الفصل 87
غادر إدوين وزارة السحر بخطواتٍ أوسعَ من المُعتاد.
ثم اتجه بلا تردد إلى قاعة المثول في القصر الإمبراطوري.
كان الإمبراطور الحالي يكره البذخ.
ولهذا السبب، أغلق قاعة الولائم التي لا تُستخدم إلا أحيانًا، وأقام حفلات الرقص عند الحاجة في قاعة المثول.
ومع انشغال الجميع بالتحضير لمهرجان التأسيس، كانت القاعة تعجّ بالخدم.
وطأت قدما إدوين السجادة الحمراء المفروشة بعناية.
في أعمق القاعة، كان قوس ذهبي يتلألأ مع ثريا ضخمة، وعلى المنصة وُضعت مقاعد الإمبراطور والإمبراطورة.
كان الزوجان الإمبراطوريان يجلسان هناك عند إقامة المناسبات المهمة، لمشاهدة حفلات التتويج أو الرقص.
عبر إدوين القاعة الشاسعة واتجه نحو كبير خدم الإمبراطور.
فوجئ الخدم الصغار، الذين لا يعرفون هوية الأمير الثالث، واندفعوا نحوه.
“من زيّك يبدو أنكَ من وزارة السحر، سأقوم بإرشادك!”
لم يشعر بقدومه أحد… متى وصل؟
مال الخادم برأسه حائرًا.
في هذه الأثناء، تعرّف كبير الخدم فورًا على الأمير الثالث، فأشار للصغار بالانصراف.
“لا بأس. أنا سأتولى الأمر.”
يبدو أنَّ لديه ما يقوله.
فهم كبير الخدم الأمر بسرعة، واقتاد إدوين معه.
كبير خدم الإمبراطور يتعامل مع مجرد موظف؟
تبادل الخدم الصغار نظرات الاستغراب.
قاد كبير الخدم إدوين إلى مكان قليل الحركة.
وكانت وجهتهما حديقة هادئة داخل القصر الإمبراطوري.
وبعد أن تأكد من خلو المكان، أدّى كبير الخدم التحية.
“أتشرّف بلقاء سمو الأمير الثالث. ما سبب قدومكَ للبحث عن هذا العجوز؟”
“أحتاج إلى أفضل مصممٍ في الإمبراطورية.”
“……تقصد المصمم الإمبراطوري الأول.”
لم يُبدِ كبير الخدم أي ارتباك رغم الطلب المفاجئ. كان ذلك ثمرة سنوات طويلة من الخبرة في القصر.
“إنه الآن في جناح الإمبراطورة. سأقودكَ إليه.”
أومأ إدوين برأسه.
فالمصمم الذي تختاره الإمبراطورة لا بد أن يكون ذا كفاءة حقيقية.
وعلى عكس نبرته الهادئة، كانت خطوات كبير الخدم سريعة للغاية.
كان الإمبراطور يقدّره كثيرًا.
وكان يبدو قلقًا من أن يفارقه بسبب الشيخوخة، لكن إدوين كان يعلم الحقيقة.
هذا العجوز، خلافًا لمظهره، يتمتع بجسد قوي جدًا.
في الواقع، لم يكن يتظاهر بالمرض إلاَّ لإسكات الإمبراطور المتذمّر.
وكان الإمبراطور وحده من يقع في هذا الفخ في كل مرة.
قاد كبير الخدم إدوين حتى وصلا إلى جناح الإمبراطورة.
وبما أنه كان يحظى بثقة العائلة الإمبراطورية المطلقة، لم يجرؤ أحد على منعه.
وعندما بلغا غرفة الأزياء الخاصة بالإمبراطورة، نادى كبير الخدم المصممة بصوت متزن.
“السيدة شارلوت، هل أنتِ هنا؟ هناك ضيف جاء لزيارتك.”
وانفتح الباب ببطء، لتظهر امرأة في منتصف العمر.
لم تسأل عن هوية إدوين، واكتفت بأن تؤدي التحية بأدب.
“تفضل بالدخول.”
ثم أدخلت إدوين إلى غرفة الأزياء التي تعمل فيها.
كانت المساحة الواسعة ممتلئة بأقمشة زاهية الألوان ممتدة في كل مكان.
كما كانت جواهر شتى جُلبت من بلدان بعيدة تتباهى ببريقها كلٌّ على حدة.
المواد المرتَّبة بعناية مفرطة كانت تدلُّ على دقتها الشديدة.
“هذا العجوز مشغول، سأستأذن الآن…….”
بعد انصراف كبير الخدم، وُضع كوب من الشاي الدافئ على الطاولة أمام إدوين.
‘لقد تأخرتُ كثيرًا.’
إذا استمر الأمر على هذا النحو، فقد يترك دانا تنتظر.
كان إدوين هو من بادر بالكلام.
“أريد أن أصنع فستانًا لزوجتي.”
“نعم، صاحب السمو الأمير الثالث.”
عندما ذكرت مكانته، اتسعت عينا إدوين.
ابتسمت شارلوت برقة وتابعت حديثها.
“جلالة الإمبراطورة لمّحت لي مسبقًا. قالت إن سمو الأمير الثالث سيأتي ليصنع فستانًا لسمو الأميرة.”
هاه. أطلق إدوين ضحكة قصيرة وكأنه لا يصدق.
كما توقّع، كانت الإمبراطورة تتنبأ بكل شيء.
“كما أنها أرسلت لنا مقاسات زي سمو الأميرة الرسمي في وزارة السحر. وبفضل ذلك، سيكون العمل أسهل.”
كان هذا الإعداد المتقن يليق بالإمبراطورة.
‘ما زال أمامي طريق طويل لألحق بوالدتي.’
فتحت شارلوت دفتر تصاميمها.
“في الحقيقة، سيكون من الأفضل سماع رأي سمو الأميرة مباشرة…… لكن لا بد أن هناك ظرفًا ما، أليس كذلك؟”
يبدو أنها لم تكن تعرف التفاصيل بعد.
“هل هناك لون تفضّلونه؟ سيكون من الأفضل أيضًا لو وصفَ سُموُّك ملامحها أو بنيتها.”
“لا أدري، كلُّ شيء يليق بها.”
ثم بدأ إدوين يصف مظهر دانا.
شَعرٌ كليلٍ يشبه سماء الليل، وعينان زرقاوان، وملامح محببة خرجت تباعًا من فمه.
مجرد التفكير بدانا جعل شفتي إدوين ترتسمان بابتسامة ناعمة.
ولم تفُت شارلوت تلك اللحظة.
كان من الواضح مدى محبة الأمير الثالث لزوجته، حتى من مجرد طلبه تصميم فستان لها بنفسه.
“وما اللون الذي تحبُّه سمو الأميرة؟”
“الأبيض. لكن أود تأجيله إلى وقت لاحق.”
فالبياض الناصع يجب ادخاره.
من أجل حفل الزواج القريب.
“إذن، ما رأيكم بالوردي؟ سيتناسب جيدًا مع شعرها الأسود.”
أخرجت شارلوت قلم الحبر وبدأت ترسم بسرعة—
وبعد أن أضفت اللون الوردي على الرسم، اكتمل فستان مشرق.
ليس سيئًا.
ذوق إدوين، الذي تلقى منذ صغره تعليمًا جماليًا على يد أفضل الأساتذة، كان رفيعًا.
تصميم أنيق وهادئ، يناسب دانا تمامًا.
“وماذا عن الزينة؟ ياقوت؟ أم ياقوت أزرق؟”
عندها مال إدوين برأسه قليلًا.
ما الذي تحبه دانا حقًا؟
“زوجتي تحب الزهور.”
“……سنضيف زينة من الزهور.”
بدأ عقل المصممة يعمل بسرعة.
بدا أنَّ صورة الأميرة في ذهن الأمير الثالث كانت لشخص نقي ولطيف.
***
بعد أن اطمأنَّ إلى اكتمال التصميم على نحو مرضٍ، غادر إدوين جناح الإمبراطورة.
وأثناء تجوالِه في الحديقة، تسلل إلى أنفه عطر الزهور التي جلبها الإمبراطور من بلاد بعيدة من أجل الإمبراطورة.
في حفل التأسيس هذا، سترتدي دانا فستانًا بالغ الجمال.
مهما بلغت تكلفته، ما دام يلائِمها فهو راضٍ.
فما وُجدتْ حياتُه وثروتُه، إلّا مِن أجل دانا وحدها.
لكن…….
‘أشعر بالقلق حيال كيفية تبرير هذا لها.’
رغم أن دانا كانت تقول إنها تثق بإدوين، إلا أنها كانت أحيانًا ترمقه بنظرات مليئة بالشك.
هذا الفستان سيكون فخمًا للغاية.
من أين أتيتَ به؟ أليس في ذلك مبالغة؟
كأنه يسمع صوت دانا القلق منذ الآن.
الرغبة في فعل أي شيء من أجل دانا كانت أنانية منه.
‘هل هناك شيء آخر أستطيع تقديمه لها غير الفستان؟’
ليس مجرد شيء مادي، بل شيء يترك صدى في قلبها.
شيء قد يمسّها بعمق، ويحمل معنى كبيرًا…….
وبينما كان يفكر، خطر له أن يقدم لها هدية مميزة.
وكان ذلك أثناء مروره بالقصر الإمبراطوري بعد خروجه من جناح الإمبراطورة.
“سمو الأمير الثالث، هذه قائمة عدد الحضور المتوقع للرقص.”
قدّم له كبير الخدم الذي قابله سابقًا بعض الوثائق.
كان إدوين قد نسي العمل لانشغاله بالتفكير في فستان دانا.
“شكرًا لك.”
في تلك اللحظة، خطرت له هدية أخرى.
أصدر إدوين أمره إلى كبير الخدم.
“هل تنقل هذا إلى مساعدي؟ قل له أن يحصل على عمل جديد من شاعر مغمور يُدعى شين.”
كان ديوان الشعر الذي كانت دانا تقرؤه له مرارًا منذ لقائهما في ساحة المعركة.
ذلك الديوان كان ذكراهما ورابطهما معًا.
ومنذ ذلك الحين، حاول الحصول على عمل جديد لشين، لكنه—لسبب ما—لم ينشر شيئًا بعد ذلك.
“وإن كان يعاني من ضائقة مالية، فليُقدَّم له أيَّ دعم يحتاجه.”
كم ستفرح دانا لو حصلت على عمل جديد من شاعرها المفضل؟
كانت ابتسامتها ترتسم بوضوح في ذهنه.
“حسنًا. سأبلغه فورًا.”
لكن…….
تابع الخادم كلامه.
“جلالة الإمبراطور بانتظاركْ.”
“أنا مشغول الآن.”
“قال إنه يريد التحدث بخصوص سمو الأميرة.”
عند هذه الكلمات، توقف إدوين عن الحركة.
دانا؟ ولماذا؟
أصبح الهواء المحيط به حادًا كحد السكين.
التعليقات لهذا الفصل " 87"