—
# ✨ **الفصل السادس: جدران لا تصرخ**
لم يكن القصر كما تخيلته ليليا.
لم يكن مظلمًا، ولا مليئًا بالتهديدات الظاهرة، ولا يعجّ بالصراخ أو القيود.
كان… هادئًا أكثر مما يجب.
ارتفعت جدرانه البيضاء أمامها، ملساء، نظيفة، بلا تشققات.
أبوابه ضخمة، لكنها فُتحت لها دون مقاومة.
ممراته طويلة، يغمرها ضوء ناعم لا مصدر واضح له، كأنه مصمم كي لا يُلقي ظلالًا حادة.
وهذا ما أقلقها.
*الأماكن القاسية تُعلن قسوتها…*
*أما هذه، فكانت تخفيها بعناية.*
**
قادوها إلى غرفة في الجناح الشرقي.
غرفة واسعة، سريرها مرتب بعناية مبالغ فيها، نافذتها عالية، لا تطل على الأرض… بل على السماء فقط.
قالت المرأة التي رافقتها، بصوت لطيف:
**”هذه ستكون غرفتكِ. نريدكِ أن تشعري بالراحة.”**
الراحة.
الكلمة بدت غريبة هنا.
أُغلِق الباب خلفها بهدوء.
لم يُقفل بالمفتاح.
ولم يُترك مفتوحًا تمامًا.
جلست ليليا على حافة السرير.
وضعت يديها في حجرها.
وانتظرت.
لم تكن تعرف ماذا تنتظر.
لكنها كانت متأكدة أن شيئًا ما سيحدث…
ليس الآن، بل تدريجيًا.
**
مرت الأيام الأولى ببطء مربك.
لم يُطلب منها شيء.
لم تُسأل عن قوتها.
لم يُذكر النور.
كانوا يأتون بالطعام في أوقات منتظمة.
يسألونها إن كانت تحتاج شيئًا.
ينادونها بـ *”آنسة ليليا”*، بنبرة احترام هادئة.
كان كل شيء لطيفًا…
ولذلك، كان مرعبًا.
في الليل، كانت تستلقي على السرير، تحدّق في السقف العالي، وتشعر بأن أفكارها أصبحت أعلى صوتًا من أي وقت مضى.
*هل أنا سجينة؟*
*أم ضيفة؟*
*وإن كنتُ ضيفة… لماذا أشعر أنني لا أستطيع المغادرة؟*
**
في اليوم الرابع، دخل رجل مسنّ، بملابس داكنة بسيطة، دون سلاح.
جلس على الكرسي المقابل لها، ولم يبدأ بالكلام فورًا.
ترك الصمت يتمدد.
ثم قال أخيرًا:
**”ليليا… هل تعلمين كم شخصًا يموت كل يوم في هذه المملكة؟”**
لم تعرف كيف تجيب.
فلم تجب.
تابع، بصوت خالٍ من الانفعال:
**”أطفال. جنود. أمهات.
كلهم يموتون لأننا لا نملك ما يكفي من الشفاء.”**
رفعت عينيها نحوه ببطء.
**”وأنتِ…”**
توقف لحظة، ثم أكمل:
**”أنتِ تملكين ما لا نملكه.”**
لم يقل: *نحتاجك*.
لم يقل: *أجبرك*.
قال فقط: *أنتِ تملكين.*
وكان ذلك أثقل.
**
بعد رحيله، جلست ليليا وحدها طويلًا.
كانت تفكر في الوجوه التي عالجتها.
في الألم الذي رأته.
وفي شعورها القديم… ذاك الشعور الذي كان يدفعها للمساعدة دون سؤال.
لكن هنا، داخل هذه الجدران، كان ذلك الشعور يتغير.
لم يعد دافعًا…
بل عبئًا.
*إن رفضت… هل سأكون سببًا في موتهم؟*
*وإن وافقت… ماذا سيبقى مني؟*
**
في اليوم السابع، سُمح لأرين بزيارتها.
عندما دخل، نهضت تلقائيًا.
كان أول وجه مألوف تراه منذ أيام.
**”ليليا…”**
قال اسمها وكأنه يختبر صوته في هذا المكان.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
ليست فرِحة… بل مرتاحة لأن أحدًا يعرفها هنا.
جلسا.
ساد صمت قصير.
ثم قال:
**”هم يحترمونك.
أنتِ مختلفة هنا.”**
نظرت إليه.
رأت في عينيه شيئًا جديدًا:
إعجاب… ممزوجًا بالمسافة.
**”هل أنا؟”** سألت بهدوء.
**”نعم.
الملك نفسه سمع عنك.”**
لم تشعر بالفخر.
شعرت بالخوف.
**”أرين…”**
ترددت.
**”هل أستطيع الرحيل إن أردت؟”**
لم يجب فورًا.
وهنا، بالضبط هنا، شعرت ليليا بأن شيئًا صغيرًا انكسر.
ليس كسرًا مؤلمًا…
بل كسر صامت.
**”ليس الآن،”** قال أخيرًا.
**”لكن هذا مؤقت.”**
كلمة *مؤقت* بدت مطاطية، بلا حدود.
**
في تلك الليلة، عندما أطفئت المصابيح، شعرت ليليا بالنور داخلها يتحرك بقلق.
لم يكن سعيدًا.
لم يكن قويًا.
كان… مترددًا.
وضعت يدها على صدرها، وهمست:
**”إن كنتَ نعمة… فلماذا أشعر بهذا الثقل؟”**
لم يجبها أحد.
**
في اليوم التالي، طُلب منها أن تشفي.
ليس أمرًا.
ليس تهديدًا.
طلبًا.
جندي مصاب.
حالته حرجة.
قالوا لها:
**”إن لم تشفيه، سيموت.”**
لم تسأل عن السبب.
لم تقل: *لا*.
جلست قربه… ومدّت يدها.
انبثق النور.
نجا الجندي.
لكن عندما سحبت يدها، شعرت بدوار خفيف.
كأن شيئًا انتُزع منها دون أن يُرى.
قالوا لها:
**”أحسنتِ.”**
وكان ذلك… بداية الاعتياد.
**
ليلة بعد ليلة،
طلب بعد طلب،
كانت ليليا تتعلم شيئًا جديدًا، دون أن يُعلّمها أحد:
أن الطيبة يمكن أن تتحول إلى واجب،
وأن الواجب، عندما لا يكون له نهاية،
يصبح سجنًا بلا قضبان.
وكانت وحدها.
مع نورٍ بدأ يتعب،
وقلبٍ لا يزال يعتقد…
أن الحب،
والخدمة،
والتضحية،
شيء واحد.
—
التعليقات لهذا الفصل " 6"