة أنها لم تستطع التفكير في أي شيء، واهتزت رؤيتها.
بدأت تصرخ في عقلها صرخات لا تجد طريقاً للخارج… وفجأة، في لحظة ما، أصبح ذلك الصراخ صوتاً حقيقياً سمعته أذناها.
كانت ليليتا تصرخ وتتلوى بجسدها. كان هناك شخص يمسك بها بقوة، ويقبض على رأسها بيد ضخمة.
تدفقت أشياء مشوشة وفوضوية داخل عقلها. وبعد فترة لا تدري كم استغرقت، اختفى الألم فجأة.
عندما فتحت عينيها الممتلئتين بالدموع، رأت رجلاً يرتدي رداءً بقلنسوة.
مسح الدموع من عينيها، ثم أوقفها أمام مرآة كبيرة.
انعكست فيها صورة فتاة ذات شعر بني محمر ونمش، فتاة تشبه هانا بشكل طفيف.
’من هذه…؟ آه.. هل هذه أنا؟‘
هل كان شكلي هكذا دائماً؟
بينما كانت تنظر إلى المرآة بغرابة، قال الرجل:
“أنتِ (ليتا).”
لم تستطع ليتا التساؤل عن تلك الكلمات. فداخل عقلها الذي فُقدت كل ذكرياته وأصبح أبيض تماماً، انغرست كلمات الرجل كأنها نُقشت فيه.
“أنتِ يتيمة آويتُها، ليس لديكِ والدان أو عائلة.”
نظرت ليتا إليه بذهول. وضع الرجل يده على رأسها، فشعرت وكأن الفراغ بداخلها يمتلئ بشيء ما.
“الآن، ستتذكرين بوضوح كم كنتِ جائعة وعانيتِ طوال تلك الفترة.”
فجأة، تدفقت ذكريات حية. ذكرى الجوع الشديد والبحث في أكوام القمامة، الروائح الكريهة، واليد التي مُدت إليها عندما ظنت أنها ستموت جوعاً.
“إذا أصبحتِ ابنتي، فلن أدعكِ تجوعين.”
تلك اليد التي أمسكت بها واتبعتها، وقطعة الخبز التي التهمتها بلهفة، والاستلقاء داخل التابوت المليء بالرسوم الغريبة كما طُلب منها.. ثم بعد ذلك أصبح رأسها…
“لا، لا، ليست هناك حاجة لمثل هذه الذكريات التفصيلية. لا يجب أن تصبحي (دوروثي). حتى لو كان جسدكِ ينتمي لـ دوروثي اليتيمة التافهة، فإن روحكِ تمتلك مؤهلات خاصة… إنها حالة استثنائية، لكنها بلا شك ستكون الأفضل في التاريخ…”
تلاشت كلمات الرجل وأصبحت ذكرياتها ضبابية مرة أخرى.
عندما استعادت وعيها، كانت ليتا تنظر إلى الرجل الذي يمسح على رأسها دون أي شك.
“… لذا اشكري لي أنني آويتكِ.”
اشكري “باسكال”، الساحر العظيم الذي أنقذكِ من الجوع بامتنان.
* * *
فتحت ليليتا عينيها.
داخل الغرفة التي أصبحت مألوفة خلال الأيام الماضية.
هذه المرة لم تقفز فزعة أو تراقب الأنحاء بحذر.
نهضت ببطء من السرير ونظرت من النافذة. رغم وجود بعض التغييرات التي طرأت خلال عشر سنوات، إلا أنه كان مشهداً مألوفاً.
الحديقة المعتنى بها جيداً، سياج الورود الذي لا يزال في مرحلة البراعم، وغابة البتولا بأوراقها الخضراء اليانعة التي تظهر من بعيد.
لقد نشأت وهي تركض وتلعب في تلك الحديقة.
كانت تتبع “فارس شجر الزهور” -أو بالأحرى البستاني- لتشاهد ما يفعله، وتطرح أسئلة عن أسماء الزهور والأشجار، وكانت تجد ريتشارد المختبئ دائماً بعد شجاره مع ليونهارت.
كانت تذهب في نزهات عبر ممر غابة البتولا، ممسكة بيدي ليونهارت وريتشارد، أو يدي أمها وأبيها.
ثم وجهت ليليتا نظرها إلى علبة الكبريت الموضوعة فوق المكتب. وبينما كانت تفتحها لتنظر إلى البطاقة الصغيرة بالداخل، سمعت صوت طرق على الباب.
ترجمة : ســايــومــي ❥
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل "13"