3
الفصل الثالث
انهمرت الدموع من عيني لوسيان وهو يصرخ بأعلى صوته. يبدو أنه استشاط غضبًا مني لأنني وبخته بعد أن أخبرتهُ للتو أنني أحبه.
“كرهُكَ لخالتِك شيء، وخطؤكَ شيءٌ آخر.”
كان صوتُ بكائهِ العالي يسببُ لي صداعًا في رأسي.
“عندما تنتهي من البكاء، نادِني. سنذهبُ للاعتذارِ للبارون.”
نهضتُ من مكاني وأنا أضغطُ على صدغيّ اللذين بدآ ينبضانِ بالألم.
“هييييييين! خالتي غبية! خنزيرة! مؤخرةُ البراز!”
حتى بعد أن أغلقتُ البابَ وخرجتُ من الغرفة، كان صوتُ لوسيان يترددُ بجرسٍ عالٍ. حذرتُ الخدمَ من الانحيازِ لصفه أو تدليلهِ بأي شكل، ثم توجهتُ إلى غرفتي.
“آه…”
بمجردِ عودتي للغرفة، ارتميتُ جالسةً وكأنني سأنهار. لو لم يكن هناك كرسيٌ بجانبي مباشرةً، لكنتُ قد سقطتُ أرضًا بكل تأكيد.
“ماذا أفعلُ مع مثيرِ المشاكلِ هذا حقًا؟”
لو لم أكن أعرفُ المستقبلَ الذي ينتظرُ لوسيان، لربما تركتُه وشأنه، قائلةً لنفسي إنه لا يزالُ صغيرًا وسيعقلُ عندما يكبر.
لكن لوسيان لا يتغيرُ أبدًا. بل على العكس، يزدادُ شرًا بمرورِ الوقت.
“كيف أصبحَ هكذا؟”
رواية <من طفلٍ غير شرعي إلى سيدِ العائلة> لم تكن من النوعِ الذي يشرحُ ماضي الأشرارِ بلطف. لوسيان الموصوفُ في الكلماتِ كان مجردَ طفلٍ ولدَ بطباعٍ عدوانيةٍ وجشعة.
لذلك، قبل تجسدي، كنتُ أظنُّ ببساطةٍ أن الكاتبَ أرادَ فقط صنعَ شخصيةِ شرير.
لكنني الآن، وأنا أشهدُ حياةَ هذا الطفلِ منذ ولادتِهِ حتى اللحظة، أدركتُ أن هذا الاعتقادَ كان خاطئًا.
فقدَ لوسيان والدتَهُ وهو في الثانيةِ من عمره فقط.
ووالدهُ، الذي كان يجبُ أن يبذلَ جهدًا لملءِ فراغِ الأم، كان مشغولًا بعملهِ ولم يبقَ بجانبه. وبسببِ ذلك، لم يتلقَ لوسيان الحبَّ والاهتمامَ اللذين يستحقهما أي طفل.
‘إنه يرغبُ في الاهتمام.’
ربما لهذا السببِ يرتكبُ الحوادث؛ ليحصلَ على الاهتمامِ الذي لم ينله من والديه.
‘لكنني في كلِ مرةٍ كنتُ أكتفي بتوبيخه.’
تذكرتُ الكلماتِ التي قالها لي لوسيان قبل قليل:
‘لقد قلتِ إنكِ بجانبي! قلتِ إنكِ ستحبينني حتى لو انشقت السماءُ إلى نصفين! لماذا لا تقفينَ في صفي؟ لماذا توبخينني دائمًا؟’
ربما كان لوسيان يرغبُ فقط في “شخصٍ بصفه” يدعمهُ بشكلٍ غير مشروط مهما فعل؟
لو كان والداه يحميانِ ظهره، لما اضطرَّ للكفاحِ من أجلِ صنعِ حليفٍ له، لكن وضعَ لوسيان مختلف. ربما هو يدركُ أنه لا يملكُ حليفًا حقيقيًا، فيحاولُ يائسًا العثورَ على شخصٍ يحبهُ دون قيدٍ أو شرطٍ مهما حدث.
لكنني، وبحكمِ الضرورة، لا أملكُ خيارًا سوى توبيخه. فمهما كان ابنُ أختي محبوبًا، لا يجبُ أن أتغاضى عن أخطائه.
ومع ذلك، لوسيان لا يزالُ صغيرًا جدًا ليفهمَ نواياي العميقة.
‘إذا كنتِ تحبينني، فلا يجبُ أن توبخيني! يجبُ أن تريني جميلاً مهما فعلت!’
ربما يظنُّ الطفلُ أنني لستُ في صفه. قد يعتقدُ أنني أقولُ إنني أحبهُ بالكلماتِ فقط، بينما أفعالي تخالفُ ذلك تمامًا.
“هل يجبُ أن أجدَ له صديقًا؟”
فكرتُ أن وجودَ صديقٍ في مثلِ عمرهِ يمكنُ أن يتواصلَ معهُ قد يساعد، لكنني سرعانَ ما هززتُ رأسي.
“كم طفلاً أبكاهم لوسيان بالفعل؟”
لوسيان كان الطفلَ الوحيدَ في قصرِ الدوق.
ولأنني كنتُ أشفقُ عليه وهو يلعبُ وحيدًا دون أصدقاء، كنتُ آخذهُ معي غالبًا إلى التجمعاتِ لتكوينِ صداقاتٍ مع أقرانه.
لكن “قطعةَ ذهبي” لوسيان لم يخذل توقعاتي أبدًا.
‘إيييييه!’
‘لوسيان ضايقني!’
تارةً يمسكُ بالعناكبِ ويطلقُها عليهم، وتارةً يكسرُ المزهرياتِ المزخرفة. وعندما أطلقَ السهمَ من مقلاعهِ على وريثِ عائلةِ البارون روبرت، شعرتُ وكأن الدنيا قد اسودت في عيني.
“لا يوجدُ طفلٌ في السادسةِ يمكنه تحملُ لوسيان.”
إلا إذا كانت البطلةُ “أميليا” مثلاً.
لكن أميليا مقدرٌ لها أن تكونَ حبيبةَ إدوين. وهذا يعني أنهما لن يستطيعا التقربَ من بعضهما أبدًا.
“هل أهربُ مع لوسيان؟”
من قلبي، كنتُ أودُّ فعلَ ذلك. لكن هذا لم يكن حلاً جيدًا على الإطلاق.
عائلتي، كونتية ليلفراي، تحتَ سيطرةِ عمي. وهذا يعني أنني لا أستطيعُ الحصولَ على مالٍ أو سلطةٍ من عائلتي.
وأنا التي ولدتُ ونشأتُ كابنةِ نبيلاء، لا أملكُ مهارةً لكسبِ عيشي وحدي. بالطبع، قد ينجحُ الأمرُ بطريقةٍ ما إذا استخدمتُ ذكرياتِ حياتي السابقة، ولكن…
هل سأتمكنُ، وأنا لا أملكُ شيئًا، من تربيةِ لوسيان جيدًا خارجَ هذا المنزل؟ لوسيان ولدَ وريثًا للدوقِ وعاشَ حياةً رغيدةً طوالَ عمره. إذا عاشَ معي، فقد يواجهُ صعوبةً في الحصولِ على ملابسَ جديدة، بل قد يصعبُ عليه الحصولُ على ثلاثِ وجباتٍ يومية.
“هذا مستحيل. وأصلاً، هل من المعقولِ تهريبُ وريثِ عائلةِ الدوق؟”
قد أواجهُ عقوبةً قصوى بتهمةِ اختطافِ الوريثِ الوحيد. ورغم أنني شقيقةُ زوجةِ الدوق، إلا أنه رجلٌ لا يعرفُ الرحمة.
“إذًا، منعُ إدوين من القدومِ إلى القصر هو…”
بمجردِ وصولي لهذه الفكرة، هززتُ رأسي بسرعة.
إدوين أيضًا، مثل لوسيان، فقدَ والدتَهُ في سنٍ مبكرة. لكن على عكسِ لوسيان الذي عاشَ في رغدٍ في القصر، قضى هو طفولةً بائسةً متنقلاً بين دورِ الأيتام.
حتى لو كان طفلاً غير شرعي، فإدوين هو من دمِ الدوق بيلومان. ورغم أن الأقربين أولى بالمعروف، إلا أنني لا أستطيعُ تعذيبَ طفلٍ بريءٍ لمجردِ حمايةِ ابنِ أختي.
“لا يمكنني الهربُ معه، ولا يمكنني منعُ البطل. إذًا، ما الذي يمكنني فعله…”
وبينما كنتُ أشُدُّ شعري من شدةِ الإحباط، خطرت لي فكرةٌ جيدةٌ فجأة.
“بالمناسبة، إدوين موجودٌ الآن في دارِ الأيتام، أليس كذلك؟”
وكما يقال “المنطقةُ تحتَ المصباحِ هي الأكثرُ ظلامًا”، فإن دارَ الأيتامِ التي يتواجدُ فيها إدوين تقعُ داخلَ مقاطعةِ الدوقِ نفسِها.
لكن الدوق بيلومان لن يعثرَ على إدوين إلا بعد ثلاثِ سنواتٍ من الآن. خلالَ هذا الوقت، سيقضي إدوين وقتًا وحيدًا في دارِ الأيتام.
“هل أذهبُ لزيارتهِ ومساعدته؟”
سيكونُ من الصعبِ الذهابُ للدوقِ مباشرةً وقول “ابنُكَ موجودٌ هنا!”. فهذا سيثيرُ شكوكَهُ حول كيفيةِ معرفتي بمكانه.
بالإضافةِ إلى ذلك، لا يمكنُ تجاهلُ قانونِ السببيةِ في الروايةِ الأصلية.
“لكن الذهابَ للتطوعِ في دارِ الأيتامِ أمرٌ طبيعيٌ جدًا.”
سأذهبُ لدارِ الأيتامِ بحجةِ التطوع. سأقضي وقتًا مع الطفلِ وأبني معه علاقةَ صداقة.
“وفي النهاية…”
سأخبرُ الدوق. سأقولُ له إن هناك طفلاً في دارِ الأيتامِ التي أتطوعُ فيها يبدو وكأنه ابنُه.
“بهذه الطريقة، سأصبحُ صديقةً لإدوين ومنقذتَهُ في آنٍ واحد.”
منقذةٌ لم تخرجهُ من دارِ الأيتامِ فحسب، بل ساعدتهُ في العثورِ على والدهِ الحقيقي.
عندها، ألن ينقذَ إدوين حياةَ لوسيان تقديراً لي؟ لأن هناك مودةً نشأت بيننا خلالَ تلك الفترة.
. . . * * * . . .
إذا وضعتَ خطة، فعليكَ تنفيذُها بسرعة.
بمجردِ إشراقِ الصباح، ارتديتُ ملابسي وركبتُ العربة.
“خالتي، إلى أين تذهبين؟”
“سأذهبُ لمقابلةِ شخصٍ ما لفترةٍ وجيزة.”
“أريدُ الذهابَ أيضًا!”
“هل اعتذرتَ للبارون تشيرنين؟”
“….”
“لن تذهبَ حتى تعتذر.”
عندما وضعتُ هذا الشرطَ الصارم، قطبَ لوسيان وجهه.
لو كان يريدُ الخروجَ حقًا، لكان قد اعتذرَ ببساطة، هل من الصعبِ جداً قولُ كلمةِ “آسف”؟
“تأكد من مقابلتِهِ والاعتذارِ له قبل عودتي.”
قلتُ ذلك بحزمٍ وأغلقتُ بابَ العربةِ دون أن ألتفتَ وراءي.
“هل نتوجهُ إلى شارعِ فيسنييه؟”
“نعم. اذهب إلى دارِ الأيتامِ الواقعةِ في الشارعِ الثاني.”
بعد إعطاءِ العنوانِ المفصلِ للحوذي، أسندتُ ظهري إلى المقعد.
كنتُ قد أبلغتُ الخادماتِ بالفعل بوجهتي.
‘أشعرُ أنني بحاجةٍ لمقابلةِ المزيدِ من الأطفالِ لأفهمَ لوسيان بشكلٍ أفضل.’
‘هل ستذهبينَ إلى دارِ الأيتام؟’
‘أجل. أطفالُ دارِ الأيتامِ جميعُهم فقدوا والديهم في سنٍ مبكرةٍ مثل لوسيان. ربما إذا تقربتُ منهم، سأتمكنُ من فهمِ لوسيان.’
هكذا كانت حجتي.
لحسنِ الحظ، لم تشكَّ الخادماتُ في الأمر. بل تأثرنَ لدرجةِ أن الدموعَ طفرت من أعينهنَّ لرؤيتي وأنا أعتني بلوسيان وكأنه ابني الحقيقي.
‘ولكن لماذا شارعُ فيسنييه تحديداً؟ إنه بعيدٌ جداً عن هنا.’
‘منطقةُ فيسنييه هي الأكثرُ تدهوراً في مقاطعةِ الدوق. من المؤكدِ أن هناك نقصاً في الإمدادات، لذا أريدُ تفقدهم ودعمهم بما ينقصهم.’
كانت تلك حجةً اخترعتُها في لحظتِها. كنتُ قلقةً من أن تُكشف، لكن الخادماتِ بدأنَ في مدحي قائلات “الآنسة لوسيلا تملكُ قلباً طيباً جداً!”.
كان ردُّ فعلهنَّ مُحرجاً بالنسبةِ لي، فأنا لم أكن أفكرُ إلا في خطةِ إنقاذِ لوسيان.
بالطبع، كان هناك خدمٌ آخرون — ليسوا من طاقمي الخاص — ينظرون إليَّ بنظراتٍ غير راضية، كوني مجرد “ضيفةٍ في القصر” وتتدخلُ في شؤونٍ كهذه.
‘على أي حال، من الجيدِ أنني تمكنتُ من الذهابِ لدارِ الأيتامِ بسلاسة.’
نظرتُ عبرَ النافذةِ وأنا أفكرُ في إدوين الذي سأقابلهُ قريباً.
ذلك الصبي الذي ورثَ الشعرَ الأسودَ للدوق بيلومان والعينينِ الحمراوينِ اللتينِ تشبهانِ والدته.
عندما يقابلُ إدوين الدوقَ للمرةِ الأولى، سيصابُ بالصدمة. لأن الدوقَ يشبهُهُ تماماً.
لدرجةِ أنه سيعتقدُ أنه عندما يكبر، سيصبحُ نسخةً طبقَ الأصلِ منه.
لو كان قد رأى وجهَ الدوقِ ولو لمرةٍ واحدة، لما كان ليشعرَ بهذا القدرِ من الصدمة، لكن للأسف، إدوين لم يتمكن من رؤيةِ وجهِ والدهِ حتى غادرَ دارَ الأيتام.
لأن “إيريس”، حبيبةُ الدوق بيلومان، هي من ودعتهُ ورحلت.
إيريس، التي كانت من عامةِ الشعب، لم تكن لتستطيعَ الجلوسَ في منصبِ الدوقةِ أبداً. كلُّ ما كان بمقدورِها فعلهُ هو مشاهدةُ امرأةٍ أخرى تصبحُ زوجةً لحبيبها.
تلك السنواتُ التي عاشتها بصبرٍ كانت عابرة.
عندما علمت إيريس أن أختي “ليلى”، دوقةُ بيلومان، قد أنجبت طفلاً، انفجرت مشاعرُها في النهاية.
[“لقد قررتُ أن أعيشَ في الظلِ طوالَ حياتي لأنني أحبُّك يا ديهارت. لكنني لا أظنُّ أنني أستطيعُ تحملَ رؤيةِ الطفلِ الذي أنجبتهُ من امرأةٍ أخرى.”]
مع تلك الكلمات، غادرت إيريس جانبَ الدوق بيلومان.
لكن كان هناك شيءٌ واحدٌ لم تكن تعرفه.
‘لقد فعلت ذلك وهي لا تعلمُ أن إدوين في أحشائها.’
علمت إيريس بحملِها بعد شهرينِ فقط من انفصالِها عن الدوق.
لكنها لم تَعُد إليه.
لأنها كانت تدركُ تماماً كيف سيُعاملُ طفلٌ غيرُ شرعيٍ يختلطُ في عروقهِ دمُ العامة.
ربما كان سيتمُّ التخلصُ منه من قِبلِ القوى التي تدعمُ لوسيان.
لذا، أنجبت إيريس إدوين وربتهُ وحدها. وسببُ استقرارِها في مقاطعةِ الدوقِ دون أن تبتعدَ كثيراً، كان أملُها في أن يدركَ الدوقُ يوماً ما وجودَ إدوين.
لكن إيريس توفيت بسببِ الالتهابِ الرئوي عندما كان إدوين في الرابعةِ من عمره. وبما أنه لا يملكُ أباً ولا أقاربَ يعتنون به، انتهى به المطافُ طبيعياً في دارِ الأيتام.
‘بما أن إدوين الآن في السادسة، فهذا يعني أنه قضى عامينِ تقريباً في دارِ الأيتام.’
يا ليتَ أيامهُ في الدارِ كانت هادئة. دارُ الأيتامِ التي يتواجدُ فيها إدوين لم تكن مكاناً جيداً على الإطلاق.
كان المبنى قديماً، تتسربُ إليه الرياحُ الباردةُ في الشتاء، وفي الصيفِ كان الكثيرُ من الأطفالِ ينهارون من شدةِ الحرارة. حتى الملابسُ كانت شحيحة، فكان الأطفالُ يرتدون ملابسَ ممزقةً مراراً وتكراراً.
ولم يتوقفِ الأمرُ عند هذا الحد. وما زادَ الطينَ بلةً هو أن مديرَ دارِ الأيتامِ الشريرَ كان يسخرُ الأطفالَ للعمل. التنظيف، الغسيل، وكلُّ الأعمالِ التي يجبُ أن يقومَ بها الكبارُ كانت تقعُ على عاتقِ الأطفالِ الصغار.
‘بجانبِ موضوعِ إدوين، لا يمكنني الوقوفُ مكتوفةَ الأيدي ورؤيةُ أطفالٍ صغارٍ يعانون هكذا.’
عندما لا تعرف، يكونُ الأمرُ مقبولاً. لكن بمجردِ أن عرفت، كان عليَّ التحرك. كان هذا هو الواجبُ الذي يفرضه عليَّ كوني شخصاً بالغاً.
أن ينمو الطفلُ كطفل. هذا هو دورُ الكبار. وهذا كان أيضاً سبباً في استعجالي بالذهابِ إلى دارِ الأيتام.
ترجمة : ســايــومــي ❥
التعليقات لهذا الفصل " 3"