الفصل 94
أخيرًا، رفعت دانا رأسها.
“الأمر غريب.”
“…….”
“هذا الوضع…… لا أستطيع فهمه.”
استقرت عيناها الزرقاوان على كارل.
“أنتَ كبير محامي القصر الإمبراطوري، صحيح؟”
“……نعم، صحيح.”
حرّكت دانا شفتيها مرّة، ثم توقفت.
بدا وكأنها تفكر قليلًا فيما يجب أن تقوله.
“هل يُسمح لمحامي القصر الإمبراطوري بالدفاع عن شخص من خارج العائلة الإمبراطورية ……؟”
“هذا غير ممكن إطلاقًا. المحامون التابعون للقصر يعملون حصريًا من أجل أفراد العائلة الإمبراطورية.”
حصريًا من أجل العائلة الإمبراطورية……
حصريًا…….
دانا، بصفتها موظفة في وزارة السحر، كانت تعلم ذلك جيدًا.
من ينتمي إلى القصر الإمبراطوري لا يجوز له التحرك بدافع شخصي.
“لكن لماذا…….”
أبعدت دانا مشاعر الارتباك، وراحت تفكر بعمق.
‘لا، ربما. من الممكن أنه التحقَ بالقصر بعد انتهاء قضيتي، أليس كذلك؟’
هزّت رأسها نفيًا.
“منذ متى وأنت في القصر الإمبراطوري……؟”
“منذ نحو ثلاثين عامًا.”
انهار افتراضها.
سجلات المحاكم تتضمن معلومات المحامي.
لم يكن من الممكن أن يساعدها سرًا دون عِلم القصر.
وفجأة، تذكرت حديثًا دار بينها وبين كارل سابقًا.
‘كما طلبتِ، تم تقديم موعد المحاكمة قدر الإمكان.’
كان كارل قد جلب موعدًا قريبًا للمحاكمة وكأن الأمر طبيعي تمامًا.
‘لا، لقد قال وقتها إنني كنتُ محظوظة.’
سارعت دانا إلى طرد أفكارها.
لكن الشك، حين يبدأ، لا يتوقف.
في ذلك اليوم المشغول بالمحاكمة، ماذا حدث أيضًا؟
أحد أفراد العائلة الإمبراطورية مرّ مصادفة، شاهد محاكمتها، وساعدها على تلقي علاج من السحر الأسود على يد ساحر القصر.
كان الأمر محظوظًا أكثر من اللازم.
وتكررت المصادفات.
‘هل يمكن أن يكون لإدوين علاقة ما بالقصر الإمبراطوري……؟’
لم تجرؤ حتى على التفكير بأن إدوين قد يكون من العائلة الإمبراطورية.
فكرة غير معقولة.
شخص بعيد المنال إلى هذا الحد لا يمكن أن يلتقي بها أصلًا.
‘إدوين لن يخدعني، أليس كذلك؟’
عندما وصلت إلى أخطر استنتاج، شلّ الخوف تفكيرها.
اضطرب قلبها.
القلق أحاط بجسدها كله.
“إذًا…….”
لم تستطع دانا إكمال جملتها. انهالت في رأسها أسئلة لا حصر لها.
لماذا دافعتَ عني؟
ما علاقتكَ بإدوين؟
إدوين…….
‘هل هو من العائلة الإمبراطورية؟’
لا. فكرة سخيفة.
أطلقت دانا ضحكة قصيرة بلا وعي.
لكن على عكس الضحكة المتسربة، بدت هي نفسها هشة وخطِرة.
“في الآونة الأخيرة، تراودني أفكار غريبة. أشعر وكأن زوجي يبتعدُ عني.”
أطلقت دانا زفرة طويلة.
“لابد أنك دافعتَ عني فقط لأنكَ مقرّب من إدوين، أليس كذلك؟”
“…….”
كانت نظرة دانا إلى كارل مليئة بالتوسل.
كانت تتمنى أن يبتسم ويقول إن أفكارها لا أساس لها من الصحّة.
لكن ما عاد إليها لم يكن سوى الصمت.
حاولت دانا رسم إبتسامة.
“لو أنني سألتُ عن إدوين.”
“…….”
“هل تستطيع أن تجيبني بصدق؟”
“……سيّدة دانا.”
ظهر التردد على وجه كارل.
وفي اللحظة التي قرأت فيها ذلك، خارت قواها.
عضّ كارل على شفتيه وكأنه لا يعرف كيف يتكلم، ثم رفع رأسه.
“ما رأيكِ أن تتحدثي معه مباشرة؟”
“…….”
“أنا لا أجرؤ، حقًا لا أجرؤ، على التدخل بينكما.”
كان موقفه حذرًا إلى أقصى حد.
أيًا كان ما ستسأله دانا، فإجابته ستكون الصمت.
وكانت تعلم أن الصمت، أحيانًا، يعني الإقرار.
نهضت دانا من مكانها.
“شكرًا لأنكَ منحتني من وقتك، كارل.”
سارت بضعف نحو الباب.
لكن يدها توقفت وهي تمسك بالمقبض.
ثم استدارت ببطء.
كان كارل يعرف تلك النظرة.
نظرة الشخص الذي يذرف الدموع في زاوية القاعة بينما يتهم الجميع حبيبته، الشخص الذي لا يفقد الإيمان بحبيبه حتى النهاية مصراً على أنه لا يمكن أن يخطئ.
كان يأساً خالصًا نابعاً من حبٍّ أعمى.
بنظرة تحمل خيطًا واهيًا من الأمل، سألت دانا.
“……هل خدعني إدوين؟”
قالتها، ثم غادرت المكتب.
لم تكن تنتظر جوابًا من كارل.
أُغلق الباب، وغطّى كارل وجهه بيدين جافتين.
لم يبقَ في المكتب سوى صمت ثقيل يدور في المكان.
***
في تلك الأثناء، أنهى إدوين عمله واتجه إلى قصره.
تعرف عليه أحد الخدم من بعيد، فاستقبله باحترام بالغ واقتاده إلى قصر الأمير.
على غير عادته في السير الواثق، أبطأ خطواته.
نظر إليه الخادم باستغراب، فراح إدوين يتأمل الممر الطويل.
“اليوم، لنسِر ببطء.”
“نعم، مفهوم.”
امتلأت عيناه بالزخارف الذهبية الباهرة والقطع الفاخرة التي لم يكن يعيرها اهتمامًا من قبل.
وكذلك الخدم الذين يتحركون بنشاط لرعاية القصر الهائل.
هل ستستطيع دانا تقبّل هذا كله؟
‘وإن لم تستطع…….’
كان مستعدًا للتخلي عن مكانته ومغادرة القصر.
إن كان سيقضي عمره كله مع دانا، فهذا يكفيه.
عندما وصل إدوين إلى قاعة الاستقبال، ركض بيتر نحوه من بعيد.
“تحياتي لسمو الأمير الثالث.”
“مر زمن طويل.”
انحنى بيتر، وقد فهم نبرة العتاب في صوته.
“أعتذر… كنت أنوي مقابلة سموّك اليوم.”
“ادخل.”
جلس إدوين في صدر القاعة كما لو كان مكانَه المعتاد.
حركاته، كعادتها، بدت مسترخية لكنها دقيقة.
وُضع بينهما إبريق شاي بارد.
“قدّم التقرير.”
عند صدور الأمر، أخرج بيتر الأوراق من داخل سترته.
“هناك ما يجب أن تطَّلع عليه أولًا.”
قلب إدوين الأوراق، فعقد حاجبيه.
“صاحبة النزل سلّمت نفسها……؟”
تابع بيتر حديثه متفحصًا تعابير وجهه.
“نعم، حدث ذلك أثناء سفر سموك.”
“ولِمَ لم يُبلّغني أحد؟”
“ذلك مذكور في التقرير أيضًا.”
بعد قراءة السطور، أطلق إدوين ضحكة باردة.
“مجرد أعذار.”
كما هو متوقع، لم يكن سلوك قائد الحرس مقبولًا.
أخرج بيتر التقرير التالي بحذر.
“التقيتُ بقائد الحرس قبل قليل.”
قلب إدوين الصفحات دون أن يرفع نظره.
كانت الأوراق تُقلب بسرعة، حتى بدا وكأنه لا يقرأ فعلًا.
“فارغ.”
كان هذا تقييم الأمير الثالث.
ابتلع بيتر ريقه بتوتر.
“يبدو أنهم تنبّهوا للأمر. فور تكليفكَ بالتحقيق، فرّ الجميع واختفوا.”
“وظهرت صاحبة النزل وحدها لتشهد، ثم تقيأت سائلًا أسود…….”
نقر إدوين بأصابعه على الطاولة. كان هناك شيء يثير القلق.
إن كان سُمًّا، أفلا يعني أن أحدًا دبّر الأمر؟
‘هل هي قضية أكبر من مجرد اختلاس…….’
في الجو المشحون، راقب بيتر ردَّ فعله بصمت.
انتظر حتى ينتهي الأمير من ترتيب أفكاره.
“هل هذا كل شيء؟”
عند سؤال إدوين، ناوله بيتر ديوان الشعر الملفوف بورق.
“ديوان شين.”
“……سريع.”
تساءل بيتر بصمت.
ألم يكن الأمير دائمًا يطالب بالسرعة؟
لكن ملامحه لم تكن مرحّبة.
“الجودة جيدة. هل تودّ الاطلاع عليه الآن؟”
“لا، لاحقًا.”
ابتسم إدوين بفتور.
كان يوم قول الحقيقة يقترب.
تعلّقت عيناه المنخفضتان بالديوان طويلًا.
كان الجو ثقيلًا إلى حد لا يمكن لبيتر فهمه.
بعد صمت طويل، فتح إدوين فمه أخيرًا.
“اطلعتُ على التقرير، تولَّ الباقي بنفسك.”
“نعم، مفهوم.”
“قائد الحرس، سأتعامل معه بنفسي.”
“ألا تأمرني أنا بذلك؟”
طوال الوقت، كان الأمير الثالث يتواصل مع الجميع عبر بيتر.
‘هل ينوي الظهور بنفسه قريبًا؟’
جمع بيتر الأوراق بوجه حائر.
نهض إدوين وغادر قاعة الاستقبال.
أظلمت ملامح بيتر وهو يودّعه.
‘يبدو أن مزاجه ليس على ما يرام.’
دون أن يُظهر دهشته، انحنى احترامًا.
التعليقات لهذا الفصل " 94"