الفصل 89
كانت دانا، ذات الإحساس العالي بالمسؤولية، مجتهدة جدًا في تعلّم الرقص.
على الرغم من أنها عادت للتو من رحلة عمل وكان من المفترض أن تكون مرهَقة، إلا أنها مرّت بالمكتبة الإمبراطورية واستعارت دليلًا لتعلّم الرقص الإجتماعي.
“كنت أراه من بعيد فقط، ولم أشارك فيه من قبل…….”
قالت دانا وهي تقلّب الصفحات بوجهٍ جاد.
كانت تركّز خصوصًا على الرسومات التي تشرح الوضعيات بالتفصيل.
“إرجاع الذقن إلى الخلف، إبراز الصدر…… حتى تتلامس الكتفان…….”
تحسّست دانا كتفيها بنفسها.
“هناك فرق ملحوظ في الطول بيني وبين إدوين…… هل سيكون هذا ممكنًا؟”
يبدو الأمر صعبًا فعلًا.
عبست وهي تشدّ ما بين حاجبيها.
تفهم الأمر نظريًا، لكن تخيّلها لنفسها وهي ترقص كان صعبًا.
“بدل أن تكتفي بالنظر، ما رأيكِ أن نجرّب مباشرة؟”
ضحك إدوين بصوتٍ منخفض وهو يرى دانا منغمسة في الكتاب وكأنها ستغرق فيه.
“لكن يجب أن أتقن الجانب النظريّ أولًا…….”
“ستتعلّمين أسرع بالتطبيق العمليّ.”
كان كلامه منطقيًا، فنهضت دانا من مكانها.
“نبدأ بالتحية؟”
مدّ إدوين يده نحوها.
“…….”
يدٌ كبيرة ودافئة.
دفءٌ مألوف.
‘لكن…… لماذا أشعر بهذا التوتر؟’
مجرد التفكير بالرقص معه جعل صدرها يشعر بوخزٍ خفيف.
‘لا بد أنَّه الإحراج فقط، لأننا فجأة أصبحنا رسميّين.’
انحنت دانا قليلًا لتحيته، ثم أمسكت بيده.
قاد إدوين يدها برفق.
وبخطواتٍ متردّدة، اقتربت دانا منه.
“أقرب قليلًا.”
رنّ صوته الوادع عند أذنها.
أقرب؟
نحن قريبان بما فيه الكفاية أصلًا…….
حين أدارت رأسها، رأت مرآةً كبيرة تعكس صورتهما.
وبالفعل، كانت المسافة بينهما أبعد مما في الرسومات التي شاهدتها في الكتاب.
قلّصت المسافة وهي تنظر إلى المرآة، ثم رفعت رأسها.
وفجأة، التقت عيناها بعيني إدوين، الذي كان يحدّق بها مباشرة.
من هذا القرب، كانت عيناه تتماوجان كالغسقِ الأحمر.
“نبدأ؟”
أومأت دانا برأسها.
راح إدوين يتلو عبارات دليل التدريب.
“استقيمي بخصرك، وانظري إلى صدر الشريك.”
وفي اللحظة نفسها، لفّ ذراعه حول خصر دانا.
تسلّل إلى أنفها عبيرٌ منعش، رجوليّ بوضوح.
أمَّا يده الأخرى، فأمسكت بيدها ورفعها إلى الارتفاع المناسب.
حين خطا خطوةً إلى الخلف، مال جسد دانا تلقائيًا معه.
كانت أجسادهما الآن أكثر التصاقًا من قبل.
“ببطء.”
حرّك إدوين جسده ببطء، مراعيًا كون دانا مبتدئة.
كانا يرقصان بلا موسيقى.
وفي الغرفة الهادئة، كانت الأصوات الصغيرة تتردّد بوضوح.
صوت احتكاك الأقمشة.
وقع الخطوات البطيئة.
حتى أنفاسهما كانت مسموعة.
ابتلعت دانا ريقها.
كان فمها جافًا من شدّة التوتر.
نظر إدوين إلى دانا المتصلّبة، ثم قال.
“إن كان صعبًا، اتكئي عليّ.”
ربّت على ظهرها وكأنه يقول إن الأمر بخير، فارتعش جسد دانا لا إراديًا.
اليوم على وجه الخصوص، كان لمسه واضحًا أكثر من اللازم.
قادها إدوين بحذر، فتبعت خطواته تباعًا.
أدارها بلطف ثم أعادها إلى حضنه.
كان إدوين ماهرًا في القيادة، وبفضله انساب الرقص بسلاسة.
لكن مع مرور الوقت، أصبحت دانا تخجل من النظر إليه.
قلبها كان ينتفخ كأنه على وشك الانفجار، بينما بدا إدوين هادئًا بلا اضطراب.
“…….”
“…….”
استمرّت حركاتهما وسط صمتٍ طويل.
في المقابل، كان إدوين منشغلًا بمراقبة دانا.
لسببٍ ما، لم تكن تلتقي بعينيه.
كأن هذه اللحظة، حيث يتشاركان الدفء، كانت مُرضية له وحده.
اقترب منها ليقرأ تعبير وجهها بدقة أكبر، وانحنى قليلًا—
“لا… لا أستطيع.”
صوتها الخافت أوقفه في مكانه.
لا تستطيع؟
هل لم يعجبها الرقص معي؟
هل قُدتها بقسوة؟
أم بدا حماسي واضحًا أكثر من اللازم؟
ربما لأنه كان سعيدًا أكثر مما ينبغي بهذه اللحظة معها، تصرّف بأنانية.
“أنا آسف، إن كان هناك خطأ فأخبريني، سأصلح كل شيء.”
“لا، ليس هذا…….”
رفعت دانا رأسها.
لأول مرة منذ بدء الرقص، أظهرت وجهها.
كان وجهها محمرًا وكأنه سينفجر.
“أنا مضطربة ولا أستطيع! كل شيء يبدو غريبًا!”
“…….”
الشخص الوحيد القادر على إرباك إدوين، الذي كان دائم الهدوء، هو دانا.
حين وقف مذهولًا، ابتعدت عنه قليلًا.
ثم غطّت وجهها بكلتا يديها بخجل.
“لا أدري لماذا أبالغ هكذا بينما نحن نرقص فقط…”
انخفضت زاوية عينيها.
“لأنكَ تعني لي الكثير، أليس كذلك؟ لكن الآن… هذا فوق طاقتي.”
أحتاج إلى استراحة.
أسندت دانا جسدها على كرسي كانت قد دفعته إلى الزاوية للتدرّب على الرقص.
لوّحت بيدها لتبريد وجهها، ثم أطلقت زفرة طويلة.
رغم الخجل، فإن إخراج ما في قلبها جعلها أكثر راحة.
“سنكمل حين أهدأ.”
“فوق طاقتكِ إلى هذا الحد…….”
“هاه؟”
أدار إدوين رأسه بعد أن كان ساكنًا تمامًا.
بدت عيناه المائلتان إلى الأحمر أعمق لونًا من المعتاد.
“يعني أنك تحبينني لدرجة يصعب عليكِ تحمّلها. أنا.”
حين أعاد تذكيرها بكلامها، احمرّ وجه دانا مجددًا.
لكنها قررت أن تكون صادقة مع مشاعرها.
“نعم. أحبك كثيرًا لدرجةٍ تُتعبني.”
كان اقتراب إدوين منها خاطفًا.
ثبّت نظره عليها وحدها، ثم حمل جسدها الجالسة ورفعها بسهولة.
أجلسها على الطاولة، وأحاط مؤخرة رأسها بيده.
كانت لمسته إشارة.
أغمضت دانا عينيها، ولفّت ذراعيها حول عنقه.
وبعدها مباشرة، بدأ قبلة عميقة.
***
“تبدو معتادًا على الرقص، بعكسي.”
قالت دانا وهي تراقب إدوين الذِّي يجهّز العشاء.
“حقًا؟”
أجاب بلا اكتراث، متجاوزًا كلامها.
حدّقت دانا فيه بصمت.
وقفته المتزنة وهالته العتيقة لفتتا نظرها.
حين تكون مع إدوين، يتعايش في داخلها شعوران دائمًا.
مودة مريحة تحتضنها، وجوّ غريب غير مألوف.
وغالبًا ما كانت الأولى تُخفي الثانية.
بحكم عملها، أُتيحت لدانا فرص كثيرة للاحتكاك بنبلاء رفيعي المستوى.
كانوا يبدون وكأنهم وُلدوا بوقارٍ خاص وهدوء متأصّل.
وفي كل مرة، كانت تشعر كأنها تنظر إلى عالمٍ آخر.
‘لكن لماذا……’
لماذا تشعر بالإحساس ذاته حين تنظر إلى إدوين؟
‘هل لأنني سمعتُ كلام الماركيز……؟’
في الحقيقة، كان لديها الكثير من الأسئلة التي تريد طرحها عليه.
كيف عاش قبل دخوله وزارة السحر.
ولماذا يبدو تصرّفه النبيل طبيعيًا إلى هذا الحد.
لكن دانا لم تسمع منه شيئًا عن ماضيه، ولا عن عائلته.
‘لماذا لا تخبرني بأي شيء……؟’
تحت حبّها الراسخ، بدأت الشكوك ترفع رأسها ببطء.
لا، لقد قررتْ أن تنتظر بهدوء.
هزّت رأسها بقوة.
“إدوين، كيف ظهرك؟”
“تقصدين الإصابة السابقة؟”
“نعم.”
كانت دانا تتحقّق من جروحه باستمرار.
“بفضل عنايتكِ بي، أنا بخير.”
ابتسم ليُطمئنها.
“ليس بفضلي، بل بفضل القصر الإمبراطوري.”
تذكّرت دانا ما حدث آنذاك.
“كنت مشوشة ولم أنتبه، لكن حين أفكر الآن… لقد قدّموا لنا مساعدة كبيرة.”
إدوين شخص عزيز عليها، لكن في نظر العائلة الإمبراطورية، هو مجرد موظف.
ومع ذلك، وفّروا له عربة فجرًا، وتلقّى العلاج داخل القصر.
مالت دانا برأسها في حيرة.
“حينها، لم أفكر إلاّ في أن تتعافى. لذلك لم أفكر بشيء آخر.”
“ماذا تقصدين؟”
“يبدو أنهم بالغوا في مساعدتنا. العائلة الإمبراطورية.”
لسنا من العائلة المالكة حتّى.
عند كلمات دانا، تصلّب جسد إدوين.
“حتى لو كان ذلك بطلب من الوزير.”
“…….”
“هل يعني هذا أنهم يريدونك أن تكرّس حياتك كلها لخدمة الإمبراطورية؟”
ابتسمت دانا بمزاح وهي تنظر إليه.
لكن إدوين لم يستطع مجاراتها في الابتسام.
كانت عيناها الزرقاوان تبحثان عن إجابة.
‘كلما طال الكذب، تعمّق جرح تلك الشابة أكثر.’
عاد صدى كلمات الإمبراطور إلى ذهنه فجأة.
رفع إدوين زاوية فمه بصعوبة.
كيف له أن يتعامل مع هذا الشعور الهش؟
كان يدرك بغريزته.
أنَّ وقت قول الحقيقة يقترب.
التعليقات لهذا الفصل " 89"