Chapters
Comments
- 4 - الفصل الرابع 4 منذ 17 ساعة
- 3 - الفصل الثالث 3 منذ 17 ساعة
- 2 - الفصل الثاني 2025-12-13
- 1 - الفصل الأول 2025-11-15
عرض المزيد
—
✨ الفصل الرابع: أشياء لا تُقال
كانت ليليا تشعر أن الأيام لم تعد تمرّ كما كانت.
لم تعد تشبه سيلًا هادئًا، بل خطوات ثقيلة فوق صدرها.
كل صباح، كانت تستيقظ بنفس الجسد… لكن ليس بنفس الشعور.
جلست قرب النافذة، تضم ركبتيها إلى صدرها، تحدّق في القرية التي تعرفها منذ ولادتها.
كل شيء في مكانه: البيوت، الطريق الترابي، الشجرة العتيقة عند الساحة.
ومع ذلك، كانت تشعر أنها أصبحت غريبة عن هذا المشهد، كأن زجاجًا غير مرئي يفصلها عنه.
لم تكن تعرف متى بدأ هذا الإحساس بالانفصال.
ربما عندما بدأت أمها تصمت أكثر.
أو عندما صار أرين ينظر إليها طويلًا قبل أن يتكلم… ثم يغير الموضوع.
أو ربما عندما بدأ النور داخلها يتردد بدل أن يندفع.
**
كانت أمها تجلس في الغرفة الأخرى، تخيط ثوبًا لا تحتاجه ليليا الآن.
الخيط يتحرك بين أصابعها بسرعة مبالغ فيها، كأنها تحاول الهروب من فكرة ما.
لاحظت ليليا ذلك، لكنها لم تقل شيئًا.
في تلك الأيام، صارت ليليا تفكر كثيرًا…
تفكر في نفسها، في النور، في نظرات الناس، في الصمت الذي يتكاثر حولها.
هل أُخفي شيئًا عنهم؟
أم أنهم يُخفون شيئًا عني؟
كان السؤال يتكرر داخلها دون جواب.
**
خرجت ليليا بعد الظهر إلى أطراف القرية، حيث الأرض أقل ازدحامًا بالأصوات.
هناك، كانت تشعر بأنها تستطيع التنفس.
جلست قرب صخرة كبيرة، وراحت تمرر أصابعها على التراب الرطب.
أغلقت عينيها…
وفكّرت لأول مرة، لا في الآخرين، بل في نفسها.
من أنا؟
هل أنا مجرد فتاة؟ أم شيء آخر؟
وإن كنتُ شيئًا آخر… هل هذا سيجعلهم يتوقفون عن رؤيتي كإنسانة؟
تسللت فكرة مؤلمة إلى عقلها، فكرة لم تحبها، لكنها لم تستطع طردها:
ربما النور ليس هدية… ربما هو السبب في كل هذا.
شعرت بوخز خفيف في صدرها، وكأن النور تأثر بتلك الفكرة.
ففتحت عينيها بسرعة، وكأنها تخشى أن تكون قد آذته.
قالت بصوت منخفض:
“لم أقصد…”
كانت تعتذر لقوة لا تطلب اعتذارًا،
ولنفس لم تفهمها بعد.
**
في المساء، جاء أرين.
لم يدخل البيت، بل وقف عند الباب، كأن العتبة أصبحت حاجزًا بين عالمين.
نظرت إليه ليليا طويلاً قبل أن تتكلم.
كان يبدو مرهقًا، أكثر مما يجب لشاب في عمره.
عيناه تحملان ثقل قرارات لم تُتخذ بعد… لكنها تلوح في الأفق.
“أرين…” قالت أخيرًا.
“هل تغيّرتُ؟”
لم يتوقع السؤال.
تردد للحظة، ثم قال:
“لا… أنتِ كما أنتِ.”
لكن صوته لم يكن صادقًا تمامًا.
وليليا، بحساسيتها، شعرت بذلك.
خفضت رأسها:
“إذًا لماذا أشعر أن الجميع ينظر إليّ وكأنني شيء يجب الحذر منه؟”
ساد صمت ثقيل.
كان بإمكانه أن يقول الحقيقة… أو جزءًا منها… أو كذبة لطيفة.
فاختار الأخيرة.
“الناس يخافون مما لا يفهمونه، هذا كل شيء.”
رفعت عينيها إليه، وابتسمت ابتسامة صغيرة…
ابتسامة شخص يريد أن يصدق.
“هل تخاف مني؟”
كان السؤال بسيطًا، لكنه أصابه في الصميم.
نظر إليها طويلًا، طويلًا جدًا.
وفي تلك النظرة، كان هناك شيء لم تره من قبل:
حساب… وتردد… وربما طموح خفي.
قال أخيرًا:
“لا.”
لكن الكلمة خرجت متأخرة نصف ثانية.
وكان ذلك كافيًا لتشعر ليليا بوخزة لا تُرى.
**
بعد رحيله، جلست ليليا على سريرها، تضم ذراعيها حول نفسها.
كانت تحاول أن تفهم لماذا شعرت بالبرد فجأة، رغم أن الغرفة دافئة.
هل يمكن للخذلان أن يكون صامتًا؟
هل يمكن أن يبدأ قبل أن يحدث؟
كانت الأسئلة تثقل رأسها، والنور داخلها بدأ يخفت قليلاً، كما لو أنه يتأثر بكل شكّ يولد في قلبها.
**
في تلك الليلة، حلمت ليليا بحلم غريب.
رأت نفسها واقفة في مكان أبيض لا نهاية له.
كانت وحدها، لكنها لم تشعر بالوحدة.
ثم سمعت صوتًا، ليس واضحًا، لكنه مألوف:
“طيبتكِ هي قوتكِ… وهي نهايتكِ.”
استيقظت فجأة، وقلبها يخفق بعنف.
لم تكن تعرف من أين جاء الصوت،
لكنها كانت متأكدة من شيء واحد…
أن العالم بدأ يطالب منها بأكثر مما تستطيع منحه،
وأنها، رغم كل شيء،
ستمنحه كل ما تملك… بصمت.
—
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 4"