1
الفصل الأول
يقال إنه إذا أصبحت حياتُكَ مملة، فعليكَ بتربيةِ ابنٍ؛ وكان هذا القول ينطبقُ عليّ تمامًا.
“لوسيان الخاص بنا، لماذا أنتَ هادئٌ هكذا اليوم على غيرِ العادةِ…؟”
أخطرُ الأوقاتِ عند تربيةِ طفلٍ في السادسةِ من عمره هي تلك التي يكون فيها هادئًا. دخلتُ غرفتَهُ بقلبٍ يتوجسُ خيفةً، ثم تملَّكني الرعبُ مما رأيت.
“لوسيان!”
كان المكانُ غارقًا في الدقيقِ من كل جانب.
لوسيان، الذي تغطى جسدُهُ بالكاملِ بالدقيق، تظاهرَ بعدمِ سماعِ صرختي المذعورة واستمرَّ في طلاءِ الجدرانِ بالمسحوقِ الأبيض.
ركضتُ بسرعةٍ داخل الغرفةِ وانتشلتُ لوسيان الغارقَ وسط الدقيقِ وحملتُه، فتناثرَ الغبارُ الأبيضُ من جسدِهِ بغزارة.
“سأجنُّ حقًا! من أين أحضرتَ كل هذا الدقيقِ أصلًا؟”
من المستحيلِ أن يذهبَ هذا الطفلُ الصغيرُ إلى المطبخِ بمفردهِ ويجدَ الدقيقَ ويحضره، كما أن خدمَ المطبخِ لم يكونوا ليقفوا مكتوفي الأيدي أمام مَشهدٍ كهذا.
“أين المربية؟ أين ذهبت غريس؟”
“لقد خرجت المربيةُ، لأنني تظاهرتُ بالنوم!”
“ماذا؟”
فقدتُ القدرةَ على الكلامِ وأنا أنظرُ إلى لوسيان الذي كان يتحدثُ بفخرٍ وهو ينفخُ صدره.
“تظاهرتَ بالنوم؟”
“أجل.”
“لماذا فعلتَ ذلك؟”
“كي أفاجئَ خالتي!”
قال لوسيان ذلك وابتسامةٌ مشرقةٌ تعلو وجهه.
عند رؤيتي لهذا الطفلِ المبتسمِ ببراءةٍ، تلاشت طاقتي حتى عن الغضب.
“حسنًا… لوسيان الخاص بنا ابنٌ بارٌ حقًا… يبدو أنك تدربُ قلبَ خالتِكَ كي يصبحَ قويًا…”
“ماذااا؟”
نظر إليّ لوسيان بتعبيرٍ يوحي بعدمِ الرضا عن كلامي، لكنني لم أكن في وضعٍ يسمحُ لي بمراعاةِ مشاعره. وحين حاولتُ النهوضَ من مكاني، انزلقتُ فوق كيسِ دقيقٍ كان ملقىً على الأرض.
“آه!”
دوى صوتُ اصطدامٍ ثقيلٍ في رأسي مع صرخةٍ قصيرة.
“آهاها! خالتي غبية! سقطتِكِ مضحكةٌ جدًا!”
بدأ صوتُ لوسيان، الذي كان يقهقهُ وهو يمسكُ بطنه، يتلاشى ويبتعدُ شيئًا فشيئًا.
“الآنسة لوسيلا!”
لم يمر وقتٌ طويلٌ حتى هرعت الخادماتُ إلى الغرفةِ بعد سماعِ الجلبة، وغبتُ أنا عن الوعي تمامًا.
. . . * * * . . .
خلال فترةِ غيابي عن الوعي، مرت مشاهدُ لا حصر لها أمام عينيّ.
من مشهدِ امرأةٍ ذات شعرٍ أسود تستلقي على السريرِ وتقرأُ كتابًا، إلى مشهدِ إغلاقِها للكتابِ والدموعُ تنهمرُ من عينيها.
يقالُ إن ذكرياتِ الماضي تمرُّ كشريطٍ سريعٍ أمام المرءِ قبل الموت، لكن عندما فكرتُ في الأمرِ مليًا، لم تكن لديّ مثلُ هذه الذكرياتِ في حياتي.
أدركتُ متأخرةً أن هذه كانت ذكرياتِ حياتي السابقة، وأن حياتي الحالية هي العالمُ داخل رواية “من طفلٍ غير شرعي إلى سيدِ العائلة” التي كنتُ أقرؤها.
بطل الرواية، إدوين، هو الابنُ غير الشرعي للدوق بيلومان، سيدِ أعظمِ عائلةٍ نبيلةٍ في إمبراطورية روبرتا.
بعد أن تنقلَ بين دورِ الأيتامِ وعانى من شتى أنواعِ المصاعب، دخل إلى قصرِ الدوق بيلومان — حيث يفترضُ أن يكون — في سنِ التاسعة.
لكن الحياةَ في القصرِ لم تكن سهلة. كان لوسيان، الابنُ الشرعي للدوق، يضايقُ البطلَ يوميًا، كما أن التابعين لم ينظروا بعينِ الرضا للبطلِ الذي برزَ كوُريثٍ جديد.
وهكذا، يلتقي بالبطلةِ فيوليت في الأكاديميةِ التي نُفي إليها، وبمساعدتِها يتمكنُ من هزيمةِ الأشرارِ ويصبحُ سيدَ عائلةِ بيلومان.
وأحدُ هؤلاءِ الأشرارِ الذين عاقبهم إدوين كان…
“خالتي كسولة، كيف تنامينَ طوالَ اليوم؟”
ابنُ أختي وقريبي الوحيد، لوسيان بيلومان.
رمشتُ بعينيّ اللتين لم تستقرا على بؤرةٍ واحدةٍ بعد، فرأيتُ وجهَ لوسيان المشرق.
“الآنسة لوسيلا، لقد استعدتِ وعيكِ!”
“هل أنتِ بخير؟”
في تلك اللحظة، هرعت إليّ الخادماتُ بملامحَ يكسوها القلقُ الشديد.
“ماذا حدث؟”
تحدثتُ وأنا أمسكُ بمؤخرةِ رأسي التي لا تزالُ تؤلمني.
“لقد انزلقتِ فوق كيسِ الدقيقِ الذي كان على الأرض.”
“ولسوءِ الحظ كانت هناك لعبةٌ في ذلك المكان… فاصطدمَ رأسُكِ باللعبةِ أثناء سقوطِكِ.”
“لقد بقيتِ فاقدةً للوعي لنصفِ يومٍ كامل.”
“لهذا السببِ رأسي يؤلمني هكذا.”
عندما وضعتُ يدي على مؤخرةِ رأسي، شعرتُ بورمٍ بحجمِ قبضةِ اليد. كان حجمُه كبيرًا لدرجةِ أنه من المعجزةِ ألا أصابَ بارتجاجٍ في المخ.
“ألا تشعرينَ بغثيان؟”
“كلا.”
“ألا تشعرينَ بالدوار؟”
“أجل، أنا بخير. ولكن ماذا عن لوسيان؟”
“إنه هناك.”
أدرتُ رأسي في الاتجاهِ الذي أشارت إليه الخادمة، فرأيتُ لوسيان يلعبُ بانتزاعِ القطنِ من إحدى الوسائد.
لقد كان يجلسُ بجانبي تمامًا قبل لحظة، إنه حقًا يتحركُ كالشبحِ في كلِ مكان.
“لوسيان.”
عندما ناديتُه بصوتٍ هادئ، اقترب مني الشريرُ الصغيرُ وهو يزمُّ شفتيه بتذمر.
“ستوبخينني ثانيةً، أليس كذلك؟”
أجل، في العادةِ كنتُ سأعظُه قائلةً إن الدقيقَ يستخدمُ لإعدادِ الطعامِ ولا يجب العبثُ به، أو إنه لا ينبغي انتزاعُ قطنِ الوسائد، ولكن…
حضنته بقوة.
“أوه؟”
دون أن أنطقَ بكلمة، اكتفيتُ بضمِ الطفلِ إلى صدري.
“ماذا هناك يا خالتي؟ لماذا تفعلينَ هذا فجأة؟”
بدا لوسيان مرتبكًا بشكلٍ نادر، فربما لم يتوقع هذا الفعل. تلوى الطفلُ محاولًا الإفلاتَ من حضني، لكنني أحكمتُ قبضتي على رأسه الصغير ولم أتركه.
كل ذلك لأنني علمتُ الحقيقةَ المروعةَ عن المستقبلِ البائسِ الذي ينتظرُ شريرا الصغير.
. . . * * * . . .
ولدتُ في عائلةِ الكونت ليلفراي وقضيتُ طفولةً لم ينقصها شيء.
كانت عائلتي ثرية، ووالداي عطوفين، وأختي التي تكبرني بخمسِ سنواتٍ كانت طيبةً للغاية.
كانت حياةً سعيدةً لا تقارنُ أبدًا بحياتي القاسيةِ قبل التجسيد.
لكن تلك الأيامَ السعيدةَ كانت قصيرة. ففي سنِ الثانية عشرة، فقدتُ والديّ في حادثِ عربة.
وبما أنني وأختي كنا قاصرتين، انتقل لقبُ العائلةِ وتلقائيًا إلى عمي، أدولف ليلفراي، الذي أصبح كونت ليلفراي وبدأ في اضطهادنا.
عمي، الذي كان يرانا كحجر في عينه، رتّب لزواجِ أختي بمجردِ أن بلغت سنَ الرشد. فقد كان الزواجُ وسيلةً جيدةً جدًا للتخلصِ من الأقاربِ غير المرغوبِ فيهم بشكلٍ قانوني.
وهكذا، تزوجت أختي من عائلةِ بيلومان وكأنها تُطردُ من بيتِها.
تفاخرَ عمي بمصاهرةِ عائلةِ بيلومان، لكن أختي لم تكن سعيدة، لأن دوق بيلومان كان يحبُّ امرأةً أخرى.
أختي التي لم تجد مكانًا تركنُ إليه، قدمت لي هذا الاقتراحَ ذات يوم:
‘لوسيلا، لنعش معًا. إذا بقيتِ في ليلفراي، فستواجهينَ زواجًا غير سعيدٍ مثلي. أريدكِ ألا تتزوجي وكأنكِ تُباعين، بل أن تلتقي بشخصٍ جيدٍ وتعيشي حياةً سعيدةً جدًا.’
كانت تقصدُ أنها ستحميني حتى أكبرَ وأتمكنَ من الاستقلالِ بنفسي.
‘لكنني لستُ من عائلةِ بيلومان. لا يمكنني العيشُ معكِ وأنتِ دوقةٌ بينما أحملُ لقبَ ليلفراي.’
‘سأتحدثُ مع ديهارت.’
ديهارت بيلومان. سيدُ عائلةِ بيلومان وزوجُ أختي.
ظننتُ أن ذلك الرجلَ الفولاذي لن يسمحَ أبدًا لفردٍ زائدٍ بالعيشِ في منزله.
“افعلي ما تشائين.”
لكن الموافقةَ جاءت بسهولةٍ غير متوقعة.
“في المقابل، لا تهتمي بما أفعله أو إلى أين أذهبُ مستقبلاً.”
لقد وضع شرطًا واحدًا. كانت كلماتٍ جارحة، لكن أختي لم تظهر أي رد فعل، بل كانت سعيدةً فقط لأننا سنعيشُ معًا.
ومع ذلك، كنتُ أعلمُ أن أختي كانت تخفي جراحَ قلبِها. لذلك، كنتُ أحاولُ دائمًا رسمَ الابتسامةِ على وجهها، فلم يكن لدينا أحدٌ نعتمدُ عليه سوى بعضنا البعض.
كم كنتُ سعيدةً عندما سمعتُ خبرَ قدومِ ابنِ أخي.
كنتُ سعيدةً جدًا لأن هناك شخصًا آخر سيمنحُ أختي الحبَّ غيري، وشعرتُ بالامتنانِ لأنني سأتمكنُ من ردِ الحبِ الذي تلقيتُه من أختي إلى طفلِها.
ولكن قبل أن أتمكنَ من سدادِ ديني لأختي، أصيبت بمرضٍ لا يرجى شفاؤه.
‘لوسيلا، احمي طفلي أرجوكِ.’
‘أجل، سأفعل. سأحمي لوسيان بالتأكيد.’
‘شكرًا لكِ، وأعتذرُ لأنني أطلبُ منكِ هذا.’
رحلت أختي عن هذا العالمِ تاركةً وصيةً قصيرة، في سنِ الثالثة والعشرين فقط.
في سنِ الثامنة عشرة، بقيتُ وحيدةً في هذا العالمِ مع لوسيان الذي كان يبلغُ من العمرِ عامين.
عشتُ بجدٍ واجتهادٍ لأمنحَ لوسيان الحبَّ الذي لم تستطع أختي منحَهُ إياه.
كان البعضُ يشتمونني قائلين إن وجهي صفيقٌ للبقاءِ في قصرِ الدوقِ رغم عدمِ وجودِ صلةِ دمٍ بيني وبينه، لكنني تظاهرتُ بعدمِ السماعِ وصمدت. كان عليّ أن أفي بوعدي لأختي مهما حدث.
لكن تربيةَ لوسيان كانت أمرًا صعبًا للغاية، حتى مع مساعدةِ المربيةِ والخادمات. كان لوسيان أكثرَ شقاوةً وقوةً مقارنةً بأقرانه.
أحيانًا كنتُ أبكي بصمتٍ عندما يرهقني الاعتناءُ به، لكن في الغالب، كانت الأيامُ التي أضحكُ فيها بفضله أكثر.
تربيةُ طفلٍ يشبهُ أختي تمامًا كانت أمرًا ممتعًا ومجزيًا للغاية. عندما كنتُ أراه يكبر، كنتُ أشعرُ بنوعٍ من الفخرِ لم أشعر به من قبل.
“ولكن أن يكون لوسيان شريرًا؟”
وليس هذا فحسب، بل أن يكون دوره هو التعرضُ للعقابِ على يدِ البطلِ الذي سيصبحُ سيدَ بيلومان.
“كيف يمكن أن يحدث هذا؟”
كان لوسيان طفلاً فقدَ والدتَه في الثانيةِ من عمره، ولم يتلقَ حبًا حقيقيًا من والده قط. أن تكون نهايتُه هي الموت، أليس هذا قاسيًا جدًا؟
‘بالطبع، لوسيان ضايق البطل إدوين كثيرًا، ولكن…’
تجلت جوانبُ لوسيان المشاكسةِ أكثرَ عندما كان يضايقُ البطل. كان يخلطُ الديدانَ بالمعكرونة، أو يحبسُه في الغرفةِ ويغلقُ الباب، وعندما كبرَ قليلاً، بدأ يتنمرُ عليه بذكاء.
‘أنا أفهم لماذا يكره لوسيان إدوين.’
إدوين كان ابنًا غير شرعي ظهرَ فجأة، على عكسِ لوسيان الذي كان الابنَ الشرعي. وفوق ذلك، فقد استحوذَ إدوين على حبِ الدوق الذي لم ينله لوسيان ولو لمرةٍ واحدة.
‘لكن هذا لا يبررُ أبدًا مضايقتَه.’
فالتنمرُ والعنفُ لا يمكن تبريرهما تحت أي ظرف.
‘يجب أن أربي لوسيان ليكون طفلاً صالحًا.’
كنتُ بمثابةِ والدته، ولا يوجد والدٌ في هذا العالمِ يتمنى أن يكبرَ طفلُه ليصبحَ شخصًا سيئًا. وقبل كل شيء، لمنعِ نهايةِ الموتِ التي فُرضت عليه، كان عليّ تربيتُه بشكلٍ سليمٍ مهما كلف الأمر.
‘احمي طفلي.’
لكي أحققَ طلبَ أختي الأخير.
ترجمة : ســايــومــي ❥
التعليقات لهذا الفصل " 1"