الفصل الخامس
‘لماذا يبدو الأمر وكأن هناك نظامًا للرتب هنا؟’
رحتُ أنقل نظري بين الأطفال الواقفين بالقرب مني وبين تلك المجموعة الجالسة بعيدًا في الزاوية.
الأطفال الذين كانوا يلعبون معي كانت ملامحهم نظيفة، وثيابهم وشعرهم مرتبين نسبيًا، لدرجة أنني ظننت أنه بقليل من العناية قد يبدون كأطفال النبلاء.
لكن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة للأطفال في الزاوية. فمنهم من كان وجهه مليئًا بالنمش، ومنهم من كان جلده محمرًا بسبب مرض جلدي، ومعظمهم كان يملك شعرًا كثيفًا مشعثًا يغطي أعينهم.
وحتى الثياب؛ فعلى عكس المجموعة الأولى التي كانت ترتدي ملابس نظيفة إلى حد ما، كان أطفال الزاوية يرتدون أسمالاً لا تختلف عن الخرقة.
‘لماذا يا ترى…؟’
في تلك اللحظة، تبادر إلى ذهني وصف من الرواية الأصلية:
> [كان المدير يصب كامل اهتمامه على الأطفال الوسيمين فقط. فكلما كان الطفل جميلاً أو وسيمًا، زادت فرصته في التبني.]
حب الجمال واللطافة غريزة بشرية. وبالنسبة للمدير، فإن تقديم أطفال جميلين وودودين سيكون أكثر نفعًا في رفع معدل نجاح التبني من تقديم أطفال لا أمل فيهم.
‘من المؤكد أن المدير كان يزين الأطفال الجميلين ويبرزهم أمام النبلاء، بينما الأطفال الذين استُبعدوا من قائمة “المتبنين المحتملين” دُفعوا طبيعيًا نحو الزاوية.’
الأطفال أذكى وأكثر مكرًا مما نتخيل.
الأطفال الذين اختارهم المدير استغلوا هذه الأفضلية وبدأوا يسيطرون على البقية، بينما الأطفال الذين أدركوا ألا أحد سيختارهم، انكمشوا على أنفسهم طبيعيًا.
‘واو، هذا شرير حقًا.’
صُدمت من حقيقة وجود رتب طبقية حتى في هذا المكان الصغير. لكن أكثر ما أغضبني هو المدير الذي تسبب في كل هذا؛ فلو لم يفرق بين الأطفال منذ البداية، لما حدث هذا أبدًا.
‘لا يمكنني لوم هؤلاء الأطفال. فهذه هي الطريقة التي اختاروها للبقاء أو للخروج من هنا.’
تنهدت بعمق. جئت وأنا أعلم أن دار الأيتام في حالة سيئة، لكن رؤية هذا التعفن الداخلي جعلت قلبي يزداد ثقلاً.
“هيا، الطعام جاهز!”
دخل المدير والموظفون وهم يدفعون عربة محملة بالطعام.
“واو، يا أطفال، إنه وقت وجبة لذيذة!”
رفعت صوتي عمدًا لأجذب انتباههم، لكن لم تكن هناك حاجة لتلك الجلبة، فبخلاف ترددهم في التعامل معي، قفز الأطفال من أماكنهم كالجراء التي رأت مكافأة.
“يبدو أن الجميع جائعون جدًا.”
“هاها، إنهم في سن النمو يا آنسة.”
وُضعت طاولة طويلة ومنخفضة في المنتصف، وجلس الأطفال حولها وكأنهم كانوا ينتظرون هذه اللحظة. وسرعان ما وُضع فوق الطاولة حساء عيش الغراب الساخن وخبز يفوح منه البخار.
“لو كنت أعلم أنكِ ستأتين لكنت اهتممتُ أكثر، لكن بما أنه أُعدَّ على عجل فهو ينقصه الكثيـ—”
“واو! الكمية كبيرة جدًا!”
“والخبز ليس قاسيًا!”
انطلقت صرخات الإعجاب من كل مكان قبل أن ينهي المدير جملة التواضع المصطنعة. ومن ردود أفعالهم، كان واضحًا أنهم في العادة يأكلون طعامًا أسوأ من هذا بكثير.
“في المرة الماضية أكلنا حساءً باردًا وجعل بطني تؤلمني بشـ—”
“كُحم، ماري.”
“….”
بمجرد أن سعل المدير سعلة كاذبة، صمتت الطفلة التي كانت تثرثر، وتبعها البقية في صمت مطبق.
“في ذلك الوقت كان الجو باردًا لذا برد الحساء بسرعة. أنتِ تفهمين، أليس كذلك؟”
“نـ.. نعم.”
“يا لكِ من طفلة مطيعة.”
عندما ربت المدير على ظهرها، ترنح جسد الطفلة الصغير.
‘كنت أنوي الجلوس بجانب إدوين، لكن يبدو أن الجلوس بجانب المدير أفضل.’
إذا كنت بجانبه مباشرة، فلن يجرؤ على إرسال تلك النظرات الحادة للأطفال، فالخجل والمظاهر سيمنعانه.
وبينما كنت أهم بالتحرك للجلوس بجانبه…
“آه، آنسة ليلفراي، يمكنكِ الجلوس هناك.”
قال أحد الموظفين وهو يضع طبقًا كبيرًا بين الأطفال. وبناءً على الحجم، كان من الواضح أنه نصيبي.
“يبدو أن الأطفال يحبونكِ ويتبعونكِ كثيرًا.”
لم أستطع الرفض بفظاظة وهو يقول ذلك. ذهبت وجلست في المكان الذي أشار إليه. كان أمامي الفتاة ذات الشعر البني التي كانت تودد إلي، وعن يساري صبي بعينين واسعتين.
وعن يميني…
‘واو، هذه الطفلة جميلة حقًا.’
كانت هناك فتاة تملك مظهرًا لافتًا للنظر بشكل استثنائي.
شعرها الأشقر الذي بدا وكأنه ذهب مذاب كان يتناقض مع ألوان المكان الكئيبة، مما جعله يبدو أكثر إشراقًا. عيناها الخضراوان اللتان تشبهان الزمرد بدتا منعشتين كأوراق الشجر، ورموشها الطويلة التي تحمل نفس لون شعرها كانت تضفي ظلاً ناعمًا حول عينيها.
‘هل يصح استخدام كلمة “خلابة” لوصف طفلة؟’
كانت الكلمات التي تصف المناظر الطبيعية الساحرة هي الأنسب لوجهها. بدت في نفس عمر لوسيان تقريبًا، لكنها كانت تملك هالة ومظهرًا مميزًا رغم صغر سنها.
وحسب معرفتي، لم يكن هناك في دار الأيتام هذه سوى فتاة واحدة تملك هذا الجمال اللافت.
“ما اسمكِ؟”
“أنا؟”
أومأتُ برأسي للفتاة التي أشارت إلى صدرها بإصبعها الصغير. قلبت الطفلة عينيها الزمرديتين قليلاً ثم فتحت فمها أخيرًا وقالت:
“أنا أميليا.”
“… اسم جميل.”
كما توقعت.
أومأتُ برأسي وكأنني لا أبالي وواصلت تناول الحساء، لكن قلبي كان يخفق بشدة.
فأميليا هي بطلة رواية <من طفل غير شرعي إلى سيد العائلة>.
أميليا هي التي اعتنت بإدوين الانطوائي كأخت كبرى وأحبته، وإدوين بدوره لم يفتح باب قلبه الموصد إلا لها.
لكن وقتهما معًا ينتهي عندما يأتي عمها، الماركيز كلود أغريس، ليبحث عنها ويأخذها.
لم يكن كلود أغريس في الأصل ماركيزًا؛ فرب العائلة كان والد أميليا، إيان أغريس، لكن بسبب وفاة الزوجين في حادث عربة، تولى شقيقه الأصغر كلود اللقب.
‘لقد كان الشخص الذي جعل أميليا تكبر لتصبح بالغة صالحة.’
كانت أميليا في العربة وقت الحادث، لكن لم يتم العثور إلا على جثتين، ولم يُعثر على جثة الطفلة الصغيرة.
كان الحادث مروعًا لدرجة أن احتمال بقائها حية كان ضئيلاً، لكن كلود لم يفقد الأمل؛ فبما أن الجثة لم تظهر، فهناك أمل.
قال الناس إنها ربما كانت أصغر من أن يُعثر عليها، أو أنها قُذفت بعيدًا عن العربة وقت الاصطدام، لكن كلود لم يستسلم. فبالنسبة له، كان شقيقه الأكبر بمثابة الأب، ومن أجل العثور على طفلة شقيقه الحبيب، طاف بكل ركن في الإمبراطورية ليلاً ونهارًا.
وفي النهاية نجح في العثور على ابنة أخته، بعد مرور ثلاث سنوات على اختفائها.
‘عندما أفكر في الأمر، حالته تشبه حالتي كثيرًا.’
فقدان الوالدين في وقت مبكر، رحيل الإخوة الذين كانوا بمثابة الوالدين، والكفاح من أجل ابنة الأخ أو ابن الأخت الذي هو الفرد الوحيد المتبقي من العائلة.
‘لكن المستقبل الذي ينتظرنا مختلف.’
كلود كان ينوي منذ البداية توريث اللقب لأميليا.
بعد عودتها للقصر، ستتلقى تعليم الورثة وتكتسب القوة، وستلعب مستقبلاً دورًا كبيرًا في مساعدة إدوين ليصبح سيد عائلة الدوق. وهذا يعني أن طريقها مفروش بالورود بمجرد انتهاء فترة دار الأيتام.
أما أنا، فلا.
لا أملك ثروة ولا لقبًا لأورثه للوسيان، ولا أملك حتى القدرة على حمايته. وعلاوة على ذلك، الطريق المرسوم للوسيان هو طريق الشرير والموت الشنيع.
‘بما أن الأمر وصل إلى هنا، يجب أن أكسب ود أميليا أيضًا.’
كي تشفق على لوسيان في المستقبل تقديراً لي.
“أميليا، كم عمركِ؟”
أخذتُ قطعة لحم من حسائي ووضعتها في ملعقة أميليا. نظرت أميليا إلى اللحم ثم إليّ، وقالت:
“… 7 سنوات.”
كلود أغريس سيأتي للدار في الصيف الذي تبلغ فيه أميليا 9 سنوات. وهذا يعني أنه بقي حوالي عام ونصف حتى يأتي خالها.
“ظننتكِ في مثل عمر ابن أختي، لكنكِ أكبر منه بسنة.”
“… حقًا؟”
عندما سألتها، بدا وجه أميليا منزعجًا لسبب ما.
‘هل أخطأت في شيء؟’
ربما جرحت كبرياءها عندما قلت إنها تبدو في عمر من هو أصغر منها؛ فالأطفال حساسون تجاه طول القامة. وخاصة أطفال هذه الدار الذين كانوا صغار الحجم مقارنة بأقرانهم بسبب سوء التغذية.
“ما قصدته هو أنكِ لطيفة جدًا، لأن ابن أختي أيضًا…”
وبينما كنت أقدم اعتذارات ذليلة لتحسين مزاجها، وضعت أميليا ملعقتها فجأة.
“آنستي.”
“نـ.. نعم؟”
“والدي قاتل.”
“ماذا…؟”
“لقد قتل الكثير من الناس، وليس شخصًا أو اثنين فقط. مخيف، أليس كذلك؟”
“….”
“وأمي لصة.”
“….”
عجزتُ عن الكلام أمام أميليا التي كانت تتحدث عن أشياء تُعتبر “عارًا” بكل تلك الثقة. وبينما كنت أرمش بغباء، تابعت أميليا وكأنها تحذرني:
“لذا، كوني حذرة.”
“….”
“يقولون إن العرق دساس. مَن يدري، ربما أمد يدي إلى ممتلكاتكِ.”
لمحت أميليا جيبي بطرف عينها ثم عادت للتركيز على طعامها. كان تعبير وجهها هادئًا للغاية، لدرجة أنه كان من الصعب تصديق أنها ألقت للتو قنبلة من العيار الثقيل.
‘ماذا حدث للتو؟’
نظرت حولي بارتباك شديد. كان المدير والموظفون يجلسون بعيدًا ولم يسمعوا حديثنا على الأرجح، والأطفال القريبون مني كانوا يتناولون طعامهم وكأن شيئًا لم يحدث. وكأن هذا الأمر يتكرر كل يوم.
‘لكن والديكِ كانا نبلاء رفيعي المستوى! بل وكان والدي سليل عائلة أغريس العريقة!’
أي قاتل وأي لصة…
‘… لحظة.’
بينما كنت أبحث في ذاكرتي عن هذا الإعداد الذي لم يكن موجودًا في الرواية، نجحت في تذكر حقيقة واحدة.
> [كانت أميليا تؤمن تمام الإيمان بأن عمها سيعثر عليها. ومن أجل ذلك، كان عليها ألا يتم تبنيها أبدًا، لكي لا تتقاطع طرقها مع عمها. لذا استخدمت أميليا كل السبل الممكنة لمنع تبنيها.]
في الرواية الأصلية، وُصف الماضي باختصار، لذا لم أكن أعرف ما هي الطرق التي استخدمتها.
‘لكن، هل كانت هذه هي طريقتها لمنع التبني؟’
ترجمة : ســايــومــي ❥
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 5"