الفصل 99
تبادلَ إدوين ودانا النظرات.
ماذا يجب أن يقول؟
ما شعورها الآن؟
لم يكن بإمكانه المخاطرة بإلقاء أي كلمة على دانا في هذه اللحظة.
على الرغم من ذلك، بدت دانا غير مبالية بشكل غير متوقع.
ظل يراقبها لثوانٍ قليلة ليتحسس أفكارها، ثم ركزت هي على عملها.
في المقابل، تزايدت مخاوف إدوين بلا توقف.
هل يجوز له أن يتحدث معها؟
هل حالتها الجسدية بخير؟
استمر في الصراع والشك آلاف المرات.
ابتلع كلمات كانت عالقة في حلقه بلا حصر بينما اقترب وقت انتهاء الدوام.
وفي النهاية، لم يتمكن من قول كلمة واحدة لدانا.
بدورها، قامت دانا بترتيب مكتبها بلا تردد.
كان هذا من عاداتها قبل الانصراف.
هل سينتهي اليوم هكذا فقط؟
عض إدوين على شفتيه بقلق.
ثم حدث موقف غير متوقع.
“إدوين.”
كانت دانا هي التي تكلمت أولاً.
“هناك مكان أود الذهاب إليه.”
عندما وصل صوته الواضح إليه، اتسعت عيناه من الدهشة.
أومأ برأسه بسرعة، بوجه يبدو غريباً بالنسبة له.
وقفت دانا عندَ مكتبها أولاً.
تبعها إدوين خارج المكتب.
كانت دانا تمشي أمامه بصمت.
أما هو فلم يكن يستطيع سؤالها عن شيء، وكان كل ما يفعله هو اتباعها من الخلف.
لم يسبق لإدوين أن راقب ظهرها لفترة طويلة كهذه.
لطالما كان بجانب دانا، يحميها.
كانت خصلات شعرها السوداء المتطايرة أمام عينيه تجعل شعوره بالوحدة يتفاقم.
ولكن لم يستطع إبعاد نظره عنها.
حتى أنه شعر أن فقدانها الآن يعني فقدانها للأبد.
كبح إدوين مشاعره المعقدة وسأل بحذر.
“إلى أين نحن ذاهبان؟”
توقفت دانا عند سماع السؤال.
ثم التفتت إليه.
كان ذلك اللقاء بالعين الذي طالما انتظره.
لكن ما خرج من شفتيها الصغيرة كان غير متوقع.
“قصر الأمير.”
“…….”
“أود أن تأخذني إلى المكان الذي تعيش فيه.”
المكان الذي أعيش فيه؟ أنا أعيش معكِ بالفعل.
كان إدوين يريد قول ذلك: دانا، المكان الذي تتواجدين فيه هو منزلي.
كلماتها بدت كفاصل بينهما، ما جعل قلبه يؤلمه.
شعر وكأن قلبه يتمزق بالكامل.
لكن لم يكن الوقت مناسباً للشكوى.
“……حسناً.”
هو صاحب القصر بالفعل. اقترب إدوين من دانا بحجة إرشادها.
فيمَ تفكر الآن؟
كانت عيناها هادئتين، صعبٌ قراءتهما.
وعندما وصلا إلى قصر الأمير الثالث، رأيا خادماً من بعيد.
بدى وكأنه يتردد في الاقتراب بسبب وجود دانا إلى جانبه.
أومأ إدوين برأسه قليلاً، فتقدم الخادم بأدب نحوهما.
“أحيي صاحب السمو، الأمير الثالث.”
ثم نظر بحذر نحو دانا.
‘إنها زوجة الأمير.’
لم يكن من الصعب على الشخص الخبير مثله أن يلاحظ أن دانا هي الأميرة.
مثلاً، النظرة المليئة بالمحبة من الأمير الثالث تجاهها، والتي لم يرها أحدٌ من قبل.
والتصرف الحذر كما لو كان يتعامل مع دمية زجاجية.
بادرت دانا أيضاً بتحية الخادم.
“تشرفت بمقابلتكم. جئت لأرى قصر الأمير.”
هذا كلُّ ما قالت.
لم تذكر اسمها، ولم توضح علاقتها بإدوين.
الخادم، الذي كان مرتبكاً بشأن كيفية مخاطبتها، حول الموضوع بحكمة.
“سأقوم بإرشادكما.”
“لا، سأرشدها بنفسي.”
أبعد إدوين الخادم.
كان يحتاج لوقت خاص مع دانا وحدها.
“إذا احتجتِ شيئاً، فقط أخبريني.”
ابتعد الخادم بعد أن أظهر أقصى درجات الاحترام.
وبطريقة ما، بدا لدانا نظرة غريبة أثناء مراقبتها لسلوكه.
سأل إدوين بصوت مرح عن قصد.
“دانا، مالذي ترغبين في رؤيته؟”
“المكان الذي تتواجد فيه غالباً.”
كان لقصر الأمير عدَّة غرف.
معرض للفنون الثمينة، غرفة الأسلحة، غرفة الموسيقى، والكثير ليُعرض.
لكن دانا لم تبد اهتماماً بالقطع الفنية.
‘هل هي مهتمة بحياتي اليومية؟’
مال إدوين برأسه قليلاً.
صعدا إلى هذا الطابق، حيث معظم أنشطة إدوين اليومية تجري.
توجد غرفة استقبال، غرفة نوم، وغرفة ملابس.
صعدت دانا الدرج وهي تراقب المحيط.
سجادة حمراء مثبتة بإحكام على الدرج كانت ناعمة ومريحة.
حتى لو كان الإمبراطور الحالي مقتصداً، يبقى القصر قصر أمير.
درابزين الدرج يلمع بالذهب حتى نهايته، والجدران مزينة باللوحات الفنية.
الممر الطويل فخم وواسع.
كان الخدم يلمعون المزهريات والقطع المعروضة في الممر بجدّية.
وعند رؤية إدوين، يتوقفون ويحيونه بهدوء.
ظلوا في أماكنهم حتى اختفى إدوين عن الأنظار.
راقبت دانا كلَّ شيء بعناية، بما في ذلك إدوين المعتاد على كل شيء.
بدأ إدوين بعرض الغرف الأقرب.
“هذه غرفة الاستقبال.”
يبدو أنه مكان استقبال الضيوف المهمين، والكراسي مرتبة بشكل مستطيل.
جلست دانا في أقصى اليسار.
حاول إدوين الجلوس بجانبها كعادته، لكنه توقف.
نظرها كان متجهاً إلى المقعد الرئيسي.
كما لو كانت تنتظر منه أن يجلس هناك.
تبع إدوين عينها.
المقعد كان واحداً فقط، مخصصًا لصاحب القصر.
اقترب الخدم بعد ذلك وبدأوا بالحديث عن تقديم الشاي والحلويات.
“أحضر أفخم أنواع البسكويت وعصير التفاح.”
نظر إدوين إلى دانا وأجاب، وهو يعرف كلَّ ما تحبه زوجته.
راقبت دانا تصرفه بهدوء.
كان سلوكه مع الخدم طبيعياً.
وكانت الكراسي الفاخرة مناسبة له تماماً، لا تظهر فيها أي حرج.
بالطبع، فهو أمير.
بدأت دانا تُدركُ تدريجياً حقيقة كونه من العائلة الملكية.
‘كان قرار المجيء إلى هنا صائباً.’
فكرت دانا.
“تعلم، إدوين.”
“تحدثي، دانا.”
أجاب بسرعة، فكل كلمة من دانا ثمينةٌ له.
خشيَ أن تفوته لحظة أو أن تنتهي المحادثة إلى الأبد.
نظرت دانا حولها.
وكانت المناظر الفخمة ساحقة تقريباً.
كل شيء ذو قيمة ومهيبٌ للغاية.
“لقد كان سرا كبيراً جداً.”
“…….”
“هل كنت تنوي خداعي طوال حياتي؟”
هز إدوين رأسه.
“قد يكون من الصعب تصديق ذلك… لكنّي كنت أنوي أن أخبركِ قبل بداية احتفالات التأسيس. كنتُ سأعترف، وأطلب الصفح.”
لماذا قبل حفل التأسيس تحديداً؟
أعادت دانا فتح فمها.
“لذلك كان عليكَ الكشف عن مكانتك قبل الاحتفال، لأنكَ اضطُررتَ للقيام بذلك.”
“……دانا.”
“لو لم يكن كذلك، لكنتُ بقيت غبية لفترة أطول.”
لو لم يكن هناك احتفال التأسيس، ربما كان إدوين سيستمر بالكذب.
كانت ستستمر بمحاولة تصديقه حتى بعد سماع الحقيقة.
وحتى الآن، لم تتغير مشاعرها تجاهه.
دانا ما زالت تحبُّ زوجها.
لذلك لم تسأل عن السبب، لتجنب الارتباك.
“دانا، في الواقع، ستأتي عدة بعثات قبل حفل التأسيس.”
قرر إدوين أن يخبرها بما سيحدث لاحقاً.
“للتهنئة بزواجنا الوطني.”
“…….”
هل كانت كلمة ‘الزواج الوطني’ بهذا الوزن؟
ارتعشت عينا دانا فجأة.
“لذلك… كنتُ أنوي الاعتراف قبل الاحتفال. لأنه يجب علينا الظهور أمام الناس.”
أغمضت عيناها بإحكام لمحاولة تهدئة قلبها.
قال إدوين بقلق.
“إذا كان الأمر صعباً، لا بأس بعدم الحضور. يمكنني التعامل مع الأمر وحدي.”
كانت تهنئة البعثات أمرًا مقررًا، ولا يستطيع حتى إدوين منعه.
لكن كان يمكنه حماية قلب دانا على الأقل.
مر وقت قصير من الصمت.
وكان إدوين يشعر بغصّة تكاد تخنقه.
فتحت دانا عيناها مرة أخرى.
حدقت فيه بعينيها الزرقاوين.
وبصوت واضح قالت.
“لا، سأذهب.”
“ماذا…؟”
سأل إدوين بدهشة، غير مصدق. توقع أن تُرفض رغبته.
لكن دانا قالت بصوت هادئ.
“ما الذي يجب عليّ فعله من الآن فصاعداً؟”
لم يُعرف لمن كان هذا السؤال موجهاً؛ فمن الظاهر، بدا وكأنها تحدث نفسها…
التعليقات لهذا الفصل " 99"