الفصل 97
شعر إدوين وكأن قلبه قد سقط في الهاوية.
كانت دانا شخصًا قادرًا على تحطيمه بكلمةٍ واحدة.
بدت وكأنها تحاول الحفاظ على هدوئها.
“نحن زوجان، وأنا أحبكَ…… لذلك أريد سماع الحقيقة منكَ مباشرة.”
لكن صوتها ارتجف في النهاية.
في رأس إدوين دارت صراعات لا تُحصى.
هل عليه، كعادته، أن يتجاوز الأمر بنُكتة؟
أم عليه أن يشاهد هذا الوجه البائس وهو ينهار؟
لكنه أدرك بغريزته.
دانا تعرف حقيقته.
وعرفت بها عن طريق شخصٍ آخر.
كان ذلك أسوأ سيناريو ممكن.
لم يعد مهمًا كيف عرفت، ولا من أخبرها.
ما كان عليه فعله الآن هو طلب الصفح.
أخيرًا، فتح إدوين فمه بصعوبة.
“……أنا مخطئ.”
تلك الكلمة الواحدة احتوت كل شيء.
اعتراف بالحقيقة، وإطفاءٌ حتى لآخر بصيص أمل.
“…….”
تشنّجت ملامح دانا.
كانت المشاعر التي أوصدتها بإحكام على وشك الانفجار.
قالت بصوتٍ مختنق.
“أريد أن أكون وحدي.”
“دانا، دعينا نتحدث قليلًا فقط…….”
ناداها بصوتٍ متوسّل.
كانت نظراته حائرة ومؤلمة.
وفي اللحظة التي حاول فيها إدوين، دون وعي، الإمساك بيد دانا—
“أريد أن أكون وحدي.”
أوقفه صوتٌ بارد.
“يا صاحب السمو، الأمير الثالث.”
شعر إدوين وكأن أنفاسه ستتوقف في مكانها.
خاف أن تتركه هكذا.
لكن، وكما كان دائمًا، لم يكن أمامه سوى الانصياع لكلمات دانا.
نهض ببطءٍ شديد من الأرض.
لأنه أراد، ولو لهذه اللحظة، أن يبقى بقربها.
“سأرسل طبيب القصر. على الأقل، دعيه يفحصكِ.”
توجّه صوته المثقل بالقلق نحو دانا.
لا يعلم إن كانت قد سمعته.
وبخطواتٍ لا تكاد تتحرك، خرج من المكتبة أخيرًا.
أغلق الباب، وزفر نفسًا عميقًا.
كبح رغبته في التعلّق بها في الحال، ثم غادر المنزل.
***
“من الذي جاء؟”
سأل الإمبراطور بوجهٍ لا يكاد يصدق.
“الماركيز آريا دخل القصر.”
حتى الخادم بدا عليه الذهول.
فالماركيز، منذ أن فقد ابنته وحفيدته، لم يغادر إقطاعيته قط.
ومع ذلك، كان الإمبراطور يشتاق إليه منذ زمن طويل.
ولهذا السبب وحده، سمح له باستخدام البوابة دون الحاجة إلى إذنٍ من العائلة الإمبراطورية.
كي يتمكن من القدوم إلى القصر متى شاء.
“أين الماركيز؟ لا، سأذهب أنا بنفسي إلى البوابة السفلية—!”
“مولاي، سنُعدّ الشاي في قاعة الاستقبال.”
هدّأ كبير الخدم الإمبراطور المتحمس.
“لا، لا! قدّموا عصير التفاح!”
كان الماركيز دقيقًا ولا يستمتع بالطعام كثيرًا.
لكنه، في كل مرة يزور فيها القصر الإمبراطوري، كان يشرب خمسة أكواب كاملة من عصير التفاح.
وحين سمع الإمبراطور أن حفيدة الماركيز تحب التفاح كثيرًا أيضًا، سبق أن أرسل إلى الإقطاعية أفخر أنواع التفاح المخصصة للقصر.
ترك الإمبراطور شؤون الحكم التي كان يطالعها، وتوجّه مسرعًا إلى قاعة الاستقبال.
وعندما فتح الباب أخيرًا……
“ماركيز آريا!”
اختنق صوته من شدة التأثر.
انحنى الماركيز بأدبٍ وهو يرى الاحمرار الذي ترقرق في عيني الإمبراطور.
“مر وقت طويل، يا صاحب الجلالة.”
“كم مرّ من السنين! لقد اشتقتُ إليكَ كثيرًا!”
لم يُخفِ الإمبراطور فرحته.
وبعد أن جلس الاثنان، قُدّم لهما عصير التفاح.
“لم تتغير أبدًا يا ماركيز آريا. ما زلتَ كما كنت.”
“أما جلالتكَ، فقد شختَ كثيرًا.”
“همف، في مثل هذه اللحظات عليك أن تقول إننا متشابهان، ولو مجاملة.”
تذمّر الإمبراطور قائلًا إن حتى طباعه لم تتغير.
أما ليام، فشرب عصير التفاح دون أن يرد.
“هل أعجبك؟ أعددناه خصيصًا لكَ.”
سأله الإمبراطور بوجهٍ مشرق.
نظر ليام إليه للحظة، ثم أطلق ضحكة خفيفة.
“كنت مخطئًا. جلالتكَ لم تتغير.”
“أليس كذلك؟ لا تدري كم أعتني بنفسي لأحافظ على مظهري أمام الإمبراطورة……”
“نظرتكَ البريئة ما زالت كما هي.”
“هذا فقط؟”
تبادلا حديثًا عابرًا لبعض الوقت. وتعمّد الإمبراطور ألا يذكر حفيدته.
فالقصر الإمبراطوري حاول بدوره مساعدته في البحث عن الطفلة، لكن صاحبة الشعر الوردي لم تُرَ في أي مكان.
وبدا أن ليام قد تخلى عن البحث، فلم يُرِد الإمبراطور أن ينبش الجرح.
“ماركيز آريا، سأُعدّ لك مقرًا للإقامة في القصر. أرجو أن تشارك في حفل التأسيس هذه المرة.”
“جلالتك، لا أستطيع البقاء طويلًا. في الحقيقة، سبب دخولي القصر اليوم هو أنَّ لدي طلبًا.”
“حسنًا، سألبّيه. لذلك شارك ولو ليومٍ واحد.”
وافق الإمبراطور قبل أن يسمع الطلب أصلًا.
لم يكن ذلك لأنه سهل الإقناع، بل بسبب ثقته العميقة بالماركيز آريا عبر السنين.
“…….”
“لولا عائلة آريا، لما وُجدت إمبراطورية هيدرون أصلًا. أنت تعرف ذلك.”
كان هناك عهد قديم بين سلف آل هيدرون من التنانين، وسلف آل آريا من جنيات التطهير.
سرّ لا يعرفه إلا من يرث عرش الإمبراطور أو منصب الحاكم.
أمام هذا الكلام الثقيل الذي يصعب تجاهله، تمتم الماركيز وكأنه لا يملك خيارًا.
“إذًا اليوم الأول فقط……”
قفز الإمبراطور فرحًا لسماعه ذلك.
“حسنًا، ما هو طلبك؟”
“حركة الوحوش ليست مطمئنة.”
الوحوش؟ تصلّب وجه الإمبراطور على الفور.
تذكّر حادثة الوحوش التي اجتاحت الإمبراطورية قبل سنوات.
الهجمات الغامضة التي بدأت من الشمال، وألحقت أضرارًا جسيمة حتى بإقطاعية آريا القريبة.
“هل تتذكر حادثة الوحوش السابقة؟”
“وكيف لي أن أنساها.”
“الوضع الآن مشابه تمامًا. ظهرت وحوش ضعيفة في إقطاعية آريا.”
ظهور الوحوش الضعيفة هناك كان يحدث أحيانًا.
في جبال وحوش الشمال كان يوجد حجر سحري قوي في المركز، وكانت الوحوش تعيش حوله مستمدةً طاقتها منه.
الوحوش الضعيفة، بعد أن تُزاحمها القوية، كانت تبحث عن موطن جديد، وأحيانًا تنجرف حتى إقطاعية آريا.
لذلك اعتاد السكان تجاهل الأمر.
لكن الوضع تغيّر فجأة.
بعد خمسة عشر يومًا، هاجمت الوحوش القوية الإقطاعية.
أكمل ليام حديثه.
“بعد ذلك، بدأنا بزراعة نباتات تطهير في البيوت الزجاجية لصدّ الوحوش. ونخطط الآن لنقلها وزراعتها قرب الشمال.”
في إقطاعية آريا، كان هناك نبات يُسمّى ‘تورسه’، يُضعف قوة الوحوش.
لم يكن يحظى بالاهتمامٍ سابقًا لعدم الحاجة إليه، ولذلك لم يُستفد منه كثيرًا أثناء الحادثة.
ومنذ ذلك الحين، حرص ليام على أن يزرعه السكان باستمرار.
“ربما يكون هذا قلقًا لا داعي له. لكني أطلب من جلالتكَ التحقيق في جبال الوحوش.”
“ليس قلقًا بلا سبب. يجب التحقيق بدقة. سأرسل الخبراء فورًا.”
“آه، وهناك أمر آخر……”
عاد ليام للكلام.
“هناك إدارية من قسم إدارة الجرعات زارت الإقطاعية سابقًا. اسمها ‘دانا’.”
لماذا يُذكر فجأة اسم زوجة الأمير الثال؟
أخفى الإمبراطور دهشته وأجاب.
“نعم، ما الأمر؟”
“يقال إن نباتات التطهير تنمو بشكل ملحوظ عندما تلمسها. أودّ أن تُرسلَ إلينا هذه المرة أيضًا.”
“حسنًا.”
كان أمرًا مدهشًا.
فالتأثير في نباتات التطهير كان حكرًا على سكان إقطاعية آريا.
وكان يُقال إن من يملك شعرًا ورديًا زاهيًا يرث قدرات جنية التطهير.
لكن شعر دانا كان……
‘هل يُعقل……!’
سأل الإمبراطور بحذر.
“ألا ترى في الأمر غرابة؟”
“بمَ تقصد؟”
“الاسم نفسه لحفيدة الماركيز، والتأثير على نباتات التطهير أيضًا.”
“هذا ما لفت انتباهي كذلك. لكن لون شعر تلك الفتاة……”
مهما تطور السحر، لم يكن من الممكن تغيير مظهر الإنسان كليًا.
أصدر الإمبراطور صوتًا منخفضًا، وكأنه يفكّر بعمق.
ثم، وقد بدا عليه العزم، فتح فمه قائلًا.
“في الحقيقة، توجد طريقة واحدة لتغيير المظهر.”
التعليقات لهذا الفصل " 97"