الفصل 96
لو لم تكن جالسة على الكرسي، لربما انهارت في مكانها.
الأمير الثالث؟ ما معنى هذا بحقّ……؟
لم يزُل الدوار، وكان مجال رؤيتها ضبابيًا.
وبصعوبة بالغة تماسكت دانا وعاودت النظر في الرسالة.
كانت متيقّنة أنها لا بدّ وأنها قرأت خطأ.
لكن مهما أعادت القراءة، ظلّت عبارة ‘إلى سموّ الأمير الثالث’
مكتوبة بوضوح لا لبس فيه.
هل هي مزحة من أحدهم؟ أم لعلّ إدوين يقوم صدفةً بمهمّة لصالح أحد أفراد العائلة الإمبراطورية؟
لا… هذا تفكير غير منطقي أصلًا…….
مع كل أولئك الخدم، لن يكلّفوا موظفًا من وزارة السحر بإيصال رسالة.
‘إذًا… هل هي مزحة من شخص ما؟’
أرادت أن تصدّق ذلك، بأي ثمن.
أن يكون شخص جريء إلى حدّ الجنون ينتحل صفة أحد النبلاء ليسخر من إدوين.
لكن عندها، وقعت عيناها على ختمٍ كبير.
كان واضحًا. شعارُ إدارة الأمن.
مهما بلغ جرأة المرء، لا يمكنه امتلاك ختم قائد الحرس.
اشتدّ الدوار أكثر. ومع الصداع، غثا صدرها.
قبل أن يستوعب عقلها الحقيقة، كان جسدها يرفض تحمّلها.
حقائق لم يكن بوسعِها حتى تخيّلها أحكمت الخناق على دانا حدّ الألم.
‘أمير؟ إدوين…؟’
من العائلة الإمبراطورية لإمبراطورية هيدرون، من سلالة التنانين، صاحب قوى فطرية…….
كلُّ ذلك كان يشير إلى إدوين.
زوجها الحبيب بدا فجأة بعيدًا، بعيدًا للغاية.
وكأن حبّات رمل باردة تنفلت من بين أصابعها، برد قلبها فجأة.
لم تعرف كيف يجب أن تتصرّف بعدها، ولا ماذا ينبغي أن تسأل إدوين.
توقّف تفكيرها تمامًا.
ثقل الحقيقة جمّد عقلها.
“دانا، هل أنتِ بخير؟ ما الذي حصل؟”
اقتربت كيرا من دانا التي شحب وجهها حتى كاد يفقد لونه.
كان في عيني صديقتها فراغ مريب.
اليد التي أمسكتها بدافع القلق كانت باردة على نحوٍ لافت.
“هل أصبتِ بنزلة برد؟”
حتى توني، الذي كان على وشك توبيخها قائلًا أيّ برد هذا في الصيف، أغلق فمه عندما رآها.
كان وجهها شاحبًا إلى حدّ مقلق.
ظلّت كيرا تفرك يدي دانا طويلًا.
وبعد برهة، رفعت دانا عينيها ونظرت إلى كيرا.
“كيرا…”
“نعم؟ قولي ما تشائين!”
وبشقّ الأنفس، فتحت دانا شفتيها.
“أريد أن أستأذن… وأغادر مبكرًا…”
وقبل أن تُكمل كلامها، رفعت كيرا يدها.
“دانا تطلب إذن الانصراف! اسمح لها من فضلك!”
أومأ توني برأسه على عجل.
منذ انضمام دانا، لم يرَها قطّ بهذه الحالة.
“سأغادر إذًا…….”
لم تكن قدماها تحملانها، فاضطرّت إلى الاتكاء على المكتب لتنهض.
زاد ذلك من قلق كيرا، فنادتها.
“هل تستطيعين العودة وحدكِ؟ ما رأيك أن تنتظري حتى يأتي إدوين؟”
ما إن سمعت اسم ‘إدوين’ حتى تصلّب وجه دانا.
كان اسمًا لا تريد سماعه الآن.
أجابت بصوت خافت.
“لا تقلقي عليّ. إدوين هو……”
مجرد نطق اسمه جعل حلقها يؤلمها. كادت الدموع تفيض إن أرخت حذرها.
تنحنحت دانا وأكملت.
“أخبريه ألا يقلق. إنه مجرّد صداع.”
وبذلك، أغلقت ديوان الشعر فوق المكتب من جديد.
وأعادت إدخال الرسالة بعناية،
ثم وضعتها فوق مكتب إدوين.
***
راحت دانا تهيم على وجهها في الطرقات.
كانت تريد أن تجلس بهدوء لتصفية أفكارها، أن تفرغ ذلك الثقل الجاثم في صدرها، لكنها لم تجد مكانًا يليق بذلك.
وفي النهاية، عادت إلى المنزل.
كانت بحاجة إلى مكان تبقى فيه وحدها، ولو لوقتٍ قصير.
جلست على المقعد الطويل الموضوع في زاوية مكتبتها الخاصة.
لأنه المكان الأكثر راحةً لقلبها.
أن تفكّر في مثل هذه الأمور في مكانٍ هو مَن اختَاره لها…
تسلّل إلى شفتيها ضحكٌ ساخر.
قررت أن تهدّئ فوضى مشاعرها وحدها، على الأقل قبل عودة إدوين.
لكن الصدمة التي اجتاحت قلبها كمدٍّ عارم لم تكن لتتلاشى بسهولة.
إن كان إدوين أميرًا… فلماذا اقترب منها أصلًا؟
إلى أي حدٍّ كان صادقًا؟
هل كانت مشاعرهُ حقيقية؟
تلك النظرات الحنونة التي لا تُحتمل شدّتها، وذلك الصوت الذي همس بالحب…؟
لم يمضِ وقتٌ طويل منذ علمت أنها ليست الابنة البيولوجية لزوجَي الفيكونت.
ورغم برود عائلتها الدائم، كان شعور الخيانة قاسيًا.
لولا مواساة إدوين، لما استطاعت الصمود.
ما أبقاها واقفة آنذاك كان الإيمان.
إيمانها بأن الخيانة لن تأتيها مجددًا من أقرب الناس.
حتى لو خدعها شخصٌ آخر، ظنّت أنها قادرة على التحمّل.
فإدوين سيكون دائمًا إلى جانبها.
بوجهه الصادق، دون تزييف.
آمنت أنه سيكفيها مهما حدث.
لم تتخيّل يومًا كهذا.
وفجأة، اخترق صوتٌ في داخلها رأسها.
‘ألم تكوني تعلمين؟’
كان سؤالًا وجّهته لنفسها.
تجمّد جسد دانا كتمثالٍ من الجبس.
رغم رفضها للاعتراف، لم تستطع الإنكار.
فمواقف الشك تكررت أكثر من مرة.
وحتى تلك المصادفات التي كثرت على نحوٍ مريب…
كانت قد شعرت بها، ولو على نحوٍ غامض.
ذلك الإحساس بالغربة الذي كان ينبعث منه، وتلك الهيبة الخاصة التي تحيط به.
ربما امتناعها عن السؤال، بذريعة مراعاته، لم يكن إلا هروبًا من الحقيقة.
لماذا فعلتْ ذلك؟
كانت تعرف الجواب.
لأنها أحبته حدّ التمنّي أن يستمر ذلك الهدوء إلى الأبد.
كان القلق يطلّ عليها أحيانًا دون إنذار.
وفي كل مرة، كانت تنظر إلى إدوين وتخنقه في قلبها.
‘فهل كانَ إدوين يشعر بالمثل؟’
هل كان هو أيضًا يتغاضى عن الحقيقة بكل قوّته؟
في تلك اللحظة، أدركت دانا حقيقةً واحدة.
ما جدوى عمق المشاعر، إن غاب الإيمان؟
حبّ بلا ثقة لا يمكن أن يدوم.
أطلقت ضحكةً خاوية.
وفي تلك اللحظة، دوّى صوتٌ عالٍ خارج المكتبة.
خطواتٌ عنيفة صعدت الدرج.
لم يكن من الصعب معرفة صاحبها.
الشخص الذي سيهرع فور سماعه أنها مريضة.
الشخص الذي سيعرف فورًا أين تكون.
“دانا!”
انفتح باب المكتبة أخيرًا.
توجّه إدوين إليها مباشرة.
كان وجهه غير مألوف.
قلقٌ يكاد يجنّنه، تتخلّله حدّة حادّة.
أهذا هو وجهه الحقيقي؟
حين رفعت دانا نظرها إليه بذهول، هدّأ إدوين أنفاسه.
هو الذي كان دائمًا هادئًا… كان يلهث.
تبلّل جبينه بالعرق، وتناثرت خصلات شعره.
“قالوا إنكِ مريضة.”
انحنى على ركبةٍ واحدة.
لم يجرؤ على الجلوس على المقعد الطويل حيث تمدّدت دانا.
اكتفى بالنظر إليها من مستوى أدنى.
“صداع؟ هل هو شديد؟”
عيناه الحمراوان حدّقتا بها كأنهما تخترقانها.
ما إن سمع أنها غادرت مبكرًا، حتى ركض إلى القصر.
لم يكن ليحتمل عدم رؤيتها فورًا.
كان يعرف إخلاص دانا في عملها أكثر من أي أحد.
لذا كان واثقًا أنها لا تغادر إلا إن بلغ بها الألم حدّه.
امتدت يده نحو جبينها.
وقبل أن يلامس جلدها الشاحب، أدارت دانا رأسها.
رفضت لمسته.
“……”
“……”
ساد الصمت. سحبت يده التي ظلّت معلّقة في الهواء.
كان نظر دانا لا يزال متجنّبًا له، وقد أدرك ذلك.
كان رفضًا صريحًا.
في هذا الجو غير المطمئن، تحرّك تفّاح آدم في حلقه.
عندها فقط تأمّل وجهها جيدًا.
في عينيها الزرقاوين امتزج الاضطراب بالغضب والحزن.
نظرة غائرة مزّقت صدره.
ليتها صرخت، ليتها بكت.
لم يكن يعرف ما الذي حدث لها.
لكنها كانت تدفعه بعيدًا.
“……بسببي، أليس كذلك.”
عرف ذلك بغريزته.
فالهواء البارد كان يغرس نفسه فيه كالإبر.
كان وجه دانا هشًّا، كأنه على وشك الانكسار.
وحين أوشكت مخاوفه أن تبتلعه، فتحت دانا فمها.
“حدثت أمور كثيرة اليوم.”
“…….”
“كنت مشوَّشة… وما زلت أعاني.”
رفعت رأسها أخيرًا.
لكن الدفء الذي كان يسكن نظرتها اختفى.
سألته بوجهٍ فارغ.
“إدوين، أريد أن معرفة الحقيقة… من تَكون؟”
التعليقات لهذا الفصل " 96"