الفصل 93
كبحت دهشتها وتابعت الحديث.
“نعم، ولكن أود أن أسأل عن أمر آخر أيضًا.”
سألت دانا إن كان هناك ما يلزم غير جرعات استعادة الطاقة.
“هذا أمر لا أعرفه على وجه الدقة… سأستفسر من رئيس الخدم.”
أنهى ما كان يفعله على عجل.
ولأن دانا رأت أنه لا يصح أن تضيّع من وقته أكثر، اقترحت.
“لنذهب معًا. سيكون ذلك أسرع على الأرجح.”
“ألا بأس بذلك؟”
غادرا قاعة المثول الواسعة وسارا في ممر طويل.
“رئيس الخدم موجود الآن في مكتبه على الأرجح. قال إن لديه الكثير من المستندات التي يجب معالجتها.”
أخذ الخادم يثرثر مطولًا دون أن يُسأل.
كانت شخصيته المحبة للكلام تذكّرها بتوني.
“رئيس الخدم الأكبر يشرف على القصر الإمبراطوري بأكمله. أما رئيس الخدم الذي نبحث عنه فهو مسؤول غالبًا عن تسجيل الممتلكات.”
“نعم….”
كان القصر الإمبراطوري مقسّمًا إلى أربعة أجنحة بحسب الجهات الأربع، ولكل جناحٍ استخدامه الخاص.
بعد مسير طويل، وصلت دانا إلى الجناح الغربي.
وهو المكان الذي يتردد عليه كبار شخصيات الإمبراطورية.
أوقفها الخادم عند حديقة الجناح الغربي وتحدث بحذر.
“لا يمكنكم الدخول من هنا. هل تمانعين الانتظار قليلًا؟”
“هل رئيس الخدم موجود هنا؟”
“نعم. إن أعطيتِني الأوراق فسأستفسر وأعود.”
“إذًا، من فضلك.”
تسلّم الخادم الأوراق من دانا باحترام.
“اليوم يُعقد اجتماع النبلاء، لذلك تكون الحراسة مشددة أكثر. أرجو منكِ تفهّم ذلك.”
ابتسمت دانا علامة الموافقة.
وبعد دخول الخادم، جلست على الكرسي الذي أُشير إليها به تقضي الوقت.
‘حدائق القصر الإمبراطوري فخمةٌ حقًا.’
كانت الحديقة، التي صمّمها منسّقو حدائق بارعون وفق حساباتٍ دقيقة، مبهرة للنظر.
لكنها لم تُحرّك في دانا شعورًا خاصًا.
‘الحديقة التي أتمناها هي…’
مرّت في ذهنها أراضي أريا.
وكذلك حديقة الماركيز التي امتزجت فيها الأزهار البرية بتناغم طبيعي.
أغمضت عينيها واستحضرت تلك الأيام.
أناس طيبون، ورائحة عشب نقي، وحديقة زهور جميلة.
أكثر ما بقي في ذاكرتها كان الماركيز الدافئ.
راحت تستعيد ذكرياتها معه.
وكان معظمها يدور حول حديثه عن حفيدته المفقودة.
‘أتمنى أن يعثر الماركيز على عائلته.’
لم يكن يتحدث عن نفسه فقط.
بل كان يعتني بدانـا بنصائح صادقة نابعة من القلب.
وفجأة، تذكّرت إحدى وصاياه.
‘الزواج ليس علاقة يمكن أن تقوم على المحبّة وحدها.’
ومنذ ذلك اليوم، لم تتغير علاقتها بإدوين. كانت تحبه، وكانت سعيدة حين تكون معه.
شعور يشبه المشي بين الغيوم تحت شمس ساطعة.
لكن دانا كانت تعرف.
أنها مأخوذة بجمال المنظر دون أن تنظر إلى ما تحت قدميها.
كانت تسير بخطوات متزنة وخطرة بين غيوم بيضاء.
وأحيانًا، كانت تشعر بأن شيء ما يختنق في حلقها حتى آخره.
‘إدوين… لماذا لا تخبرني بأي شيء؟’
تخلصت دانا من أفكارها الكئيبة التي أخذت تتسلل إليها.
حينها حدث الأمر.
انفتحت أبواب القصر الإمبراطوري، وخرج عدد من الشخصيات دفعة واحدة.
بدا أن الاجتماع الذي ذكره الخادم قبل قليل قد انتهى.
ومن يحضر اجتماعًا كهذا لا بد أن يكون من الشخصيات البارزة في الإمبراطورية.
اصطفّ الخدم يؤدّون التحية وهم يودّعونهم.
“هل يجب أن أنهض أنا أيضًا…؟”
كانت دانا تهمّ بالنهوض بتردد من مقعدها حين—
“أه…؟”
تجمّدت حركتها فجأة.
شخص ما كان يبرز بوضوح وسط الجموع.
ظهور شخص غير متوقَّع في مكان غير متوقَّع.
حين تتراكم الدهشة، يتوقف التفكير.
“لماذا هو هنا…؟”
لم يكن هناك شك.
إنه المحامي كارل.
لم يكن ممكنًا أن تنساه.
غير أن ما اختلف هذه المرة هو الهالة الطاغية من الوقار التي لم تكن موجودة من قبل.
ولهذا ترددت دانا في التقدّم نحوه.
اقترب رجل يبدو من كبار النبلاء من كارل وهو يبتسم.
“أرجوك ساعدني قليلًا، أحتاج إلى استشارة قانونية هذه المرة…”
“أليس لعائلتكم محامٍ مختص؟”
عند جواب كارل البارد، أطلق الرجل ضحكة خفيفة.
“مع ذلك، هناك فرق في الكفاءة، أليس كذلك؟ أنت كبير محامي القصر الإمبراطوري!”
حدّقت دانا فيه بذهول.
نعم، ذلك الوجه بلا شك هو كارل.
العمّ المقرّب لإدوين، والشخص الذي ساعد دانا في قضيتها.
لماذا هو هنا؟
وما معنى كونه محاميًا إمبراطوريًا؟
كارل، وقد بدا عليه الانزعاج من الطلبات المتكررة، أدار رأسه.
وفي تلك اللحظة، التقت عيناه بعيني دانا.
تصلّب فكّه دهشة.
“……”
“……”
صمت قصير.
رمش بعينيه مرتين ثم رفع نظارته.
كان كارل هو من تقدّم أولًا.
“مرّ وقت طويل، سيدة دانا.”
“نعم، أشكركَ كثيرًا على ما فعلته المرة الماضية.”
كانت الحيرة واضحة في عيني دانا الزرقاوين.
تلكَ النظرة كانت تطعن قلب كارل كالإبرة.
“…إذًا أستأذن.”
حين همّ بالمغادرة على عجل—
فتحت دانا فمها دون وعي.
“أنا حاليًا في ساعات العمل.”
صوتها المرتجف أوقفه.
“أعني… بعد انتهاء عملي، هل يمكنك أن تخصّص لي بعض الوقت؟”
كان واضحًا ما الذي تريد قوله.
أجاب كارل بوجه مثقل.
“حسنًا.”
“…شكرًا لكَ.”
“بعد دخول الجناح الغربي، الغرفة الأعمق هي مكتبي.”
“……”
“أظن أن الحديث في المكتب سيكون أفضل. سأنتظرك.”
نظر إليها بقلق، وكأنه يقيّم ما إذا كانت قادرة على المجيء دون مشكلة.
“سأخبر الحرس. سيتم إدخالكِ دون مشاكل.”
أومأت دانا برأسها بخفة.
تبع نظرها ظهره وهو يبتعد.
ظلّت تحدّق فيه شاردة حتى اختفى.
ماذا رأيتُ للتو؟
بحسب ما تعرفه دانا، محامو القصر لا يدافعون إلا عن أفراد العائلة الإمبراطورية.
اضطرب عقلها.
حاولت الجلوس لترتيب أفكارها، لكن الأمر لم يكن سهلًا.
بعد دقائق، عاد الخادم.
“سيدتي، هذه هي المستندات التي طلبتِها. تم تدوين كل ما يلزم.”
“شكرًا لك.…”
على عكس اضطراب ذهنها، خرج الرد تلقائيًا.
لا تدري كيف أنهت العمل أصلًا.
“هل هناك ما يزعجكِ؟ تبدين مرهقة.”
“أنا بخير. تفضل بالانصراف.”
بدت على الخادم ملامح الحيرة، لكنه لم يجرؤ على السؤال أمام جديتها.
“إذًا أستأذن.”
نظر إليها لحظة، ثم استدار وغادر.
وقفت دانا ساكنة، تمسك المستندات بيدها.
كانت بحاجة إلى الكثير من الاستعداد قبل أن تتجه إلى كارل.
رغم خفقان قلبها العنيف، لم يكن جسدها يطاوعها.
وبعد قليل، بدأت تتحرك ببطء.
حتى في هذا الارتباك، بقي موقع مكتب كارل واضحًا في ذاكرتها.
يبدو أنه أعطى أوصافها، إذ إن الفرسان تحقّقوا من وجهها ثم قادوها إلى المكتب.
كانت الأبواب المزخرفة تصطف في كل مكان.
وبما أن مكتبه كان في أعمق نقطة، بدا أن دور كارل في القصر مهم للغاية.
طرق الفارس الباب الأعمق وأعلن.
“الضيف قد وصل.”
ثم فُتح باب المكتب.
ظهر كارل وهو ينهض من مقعده.
صرف الفارسَ، ثم تولّى بنفسه مرافقة دانا.
قد يبدو وجهه بلا تعبير، لكن عينيه كانتا ممتلئتين بالثقل.
ظلّ يراقب دانا حتى دخلت المكتب.
لحسن الحظ، لم يكن وجهها يبدو على وشك الانهيار.
بل كانت هادئة على غير المتوقع.
“تفضّلي بالجلوس.”
أمام مكتب كارل كانت هناك أريكة مخصّصة للضيوف.
أجلسها ثم قدّم لها شايًا دافئًا.
“شكرًا لك.”
لكن دانا لم ترفع الكوب إلى فمها.
انتظر كارل أن تبدأ بالكلام.
الكذب لا يليق بطبيعته.
ومنذ أن خدعها في الماضي بسبب إدوين، كان يشعر بالذنب.
كما أنها من العائلة الإمبراطورية، وبصفته محامي القصر، لا يمكنه أن يكذب عليها.
قرر اليوم أن يقول الحقيقة فقط.
التعليقات لهذا الفصل " 93"