الفصل 98
“ماذا يعني هذا…!”
سأل ليام بذهول شديد، وعاود الاستفسار.
“هل هو سحر؟”
هناك أشخاص تغيرت هيئاتهم لدرجة لا يمكن التعرف عليها بسبب السحر الأسود، لكن هؤلاء لم تتغير أشكالهم فحسب، بل كانت جلودهم تتعفن وأجسادهم تتدمر.
أجاب الإمبراطور بصوت جاد.
“ليس سحراً. إنها ثمرة تنبت في بلاد الشرق الغريبة.”
“ثمرة… هل قلت ثمرة؟”
“لقد عرفتُ ذلك حين كنتُ ولياً للعهد، عندما ذهبتُ في بعثة ديبلوماسية إلى الشرق. في ذلك الوقت، تبادلنا المعارف والعلوم بين البلدين.”
كان من ضمن تلك المعارف معلومات طبية.
“لقد مر وقت طويل لذا لا أتذكر اسم النبتة جيداً. لكن قيل إن سميتها قوية، تجعل الشعر أسود اللون، وتسبب صداعاً رهيباً.”
ضيق عينيه وهو يستحضر ما ورد في الكُتب الطبية.
“وقيل أيضاً إنها قد تؤدي إلى فقدان الذاكرة أو الموت.”
وأضاف الإمبراطور أنَّ تغير لون الشعر كان أمراً مثيراً للإعجاب لدرجة أنه لا يزال يتذكره حتى الآن.
امتلأ وجه ليام بالخيبة بعد سماع ذلك.
“من غير الممكن الحصول على ثمار الشرق. ابنتي لم تغادر الإمبراطورية طوال حياتها.”
“ولهذا كنتُ أبحث فقط عن طفلة ذات شعر وردي طوال هذا الوقت. لكن بعد سماع قصة دانا، بدأت الشكوك تراودني.”
سأل الإمبراطور مرة أخرى بأسى.
“ألا يوجد حقاً أحد في العائلة له صلة بالشرق؟”
هز ليام رأسه نفيًا. لم يتخيل أبداً أنَّ مظهر حفيدته قد تغير.
وعلاوة على ذلك، من يجرؤ على إطعام طفل من عائلة آريا سماً؟
أقرب الناس إلى حفيدته كانا ابنته وصهره.
حتى ليام، بصفته جدها، كان يرى أن اهتمامهما بها كان مبالغاً فيه لدرجة الحماية المفرطة.
تذكر ليام تلك الأيام وتحدّث بمرارة.
“مستحيلٌ أن يطعما دانا شيئاً سيئاً. حتى أنهما كانا يمنعانها من الاقتراب من غرفة الأعشاب التي يديرها صهري خوفاً من أن يؤثر ذلك على صحتها.”
“لماذا؟ ألم تقل إنها كانت تستمتع بزراعة الأعشاب منذ صغرها؟”
“غرفة أعشاب صهري كانت تحتوي على أعشاب سامة أيضاً. كان يقول إنها تصبح دواءً إذا استُخدمت بشكل صحيح.”
اتسعت عينا ليام وهو يجيب بذلك، فقد تذكر فجأة كلمات سمعها من ابنته هانيل ذات مرة.
‘إنَّه يعرف الكثير بصفته طبيباً. أصاب بالدهشة في كلِّ مرةٍ أسمعه يتحدث.’
كان صهره يستمتع بشرح ما يعرفه لزوجته.
علاوة على ذلك، كان طبيباً متجولاً؛ فربما زار الشرق في الماضي.
وإذا كانت هانيل تعرف ذلك وأطعمته لدانا…
“إذا كان كلام جلالتكَ صحيحاً، فلماذا قد تطعم ابنتي طفلتها سماً؟”
تحدث الإمبراطور بحذر.
“قلتَ إن ابنتك كانت في رحلة مع حفيدتك، ثم سقطت العربة من فوق منحدر.”
“هذا صحيح.”
غرقت عينا ليام بالدموع عند تذكر تلك الذكرى الأليمة.
انطلقت ابنته وزوجها مع دانا في رحلة بلا وجهة محددة، بسبب رغبة صهره في مواصلة العمل التطوعي الطبي.
وفي خضم ذلك، تلقى خبر الحادث.
لسبب ما، تعرض الثلاثة لحادث عربة أثناء عودتهم إلى إقطاعية آريا.
عُثر على الصهر ميتاً فوق المنحدر بعد أن اخترق حطام العربة جسده، وعُثر على جثة الابنة في الأسفل.
لم يكن من الممكن أن يسرع الاثنان الملتزمان بالسلامة في القيادة بتهور.
ورغم التحقيقات المستمرة، لم يتم العثور على أثر لأشخاص آخرين.
في النهاية، استسلم الماركيز عن البحث عن سبب الوفاة، وانشغل فقط بالبحث عن حفيدته.
وبعد مرور عدة أشهر، عثر على قلادة عائلة آريا التي أهداها للطفلة في صالة قمار قريبة.
لكن حفيدته لم تعد أبداً.
“ابنتكَ كانت يائسة إلى هذا الحد. ربما أرادت إخفاءها عن شخص ما، حتَّى لو كان ذلك يعني تعريض حياتها للخطر.”
هل حاولت حقاً حماية دانا حتى لو اضطرت لإطعامها السم؟
إذا كان الأمر كذلك حقاً…
برزت العروق في صدغي ليام.
اشتعل الغضب الذي كبته طويلاً مرة أخرى.
كان الخصم بارعاً وحذراً لدرجة أنَّه لم يترك أي أثر.
شعر ليام بالعجز؛ فبعد الحادث لم يحرز التحقيق تقدماً، ومرضت زوجته ولزمت الفراش.
وبعد عشر سنوات، توقفت محاولات البحث عن الحفيدة تزامناً مع وفاة زوجته، وظل ينتظر الموت بهدوء.
تابع الإمبراطور.
“قيل إن تلك الطفلة، دانا، قد تمَّ تبنيها. حاول أن تتمسك بالأمل.”
كانت الاحتمالات ضئيلة، ومع ذلك خفق قلب ليام بشدة.
“وكيف عرفَ جلالتك بكل هذا؟”
“عن ماذا تتحدث؟”
“أقصد أحوال عائلة تلك الطفلة، دانا.”
كيف لإمبراطور أن يعرف الظروف العائلية لمجرد موظفة عادية؟
ارتسمت ابتسامة على شفتي الإمبراطور، ورفع رأسه بشموخ قائلاً بفخر.
“آه! تلك الشابّة هي كَنّتي!”
***
لم يستطع إدوين النوم طوال الليل.
بسبب رغبة دانا في البقاء وحيدة، اضطر إدوين في النهاية لمغادرة المنزل.
ظل يتجول حول المنزل لفترة قلقاً على زوجته، قبل أن يتوجه في النهاية إلى قصر الأمير الثالث.
بدا الخدم مندهشين من ظهور الأمير الثالث المفاجئ، لكنهم لم يجرؤوا على السؤال؛ لأن وجه إدوين الذي كان مبتسماً دائماً، كان متجمداً بصرامة مخيفة.
كانت ذكرياتُ اليوم السابق مشوشة.
ظل جالساً على السرير يراقب النافذة بصمت.
ومع رؤية سماء الليل المظلمة، تذكر شعر دانا.
كان الفجر المائل للزرقة يشبه عيني دانا.
وعندما حل الصباح، عض على شفتيه.
رغم فراقهما لنصف يوم فقط، إلا أن تفكيره كان مشغولاً بها طوال الوقت.
كان الشوق يفيض منه بمرارة.
هل دانا بخير؟
هل تتألم وحدها؟
وفقاً لكلام طبيب القصر الذي زار المنزل في منتصف الليل، فإنها تفتقر للطاقة فحسب، وحالتها الصحية جيدة.
لكنه كان قلقاً من أنها قد تبكي وتمتنع عن الطعام.
أراد التأكد من حالتها فوراً.
بل أكثر من ذلك، أراد الإمساك بيديها وضمها بقوة والتربيتَ بشعرها.
ابتسم إدوين بضعف أمام جشعه الذي لم يتغير.
في تلك اللحظة، سمع صوتَ خادم من خلفه.
“يا صاحب السمو، لقد أعددنا الزي الرسمي للموظفين.”
لقد قام الخدم بِـكيّ الزي الذي لا يتذكر متى خلعه.
عادت الحيوية لعينيه عند رؤيته؛ فإذا ذهب للعمل، قد يتمكن من رؤية دانا.
’ربما ستتجنبني دانا، ولكن…‘
تصادمت فكرة ضرورة الانتظار من أجل دانا مع رغبته في رؤيتها فوراً.
سأذهب فقط للتأكد من أنها بخير. فقد تكون مريضة.
اختلق إدوين عذراً واهياً.
رغم سماعه عن حالتها من طبيب القصر، إلا أنَّه شعر بضرورة رؤيتها بنفسه.
وبينما كان يتسلم الزيَّ، توقف فجأة وركض نحو جدار الغرفة حيث توجد مرآة كبيرة.
تفحص وجهه بجدية من كل الزوايا ثم قال.
“…… قبيح جدًّا.”
“ماذا؟”
سأل الخادم بذهول من الكلمة غير المتوقعة.
“يجب أن أستحم.”
“الماء جاهز بالفعل.”
تحسباً لأي ظرف، قاموا بتجهيز ماء الاستحمام؛ فعند خدمة العائلة الإمبراطورية، يجب الاستعداد لكل الاحتمالات.
دخل إدوين الحمام دون تردد.
مهما كان الوضع سيئاً، لا يمكنه رؤية دانا بمظهر مزرٍ؛ فلطالما كان عليه أن يبدو جميلاً ومثالياً أمامها.
بعد الاستحمام، سرّح إدوين شعره وارتدى الزي الرسمي.
وبعد التأكد من مظهره عدة مرات، غادر قصر الأمير.
كان موعد العمل قد اقترب.
مشى نحو وزارة السحر دون أن يبالي بنظرات أحد؛ فقد كُشفت هويته أمام دانا بالفعل، أما البقية فكانوا أشخاصاً لا يستحقون الاهتمام.
كلما اقترب من مكتب إدارة الجرعات بعد تجاوز البوابة الرئيسية، كان قلبه يخفق بشدة.
أراد رؤية وجه دانا بأسرع وقت، وفي الوقت نفسه كان يخشى البرود الذي قد تبديه.
فتحت يده المرتجفة باب المكتب.
مسحت عيناه القلقتان المكان بسرعة، وعثر على دانا في لحظة.
كما قال طبيب القصر، كانت دانا تجلس في مكانها بوجه هادئ.
رغم فراقهما لنصف يوم فقط، إلا أن هذا المشهد بدا وكأنه حلم.
خطا إدوين خطوات ثقيلة وجلس على كرسيه بجانب دانا.
حينها، أدارت رأسها نحوه.
وعلى عكس توقعه بأنها ستتجاهله، نظرت دانا مباشرة إليه.
وكانت عيناها الزرقاوان تخترقانِه بلا تردد.
التعليقات لهذا الفصل " 98"