الفصل 91
مرّ يوم العطلة في غمضة عين.
توجّه إدوين ودانا إلى إدارة السحر معًا، وتبادلا التحية مع الزملاء.
كان الجميع على وشك الجلوس إلى مكاتبهم لبدء العمل، حين اندفع توني، مصدر الأخبار في قسم إدارة الجرعات، وفتح باب المكتب على عجل.
“أ- أنا… هل تعرفون ماذا رأيتُ اليوم؟”
وقف في منتصف المكتب وهو يرتجف.
“ما الأمر؟ هل رأيتَ شبحًا مثلًا؟”
سأله أحدهم بلا مبالاة، فشهق توني بشدة وهو يستنشق الهواء.
“جـ- جثة… رأيت جثة!”
كان الأمر أخطر مما توقعوا.
تجمّعت أنظار الموظفين على توني.
“كنتُ أعبر جسر نهر بيلاين في طريقي إلى العمل، وكان الناس متجمّعين هناك! اقتربت بدافع الفضول، فإذا بـ…….”
وكأنه تذكّر المشهد المرعب، أمسك رأسه بعنف.
“هل غرق؟”
عند سؤال كيرا، هزّ رأسه بسرعة.
“نـ- نعم، لكن.… لكننا نعرف هذا الشخص!”
“……ومن هو؟”
ساد المكتبَ جوٌ بارد ثقيل.
إذا كان شخصًا يعرفه الجميع، فالأمر يصبح أخطر.
استند توني إلى الجدار وكأن ساقيه قد خذلتاه.
انتظر الجميع حتى يهدأ قليلًا.
وأخيرًا، قال ما رآه.
“……كان المدير. مدير إدارة السحر العلاجي…….”
“…….”
“…….”
خيم الصمت على جميع الموظفين. تلاقت نظرات دانا وإدوين.
كان المدير أحد المحاوِر الأساسية في قضية اختلاس الجرعات.
فهل مات الآن؟
اجتاح الارتباك دانا.
في البداية، ظنّت أن الأمر مجرد اختلاس بسيط من لايتن.
لم يكن جريئًا بما يكفي، وظنّت أنه سيكتفي بمكاسب شخصية محدودة.
ولكن إذا لم تكن وفاة المدير انتحاراً….
‘هل هناك آخرون متورطون؟’
ربما تكون القضية أكبر مما توقعتْ.
وبينما كانت دانا تغرق في أفكارها القاتمة، ربّت إدوين على كتفها.
وسأل بصوت هادئ في الوقت نفسه.
“هل تأكدتَ من الوجه؟”
تابع توني كلامه متلعثمًا.
“كان الوجه مغطّى بقماش، فلم أره. لكن الزي الرسمي كان بلا شك زيّ المدير!”
وكأنه لم يعد يحتمل، تقيّأ توني جافًا واندفع خارج المكتب.
“ما الذي يحدث بحق خالق السماء؟”
“بدأ الأمر يخيفني فعلًا.”
تذمّر الموظفون بوجوه ممتلئة بالخوف.
حاولت دانا بدورها تهدئة قلبها المضطرب.
قبل أيام قليلة فقط، كانت تتحدث مع المدير بأكمل عافية.
ثم يموت فجأة…….
“علينا أن نعرف إن كان الأمر انتحارًا أم جريمة.”
قالت دانا بهدوء لإدوين.
“وإن كانت جريمة…….”
“فلا بد أن طرفًا آخر متورط.”
كان عقل إدوين يعمل بسرعة.
خلال الأيام التي لم تصله فيها تقارير المساعد، لا بد أن شيئًا ما قد حدث.
ربما ضغط أحدهم على المدير.
في تلك اللحظة، ربّتت دانا على ذراع إدوين مرتين بخفة، ثم أشارت إلى الباب.
كانت تعني: لنخرج معًا.
خرجت دانا إلى الممر وفتحت باب مكتب فارغ.
وبعد أن تأكدت من خلو المكان، سألت إدوين.
“بالمناسبة، إدوين، ماذا عن التحقيق في النزل؟”
المكان الذي ذهبا إليه يوم راقبا لايتن.
كان ذلك المكان يثير قلقَ دانا باستمرار.
“ألا تظنُّ أنَّ النزل قد يعرف شيئًا ما؟ فهو المكان الذي كان لايتن يتردد عليه.”
“صحيح، وهو المكان الذي أصدر المدير بنفسه أمرًا بشأنه.”
“هل لأن الأمر يخصّ إدارة الأمن فيُجرى التحقيق بسرّية؟ إلى حدّ أننا لا نعرف عنه شيئًا.”
على عكس دانا التي رأت في ذلك تفسيرًا مقنعًا، غرق إدوين في التفكير.
فهو، بصفته الأمير الثالث، كان قد أصدر أمرًا مباشرًا لقائد الحرس.
وطلب أن يُرفع إليه تقريرٌ عن قضية الجرعات في المقام الأول.
ومع ذلك، كان تحقيق قائد الحرس بطيئًا على نحو مريب.
إن لم تكن هناك نتائج، أفلا يجدر به على الأقل رفع تقرير عن مجريات التحقيق؟
كان يعلم أن قائد الحرس قد اعتاد الراحة ولم يعد يجتهد في عمله، لكنه لم يتخيل أن يصل الأمر لهذا الحد.
لقد تركه وشأنه حتى الآن كي لا يُظهر حضوره ونفوذه، لكنه كان متقاعسًا أكثر مما ينبغي.
يبدو أن التحذير السابق لم يكن كافيًا.
لا بد من هزّه مرة أخرى.
عليه أن يلتقي بالمساعد في أسرع وقت.
***
في هذه الأثناء، كان بيتر، مساعد إدوين، يتلقى تقريرًا من أحد مرؤوسيه.
“لقد حصلنا على الإصدار الجديد للكاتب شين.”
ناول المرؤوس له رزمة من الكتب المغلّفة بورق بعناية.
“بهذه السرعة؟”
سأل بيتر بدهشة، فتابع المرؤوس.
“يُقال إنه أنهى كتابة العمل الجديد منذ زمن. لكن دور النشر كانت ترفض استلامه طوال تلك الفترة.”
“أفهم.”
“كان يمرّ بضائقة مالية شديدة، وقد دُفع له ثمن العمل بسخاء.”
أومأ بيتر برأسه راضيًا عن حسن إنجاز المهمة.
أخرج ديوان الشعر من الكيس الورقي وتفحّصه.
لحسن الحظ، كانت الجودة جيدة.
“آه، وأيضًا…….”
تردد المرؤوس في إكمال حديثه.
ما الذي يجعله مترددًا هكذا؟
حين استعجله بيتر، واصل التقرير.
“قيل إن جثة مدير إدارة السحر العلاجي عُثر عليها صباح اليوم في نهر بيلاين.”
“مات؟ ألم يكن يخضع للتحقيق بتهمة اختلاس الجرعات؟”
“نعم، هذا صحيح.”
تابع المرؤوس.
“لقد أرسلنا أشخاصًا من طرفنا إلى إدارة الأمن، لكنهم كانوا يرجعونهم في كل مرة. قالوا إن التحقيق جارٍ.”
“صحيح.”
“هل من الممكن أن شيئًا ما قد حدث في تلك الأثناء؟”
أظلم وجه بيتر عند ذلك.
على مدى أيام، أرسل أشخاصًا وذهب بنفسه أيضًا، لكن قائد الحرس لم يكن يكرر سوى عبارة واحدة: سيُبلِغهم عندما تظهر نتائج مؤكدة.
وبعد أن نفد صبره، كان ينوي اليوم أن يستجوبهم على الأقل عن سير التحقيق.
الأمير الثالث الذي يعرفه بيتر لم يكن صبورًا.
وفوق ذلك، انفجرت قضية وفاة المدير…….
“سأذهب بنفسي.”
نهض بيتر من مكانه.
كان الأمير الثالث يفضّل الحسم والدقة والسرعة.
وإن لزم الأمر، فعليه أن يضغط على قائد الحرس بنفسه.
غادر مكتبه على عجل.
كان قد اجتاز حديقة قصر الأمير، ومرّ بالفرسان، وكاد يخرج من البوابة—
“حـ- حضرة المساعد! مهلاً!”
من بعيد، كان قائد الحرس يركض نحوه على عجل.
بردت ملامح بيتر.
كان قائد الحرس يخشى الأمير الثالث، ومع ذلك كان أداؤه بطيئًا وفاترًا.
ربما كان يفعل ما يراه أقصى جهده، لكنه لم يكن مرضيًا لبيتر.
الفرق في المنصب والخبرة كان شاسعًا، لذا كان يكتم غضبه لا أكثر.
“كنت أنوي زيارتك.”
نظر إليه بيتر بهدوء.
بعد أن التقط قائد الحرس أنفاسه الخشنة، تشبّث بذراع بيتر.
“ما رأيك أن نشرب الشاي معًا؟ لديّ ما يجب قوله على وجه السرعة!”
“يمكنك قوله هنا.”
“يبدو أن الحديث سيطول، أرجوك دعنا نجلس ونتحدث!”
توسل قائد الحرس كالطفل.
ومع ذلك، كان رسميًا أعلى منصبًا من بيتر.
تنهد بيتر واقتاده إلى مكتبه.
بدا أن قائد الحرس جاء على عجل، فكانت ملابسه مبعثرة.
وبعد قليل، حين قُدّم الشاي، شربه بنهم.
يبدو أن حلقه كان جافًا من كثرة الركض دون توقف.
تنحنح بإحراج ثم دخل في صلب الموضوع.
“هذا الصباح، فجأة، عُثر على جثة مدير إدارة السحر العلاجي!”
“سمعتُ بذلك.”
انغرزت نظرة بيتر الحادة فيه.
“ألم تقل إن التحقيق جارٍ؟ كان ينبغي أن تراقبوه عن كثب.”
“لقد قال إن لديه مهاماً عليه إنجازها لعدة أيام… وأكد أنه سيخضع للتحقيق بصدق.”
اشتدت حدة عيني بيتر عند هذا الإهمال.
ارتجف قائد الحرس قليلًا، ثم تابع.
“كنت أنا أيضًا مشغولًا جدًا. مالكة النزل جاءت واعترفت بنفسها، فقمنا باحتجازها…….”
قطّب وجهه كأنه رأى شيئًا مقززًا.
“لم تأكل شيئًا، فقط جلست بهدوء. ثم تقيأت سائلًا أسود.”
“صاحبة النزل؟ ولماذا لم تُبلِغونا بذلك؟”
تلعثم قائد الحرس عند هذا السؤال.
“هذا ليس المهم! أقول إنها تقيأت شيئًا غريبًا!”
“سائل أسود؟ هل هو سمّ؟”
“لا نعرف بعد. التحقيق جارٍ.”
“هل هناك سموم لا تعرفها إدارة الأمن؟”
“ربما لا يكون سمًّا أصلًا…….”
على أي حال، لهذا تأخر التقرير.
تنهد بيتر عند لهجته المراوغة.
“لم يكن بيدي حيلة. الرؤساء لا يريدون سوى نتائج حاسمة. والأمير الثالث ليس استثناءً، أليس كذلك؟”
“إذًا، ماذا توصلتم إليه؟”
“قيل إن المدير كان يتنكر في هيئة بائع أعشاب ويهرّب الجرعات.”
“هل هذا مؤكد؟ لا بد أن يكون المديرَ نفسه من قال ذلك.”
“كنت أنوي سؤاله، لكن لم نعد نستطيع التواصل معه…… حتى عائلته قالت إنها لا تعلم أين هو…….”
أي إنه مات قبل أن يَحصل على الإجابة.
كانت هذه نهاية إدارة مُهمِلة.
والآن فقط، جاء قائد الحرس يركض بلا أي حل واضح، محاولًا التخفف من مسؤوليته عن وفاة المدير.
“ومع ذلك لم ترفعوا تقريرًا. رغم أن المشتبه به قد اختفى.”
“حاولنا التحقيق فيما بيننا…….”
دار قائد الحرس بعينيه هنا وهناك وتصبّب عرقًا باردًا.
“آه، صحيح!”
قال قائد الحرس فجأة، مستأنفًا حديثه.
التعليقات لهذا الفصل " 91"