Chapters
Comments
- 4 - الفصل الرابع 4 منذ 17 ساعة
- 3 - الفصل الثالث 3 منذ 17 ساعة
- 2 - الفصل الثاني 2025-12-13
- 1 - الفصل الأول 2025-11-15
عرض المزيد
—
✨ الفصل الثالث: حين يطيل الظل مقامه
لم تكن ليليا تعرف متى بدأ القلق يتسلل إلى أيامها.
لم يأتِ دفعة واحدة، ولم يكن صريحًا بما يكفي لتخاف منه.
كان مثل ظلٍّ يطول قليلًا كل مساء، دون أن يلاحظه أحد.
في ذلك اليوم، بدت القرية أكثر صمتًا من المعتاد.
حتى الديكة تأخرت في صياحها، وكأن الصباح نفسه كان مترددًا في الظهور.
فتحت ليليا نافذة الغرفة، فدخل هواء بارد لا يشبه هواء ميروال المعتاد؛ كان أثقل، وأبطأ، يحمل في طياته شعورًا غامضًا بالترقّب.
في المطبخ الصغير، كانت والدتها تقف قرب الموقد، تحرّك الحساء بيد شاردة.
لم تلتفت عندما دخلت ليليا، وكأنها لم تسمع وقع خطواتها.
قالت ليليا بلطف:
“أمي؟”
انتفضت المرأة قليلًا، ثم التفتت بابتسامة حاولت أن تبدو طبيعية.
لكن ليليا رأت ما خلفها؛ رأت القلق في عينيها، ذاك القلق الذي لم يكن موجودًا من قبل… أو ربما كان موجودًا، لكنها لم تنتبه له إلا الآن.
“سنذهب اليوم إلى الحقول الجنوبية،” قالت الأم وهي تضع الوعاء على الطاولة.
“لا تبتعدي عني.”
هزّت ليليا رأسها موافقة، دون أن تسأل لماذا.
كانت قد تعلّمت منذ صغرها أن بعض الطلبات لا تُسأل، بل تُنفَّذ.
**
في الطريق إلى الحقول، مرّتا قرب أطراف الغابة السوداء.
كانت الأشجار هناك أعلى من المعتاد، متشابكة كأنها تتبادل أسرارًا قديمة.
شعرت ليليا بوخز خفيف في صدرها، إحساس مألوف لديها…
إحساس يعني أن شيئًا ما يتألّم، أو أن الحياة في مكان ما تستدعي النور.
توقفت دون أن تشعر، وضغطت يدها على صدرها.
“ماذا هناك؟” سألتها أمها بسرعة.
“لا أعرف…” أجابت ليليا بصوت خافت.
“كأن أحدًا يناديني.”
شدّت الأم على يدها بقوة لم تعهدها منها من قبل.
قالت بنبرة حازمة تخفي خوفًا قديمًا:
“تجاهلي ذلك. لا تنصتي لكل ما تشعرين به.”
خفضت ليليا رأسها، مطيعة كعادتها.
لكن النور في داخلها لم يعرف يومًا كيف يتجاهل الألم.
**
في الحقول، كان الفلاحون يعملون بصمت.
لا ضحكات، لا مزاح، فقط حركات متكررة وعيون تراقب الطريق المؤدي إلى العاصمة.
همسات خافتة كانت تتنقل بين الناس كالنار تحت الرماد.
سمعت ليليا بعض الكلمات المتقطعة:
“الملك…”
“الجيش…”
“فتاة تشفي المرض…”
لم تفهم السياق، لكنها شعرت بانقباض في قلبها.
نظرت إلى أمها، فوجدتها أكثر توترًا، كأن كل همسة كانت تضيف ثقلًا جديدًا إلى كتفيها.
**
في الظهيرة، جلست ليليا قرب جدول ماء صغير، تغسل يديها من التراب.
راقبت انعكاس وجهها على سطح الماء.
كانت عيناها تلمعان أكثر من المعتاد، وفي عمقهما شيء يشبه الحزن المبكر… حزن لا سبب له بعد.
اقتربت فراشة بيضاء، حطّت على إصبعها.
ابتسمت ليليا تلقائيًا، وشعرت بدفء خفيف ينتقل منها إلى الكائن الصغير.
قالت بصوت بالكاد يُسمع:
“لا تخافي… لن يؤذيكِ أحد.”
لم تكن تعلم أنها كانت تتحدث عن نفسها أكثر مما تتحدث عن الفراشة.
**
في المساء، عادتا إلى القرية.
كان الضوء يميل إلى الاحمرار، والظلال تطول على الأرض.
عند مدخل ميروال، رأت ليليا أرين واقفًا، كأنه كان ينتظر منذ وقت طويل.
عندما وقعت عيناه عليها، ارتسمت على وجهه ابتسامة سريعة… لكنها لم تصل إلى عينيه.
كان فيه شيء متغير، شيء مشدود أكثر من اللازم.
“أين كنتِ اليوم؟” سألها.
“في الحقول مع أمي.”
نظر إلى والدتها، ثم أعاد نظره إلى ليليا.
قال بنبرة حاول أن يجعلها عادية:
“سمعتُ أشياء… عن العاصمة.”
لم تسأله، لكنها شعرت بأن الجملة تحمل أكثر مما تقول.
تدخلت الأم بسرعة:
“ليليا متعبة، سنتحدث لاحقًا.”
هزّ أرين رأسه، لكنه قبل أن يبتعد، نظر إلى ليليا نظرة طويلة.
نظرة مختلطة… فيها قلق، وفيها حساب، وفيها شيء آخر لم تستطع تسميته.
**
في تلك الليلة، لم تستطع ليليا النوم.
كانت مستلقية على سريرها الخشبي، تحدّق في السقف، تستمع إلى صوت الريح وهي تصفر بين الشقوق.
شعرت بالنور داخلها يتحرك بقلق، كأنه يشعر بقرب شيء لا يُرى.
وضعت يدها على كتفها، فوق العلامة الذهبية.
لأول مرة، شعرت أنها أثقل من المعتاد… كأنها تحمل عبئًا لا يخصها وحدها.
تمتمت بصوت خافت، أقرب إلى دعاء طفولي:
“أتمنى لو كان العالم أبسط…”
لكن العالم، كما لو أنه سمعها، اختار أن يكون أكثر تعقيدًا.
**
في مكان بعيد عن ميروال، خلف أسوار عالية، كان اسم ليليا يُذكر لأول مرة في قاعة باردة، بأصوات لا تعرف الرحمة.
وكان القرار، دون أن تدري، قد بدأ يتشكّل.
أما هي، فكانت لا تزال تلك الفتاة الطيبة،
التي لا تستطيع أن تؤذي حتى حشرة صغيرة،
ولا تعلم أن طيبتها… ستكون الباب الذي سيدخل منه الخراب.
—
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 3"