الفصل 95
كان أمر سوء تدبير قائد الحرس قد تلاشى من ذهن إدوين منذ زمن.
لم يبقَ في ذهنه سوى التفكير في دانا.
لو عرفت حقيقته، فستتلقّى صدمة هائلة.
لكن ما هو أخطر من ذلك هو……
‘أن تسمع الحقيقة من شخص آخر.’
كان عليه، مهما كلف الأمر، أن يكون هو من يخبرها أولًا.
الاعتراف بالحقيقة، وطلب الصفح.
ذلك ما كان يجب عليه فعله اليوم.
‘أشتاق إليها.’
لم يكن قد ابتعد عنها إلاَّ قليلًا، ومع ذلك أخذ وجه دانا يلوح في ذهنه منذ الآن.
حتى في مثل هذا الموقف، يشتاق إليها…… فانفلتت منه ابتسامة ساخرة.
حتى هو كان يدرك كم يبدو وقحًا.
وبينما كان على وشك مغادرة قصر الأمير، أوقفه كبير الخدم.
“سموّ الأمير الثالث، الخاتم المصنوع من حجر السحر الذي طلبتهُ قد اكتمل.”
كان قد أمر بتحويل حجر السحر الذي أخذه من ديريك إلى خاتم.
خاتم سيضعه في يد دانا وهو يعدها بقضاء العمر معًا.
رفعت عيناه الغارقتان نظرهما نحو كبير الخدم.
“يا للمصادفة.”
ديوان الشعر الذي سيعترف به بالحقيقة، وخاتم يعدها بالأبدية، وصلا في اليوم نفسه.
لم يكن إدوين يؤمن بالقدر.
لكن اليوم، بدا له تعبير “مزحة القدر” واقعيًا على نحو غريب.
“هل تودّ تفقده؟ لقد وضعناه في جناحك.”
أومأ برأسه.
غرفته التي لم يدخلها منذ زمن بدت غريبة عليه.
كأن القصر الذي يعيش فيه مع دانا وحده هو منزله الحقيقي.
ما إن جلس على الكرسي حتى قدّم الخدم الخاتم، وكأنهم كانوا بانتظاره.
كان زوجٌ من الخواتم موضوعًا داخل علبة أنيقة.
تحوّل حجر السحر الخام إلى شكل مصقول وراقٍ.
“قام بصناعته كبير صائغي القصر الإمبراطوري. وقد قُطع بعناية للحفاظ على المانا.”
كما قال كبير الخدم، كان حجر السحر المتوّج للخاتم يشعّ بنقاء.
وبصفته من سلالة التنانين، شعر إدوين فورًا بالقوة النقية والعنيفة للمانا.
مدّ يده وأخرج الخاتم.
كانت عيناه الحمراوان تحدّقان فيه وكأنهما تخترقانه.
تابع كبير الخدم شرحه.
“كما خضع أيضًا لاختبار سحرة القصر. لم يتبقَّ سوى أن تضعَ عليه السحر الذي ترغبُ به.”
السحر……
ذلك هو سبب صنع خاتم حجر السحر.
سحرٌ من أجل دانا، ومن أجل طمأنينة قلبه هو.
أعاد إدوين الخاتم إلى العلبة ثم أخذه معه.
وبعدها مباشرة غادر قصر الأمير.
ازدادت أعصابه حدّة بسبب قلقه على دانا.
والمفارقة أنَّ من يهدّئه أيضًا… كانت دانا نفسها.
أسرع إدوين متجهًا إلى وزارة السحر.
بحثًا عن خلاصِه.
لسببٍ ما، بدت الخواتم عند أطراف أصابعه ثقيلة كالرصاص.
***
ما إن وصل إلى قسم إدارة الجرعات حتى توجّه إلى مقعده.
أخفى الخاتم في أعماق الحقيبة.
ترى، متى سيأتي اليوم الذي يخرجه فيه أمام دانا؟
وبأي شعور سيقدّمه لها؟
لم تكن دانا في المكان، يبدو أنها ذهبت لتفقّد مخزون الجرعات.
وضع إدوين ديوان شين على مكتبه.
واستقرّ نظره المتجمّد على ديوان الشعر.
“……”
إمتدَّت أصابعه الطويلة لتفكّ الغلاف.
تك—
مع صوت خفيف، انحلّ الخيط وانسحب الورق.
وكما في ديوانه السابق، كان الغلاف بنيًّا داكنًا.
[الصدق]
حُفرت الحروف الذهبية الكبيرة على الغلاف.
يبدو أنه عنوان الديوان هذه المرّة.
بعد <القلب>… <الصدق>، إذًا.
أليس كأن الكتاب يعرف وضعه تمامًا؟
من دون وعي، أخذ يمرّر إصبعه على العنوان.
كاد أن يفلت منه ضحكٌ ساخر من هذه الفكرة السخيفة.
في تلك اللحظة، سمع صوت أحد المدراء الكبار المارّين.
“هاه؟ أين دانا؟”
ما إن سمع اسم ‘دانا’ حتى رفع إدوين رأسه فورًا.
“هل هناكَ أمر؟”
لماذا يبحث عنها عنده؟ أليست في غرفة المخزون؟
تابع المدير حديثه موجّهًا الكلام إليه.
“دانا ذهبت أيضًا في مهمَّة إلى القصر الإمبراطوري. كانت تنوي الذهاب معكَ على ما أظن.”
“إذًا يبدو أن طرقكما لم تتقاطع.”
الحديث المتبادل بين المدراء بنبرة أسف لم يعد يهمّه.
ذهبت تبحث عني؟
لم يكن ليتركها تعود وحيدة.
نهض إدوين فورًا من مكانه.
“سأذهب قليلًا.”
ترك ديوان الشعر خلفه، وخرج مسرعًا من المكتب.
نظرًا لإدوين الذي اختفى كهبّة ريح قبل أن يتمكّن أحد من إيقافه، ابتسمت كيرا.
“إنها أيام جميلة.”
“صحيح، متزوّجان حديثًا.”
ابتسم الجميع لذلك المشهد الدافئ.
***
كانت دانا جالسة عند نافورةِ حديقة وزارة السحر، تحدّق بشرود في خيوط الماء.
على عكس مشاعرها المعقّدة، كان المشهد هادئًا.
لم تعرف كيف عادت من القصر الإمبراطوري إلى وزارة السحر.
رغم اضطراب أفكارها، قادتها قدماها تلقائيًا إلى الحديقة.
لكن ذلك كان خيارًا خاطئًا.
لأن إدوين كان يلوح في كل ما تقع عليه عيناها.
كان المكان مليئًا بذكرياتهما معًا.
و……
كان أيضًا المكان الذي التقت فيه بإدوين للمرّة الأولى.
تسلّل إلى ذهنها لقاء ذلك اليوم دون مقاومة.
إدوين الذي ظهر تحت ضوء الشمس الساطع، غيّر حياتها القاحلة بالكامل.
كان رجلًا جميلًا كالملاك، لدرجة جعلت قلبها يرتجف.
كل شيء كان جديدًا.
فيض السعادة، وسقف العائلة، والإيمان بأنها ليست وحيدة في هذا العالم.
كل ذلك زرعه هو فيها.
كان إدوين يضمّد جراح دانا المتراكمة طبقةً بعد أخرى.
هدّأ الجروح الممزّقة، وملأ الفراغ في قلبها.
فكيف لا تحبّه؟
“ما الحقيقة إذًا……؟”
غرست دانا يدها في ماء النافورة.
كانت تعتقد بشكل مبهم أنه يشبهها.
أنها بنَت بيتًا بسيطًا مع شخص يمرّ بظروف مماثلة لها.
كان ذلك حلمًا قديمًا، وإدوين هو من حفظه لها.
كانت تؤمن أنه لم يتلقَّ حبّ العائلة، وأن ظروفه صعبة لدرجة تجبره على العمل ليلًا.
ظنّت أنه متردّد في كشف جراحه خوفًا.
لذلك أرادت أن تحتويه.
ولأنه بدا شبيهًا بها، قرّرت أن تحبّه حبًا كاملًا، تعوضُه فيه حتى عن عائلته.
‘لكنّك أنت……’
حلّ الاضطراب في عينيها الزرقاوين.
وبعد أن ظلّت تحدّق في الماء طويلًا، نهضت.
لنسأله مباشرة.
لا بدّ أن هناك سوء فهم ما.
شدّت دانا ساقيها.
كيف ستواجه إدوين هكذا؟
على عكس تردّدها، كانت خطواتها هادئة وهي تتجه إلى قسم إدارة الجرعات.
ما إن دخلت المكتب وجلست في مكانها حتى قالت كيرا بارتباك.
“ألم تلتقي بإدوين؟ لقد ركض ليبحث عنكِ.”
“……حقًا؟”
اقتربت كيرا منها بملامح قلقة.
“هل هناك شيء؟ تبدين شاحبة…”
“لا، مجرد ارهاقٍ بسيط.”
كيرا، أريد أن أستريح وحدي قليلًا.
أومأت كيرا برأسها.
أسندت دانا ظهرها إلى الكرسي وزفرت بعمق.
فلنرتّب أفكارنا ريثما يعود إدوين.
لن يكون أمرًا كبيرًا.
اتجه نظرها إلى مقعد إدوين الفارغ.
تذكّرته وهو يبتسم لها دائمًا من المكان نفسه.
لم يكن من الممكن أن تكون تلك الابتسامة الحنونة، التي تكرّرت حتى أصبحت مألوفة، كاذبة.
انساب نظرها ببطء عبر مكتبه، قبل أن يتوقّف عند شيء ما.
كتاب يحمل اسم “شين”.
غلاف لم تره من قبل؟ هل صدر لهُ كتاب جديد؟
فجأة، عادت إلى ذاكرتها لحظة لقائها الأول بإدوين.
كان يحمل ديوان شين بين يديه.
كيف عرف شاعرًا مغمورًا كهذا……؟
امتدّت يد دانا نحو الكتاب.
كان أثقل مما يبدو.
‘لا، هذا غرض إدوين.’
انبثق في داخلها شعور مفاجئ بأنها لا يجب أن تلمسه.
حاولت إعادة الكتاب إلى مكانه بيد مرتجفة.
كُوم—
في النهاية، سقط الكتاب من يدها الواهنة.
تدحرج دورةً واحدة ثم ارتطم بالأرض، وانفتح على صفحاته بعشوائية.
وبينما أسرعت دانا لالتقاطه وترتيبه، سقطت ورقة واحدة على الأرض.
“ما هذا؟”
لفتت انتباهها بقعة حبر منتشرة.
بدت كرسالة كُتبت بأسلوب نثري.
التقطت الورقة بحذر وبدأت تقرأ.
<إلى سموّ الأمير الثالث>
في اللحظة التي قرأت فيها السطر الأول، اجتاح دانا دوارٌ شديد.
التعليقات لهذا الفصل " 95"