الفصل 90
في تلك الليلة، ترك إدوين دانا النائمة خلفه ومضى بخطوات هادئة.
كانت المكتبة مملوءة بالكتب التي جمعها من أجل دانا.
في الظلام، اتجه دون تردّد إلى موضعٍ بعينه.
ثم مدّ أصابعه المستقيمة وأخرج كتابًا واحدًا.
على الغلاف البني، كان عنوان <القلب> يلمع بخفوت.
كان ديوان شعرٍ لِـشِين.
استعاد إدوين بهدوء أول لقاءٍ جمعه بدانا.
حين كان يُحتضر بعد أن فتك به وحش في ساحة المعركة.
لم يكن يرى شيئًا بسبب الظلام الذي ملأ بصره.
وبينما كان يتلوّى من الألم، سمع صوتًا نقيًا عذبًا يصل إليه.
تعزية صادقة بلا تكلّف، ونكات خفيفة تُلقى بين الحين والآخر… أحبّها.
حتى ديوان الشعر الذي كانت تقرؤه له كل يوم لم يبعث على الملل.
كانت تلك المرة الأولى التي ينتظر فيها أحدًا.
كلما غابت عن جانبه، اجتاحه فراغٌ هائل.
لكن إدوين لم يكن يعلم آنذاك، أنَّه قد منحها قلبه كله.
وجاء الفراق في لحظة غير متوقعة.
بينما كانت دانا بعيدة عن مكانها، عثر عليه رجالٌ من القصر الإمبراطوري.
وعندما فتح عينيه، كان في قصر الأمير.
وبجوار رأسه، وُضع ديوان شعر قديم.
يبدو أنهم جلبوه ظنًّا أنَّه من مقتنيات الأمير الثالث.
راح إدوين يلمس الكتاب مرارًا وتكرارًا.
‘أشتاق إليكِ.’
كان ذلك أول إحساس يختبره بالحنين.
بعد أن افترق عنها، فقط حينها أدرك مشاعره.
حرّك جسده المتصلّب، وتلقى العلاج يومًا بعد يوم.
أراد أن يعيش.
فقط ليتمكن من رؤية وجه دانا مرة أخرى.
ولأول مرة، شكر كونه من العائلة الإمبراطورية.
فقد كانت حاسة السمع التي وُلد بها كفيلة بأن تحفظ صوتها إلى الأبد.
ألقى إدوين تعويذة حفظ على الديوان، واحتفظ به بعناية.
لأنه كان الأثر الوحيد المتبقي منها.
بعد أن أنهى استغراقه في الذكريات، مرّر أصابعه الطويلة على الغلاف مرة أخرى.
“بالنسبة لي… هذا يحمل معنى عظيمًا.”
كان الرابطَ الذي يصل بينه وبين دانا.
تمتم بصوتٍ خافت وعينين غارقتين.
“عندما يصل الديوان الجديد…… سأعترف.”
في اليوم الذي يهديها فيه ديوان شِـين الجديد، سيعترف بحقيقته.
بأي مشاعر اقترب منها، وكم كان يشتاق إليها.
و…
“……لقد أخطأت.”
سيطلب الصفح.
من مُنقذته.
***
لم يتبقَّ على حفل التأسيس سوى أسبوع، لكن العامة كانوا قد بدأوا احتفالات الشوارع بالفعل.
خرجت دانا للتسوّق مستغلة يوم العطلة، وأخذت تنظر من حولها.
خيام ملوّنة مصطفّة في كل مكان، وعروض صغيرة تُقام هنا وهناك.
ومن الأكشاك كانت تنبعث روائح شهية تملأ الأجواء.
حتى أنَّ موسيقى العازفين بدت مبهجة وخفيفة.
كانت دانا تبتسم وهي تُشاهد الأطفال يرقصون على أنغام الموسيقى.
قرأ إدوين مظاهر حماسها وسألها.
“هل نتناول الطعام في الخارج اليوم؟”
“فكرتَ بذلك أنت أيضًا؟ نأكل من طعام الشارع ونشاهدُ المهرجان.”
أجابت دانا وكأنها كانت تنتظر السؤال.
“في السابق كنتُ متعبة فلم أفكر في الأمر، لكن هذا المهرجان تحديدًا، أرغبُ في أن أستمتع به.”
لم يسبق لدانا، التي لم تكن تملك فسحة في حياتها، أن شاهدت مهرجانًا من قبل.
هل لأنَّ الظروف تغيّرت؟
أم لأنَّ شخصًا تحبه دخل حياتها؟
ابتسمت دانا ابتسامة خفيفة ونظرت إلى إدوين.
“أريد أن نؤجل العشاء ونتجول على مهل.”
“كما تشائين.”
أمسكا أيديهما بإحكام وسارا في الشارع.
كانت منصات الباعة تعرض مصنوعات يدوية صغيرة ولطيفة.
يبدو أنها صُنعت خصيصًا للمهرجان.
وبينما كانت دانا تتفرج بعينين لامعتين، وصل إلى مسامعها صوت صافٍ.
“تفضلي بمشاهدة الأساور!”
صرخت فتاتان صغيرتان وهما تلوحان بأيديهما نحو دانا.
ابتسمت دانا لحركاتهما اللطيفة.
“هل صنعتماها بنفسيكما؟”
“نعم! هذه قلائد وأساور!”
كانت إكسسوارات مصنوعة من خيوط زاهية الألوان مجدولة معًا.
“أختي تصنع الخيط، وأنا أركّب الخرز!”
“الآن بعد أن أنظر، أنتما متشابهتان جدًا. أختان، أليس كذلك؟”
هزّت الطفلتان رأسيهما بحماس.
“مهارتكما جيدة، أليس كذلك؟”
كانت دقتهما أفضل مما توقعتْ.
وعندما أبدت دانا اهتمامها، فتح إدوين فمه قائلًا.
“هل يمكنكما أن تقترحا شيئًا يناسب زوجين؟”
نبرته المهذبة جعلت تعابير الطفلتين جدية.
بفضل إدوين، شعرتا وكأنهما صاحبتا متجر حقيقيتان.
قلّدتا طريقة كلام الكبار وهما تحرّكان أيديهما الصغيرة.
“سيدي، ما رأيك بهذا؟ إنهما سواران متطابقان.”
قدّمت الطفلة التي بدت أصغر سنًا سوارين أبيضين.
لكن الأخت التي بجانبها أطلقت ضحكًا ساخرًا.
“أنت حقًا… انظري جيدًا.”
قدّمت الطفلة، بوجه واثق، سوارًا أحمر وآخر أزرق.
“إنهما يشبهان لون عينيكما تمامًا، أليس كذلك؟ يمكنكما التفكير ببعضكما كلما نظرتُما إلى السوار!”
“واو، أختي مذهلة.”
رفعت الطفلة كتفيها بفخر وهي تستمع إلى إعجاب أختها الصادق.
قالت دانا وهي تضحك.
“بعد سماع ذلك، أشعر أنني أريد شراءهما فعلًا.”
“سنلفهما لكما في ظرف جميل.”
كان إدوين راضيًا هو الآخر.
أساور تحمل لون عينيهما… لماذا لم تخطر لهُ هذه الفكرة من قبل؟
أراد أن يصفق للطفلة.
بعد أن أنهى إدوين الحساب، قُدّم له كيس ورقي.
كان عليه رسم أرنب لطيف.
“هل رسمتِه بنفسك؟”
“نعم!”
“شكرًا لك، بفضلكِ حصلنا على أساور جميلة.”
رفعت دانا السوار الأزرق وربطته حول معصم إدوين.
“سمعتَ كلام صاحبة المتجر، أليس كذلك؟ قالت لكَ أن تفكر بي كلما رأيته.”
أكثر من يفعل؟
كان ذهنه ممتلئًا بدانا طوال اليوم أصلًا.
ابتسم إدوين بسعادة وربط السوار لدانا.
بدت هذه الخيوط الهشة ظاهريًا وكأنها تربطهما ببعضهما.
قالت الطفلة الكبرى بجدية حتى النهاية.
“نتمنى لكما حياة زوجية سعيدة!”
“حياة… سعيدة!”
لم تستطع الأخت الصغرى حفظ الجملة كاملة فاكتفت بترديد آخرها.
كانتا طفلتين لطيفتين كلما نظرتْ إليهما.
بعد ذلك، واصل دانا وإدوين التجول بلا هدف في الشوارع.
إذا شمّا رائحة حلوة دخلا ليأكلا حلوى، وإذا انجذبا إلى صوت غناء توقفا لمشاهدته.
كان وقتًا مريحًا وسعيدًا.
“إنَّه أكثر متعة مما توقعت، أليس كذلك؟”
لم تفارق الابتسامة وجه دانا.
“هل نأتي العام القادم أيضًا؟ لنستمتع بالمهرجان هكذا كل عام.”
كانت ترسم في ذهنها مستقبلًا يجمعها بإدوين.
“ما هذا؟ عرضُ دمى؟”
هرولت دانا نحو عرض الدمى عند النافورة.
جلست بين الناس وربتت على المقعد بجانبها.
“تعال بسرعة، إدوين!”
توقف إدوين لحظة ينظر إلى ظهر دانا.
كلما طال الوقت الذي قضياه معًا، تعرّف أكثر على الأشياء التي تحبها دانا.
وأُضيف مهرجان الشارع إلى قائمته المتراكمة واحدًا تلو الآخر.
شعر بالشفقة والحنين تجاه دانا التي بدأت أخيرًا تستمتع بالحياة.
وإذا دخلت دانا القصر الإمبراطوري…
هل ستظل تنعم بحرية كهذه؟
أظلم وجه إدوين.
اليوم الذي سيكشف فيه الحقيقة يقترب تدريجيًا.
كان ينوي الاعتراف مع صدور الديوان الجديد لشين، لكنه تمنى ألا يأتي ذلك اليوم أبدًا.
“إدوين، اجلس بسرعة!”
نادته دانا من بعيد.
أخفى إدوين تعابير وجهه المتصلبة وجلس بجانبها.
كان عرض الدمى يدور في عالم خيالي.
دمى قماشية معلّقة بخيوط تؤدي أدوار العائلة الإمبراطورية.
“مولاي، أرجوك استجب لطلبي!”
“كلا، استجب لطلبي أنا أولًا!”
ضحكت دانا وهي تشاهد الأداء المضحك.
سألها إدوين.
“ما القصة؟”
“يبدو أنها عن العائلة الإمبراطورية.”
“……وكيف هي؟ ممتعة أو شيء من هذا القبيل.”
لم تكن سوى مسرحية دمى.
ومع ذلك، أراد إدوين أن يعرف شعور دانا.
“إنها ممتعة جدًا. ربما لأنها قصة عن عالم بعيدٍ عني.”
أغمضت عينيها بابتسامة مازحة.
“مع أن الواقع سيكون قاسيًا.”
“……أفهم.”
مكان لا يمكن الوصول إليه أبدًا.
هكذا كانت العائلة الإمبراطورية بالنسبة لدانا.
التعليقات لهذا الفصل " 90"