الفصل 86
كان إدوين الذي تعرفه دانا شخصًا نقيًّا ولطيفًا.
وعندما كان يفيض بنظراته الدافئة، كانت دانا تشعر بحبه كاملًا دون نقص.
لذلك، لا بدّ أن لإدوين….
‘سببٌ قاهرٌ ما.’
لابد أن هناك ظرفًا لا مفرّ منه.
رتّبت دانا مشاعرها المضطربة.
ألم تقرر أن تنتظر إلى أن يخبرها بنفسه؟
ربما كانت ظروفه أصعب بكثير مما تتخيل. وإن كان نبش الأمر سيسبّب له أذى، فهي لا تريد أن تسأله.
سيخبرني يومًا ما…
وهكذا، حاولت دانا تهدئة قلقها بالقوة.
***
كان ديريك، كعادته، يعتني بدمى الخزف في غرفته.
وبمنفضة صغيرة، أخذ يمرّر يده على الدمى المُصطفّة بكثرة فوق الرفوف.
وبينما كان يحدّق في كل دمية على حدةٍ بانتباه، عبَس جبينُه فجأة.
في نهاية نظره، كانت هناك دمية واحدة.
تشبه تمامًا صاحبة النُزل التي مرّ بهِ لايتن.
“لم تعد هناك حاجةٌ لهذا.”
دفع إحدى الدمى بمنفضة الغبار. سقطت الدمية الثقيلة على الأرض.
كسر—!
وتناثرت الدمية التي كانت تبتسم إلى شظايا.
“لم يتبقَّ الكثير من الدمى.”
غادر الغرفة بوجهٍ يحمل شيئًا من الأسف.
وكأنما كان ينتظر، لحق به كبير خدم أسرة الدوق.
وعلى صينية فضية، وُضعت رسالة واحدة.
ما إن وصل ديريك إلى غرفة الطعام ومدّ يده، حتى قُدّم له سكين فتح الرسائل.
فتح الظرف بحترافية، وأخرج الورقة.
“إنها ميرلين.”
ميرلين، المعالِجة التي تُساعد في إحيَاء تاران، وأحد أتباع دوق تشايلد.
كانت قد توجّهت إلى إقليم آريا بأمرٍ من ديريك.
وبينما كان يقرأ رسالتها بعينٍ فاترة، أخذ بريقٌ يلمع في عينيه تدريجيًا.
< لم أتمكّن من العثور على حفيدة مركيز آريا مرةً أخرى. لكنني اكتشفتُ أمرًا مثيرًا للاهتمام.>
كان ديريك قد أمر مايرين بمراقبة الأمير الثالث وزوجتِه.
وقد عادت إليه بحصادٍ وفير.
<النباتات المُنقّية التي اعتنت بها زوجة الأمير الثالث بدت أكثر حيويةً بكثير. وكما قُلتَ يا سيدي، يبدو أن تلك السيدة فعلًا…>
طوى ديريك الرسالة. وامتلأ وجهه بالحماسة.
‘إن كانت فعلًا ‘جنّية تطهير’…’
لا يمكنه أن يتركها للأمير الثالث هكذا.
‘إحياء السلف بات قريبًا!’
وسيتحقق أخيرًا الحلم الذي انتظرته العائلة طويلًا.
لا بدَّ من فصلهما مجددًا.
قال ديريك بابتسامةٍ قاتمة.
“حان الوقت لإيقاظ الوحوش مِن جديد.”
***
بعد أن أنهت دانا وإدوين إفطار الصباح، تفقدا الإقليم للمرة الأخيرة.
فتحا سجل المهمة الذي دوّناه بعناية بالأمس، وراحا يطابقان محتواه مع الأعشاب الطبية من جديد.
كانت الملاحظات تتعلق بحالة نباتات التنقية، وبوضع بيئةِ إقليم آريا بشكلٍ عامّ.
“إن احتجتم إلى مغذّيات لزراعة الأعشاب، فالرجاء إبلاغنا في أي وقت. سنرفع الأمر إلى القصر الإمبراطوري.”
ابتسمت آنسي ابتسامة عريضة تقديرًا لدقة دانا.
“الإمدادات التي أرسلتموها الآن كافية تمامًا.”
فأعشاب آريا كانت موردًا مهمًا إلى حدٍّ ما، ولذلك كان القصر الإمبراطوري يقدّم دعمًا وفيرًا دون تقصير.
“سيدَيّ الإداريَيْن، حان وقت العودة إلى العاصمة.”
قالت آنسي ذلك للاثنين المنهمكين في العمل.
لقد اقترب موعد العودة.
عادت دانا وإدوين إلى القلعة وجمعا حقائب أمتعتهما.
رغم أن الإقامة لم تتجاوز يومًا واحدًا، إلا أن الأُلفة قد ترسخت عميقًا في نفسيهما.
أنهت دانا استعدادها للمغادرة بقلبٍ يملؤه الأسف.
في القاعة الرئيسية للقلعة، كان المركيز مع آنسي وآخرين بانتظارهما.
“أن يخرج المركيز بنفسه لوداعكما! يبدو أن الإدارِيَين قد نالا إعجابه حقًا!”
“اهدئي.”
قال ليام بنبرة متوترة قليلًا ردًا على كلام آنسي، وكأنه يشعر بالخجل.
ثم نظر إلى دانا بملامح أكثر لطفًا. كان واضحًا أنه لا يرغب في فراقها.
“نادراً ما يرسلون إليّ مُوظفيْن نافعِين إلى هذا الحد.”
“سيدي المركيز…!”
قاطعت آنسي كلامه وهي تحاول أن تبتسم.
“لم يكن يقصد التقليل من شأن موظفِي وزارة السحر!”
“نعم، أنا أفهم.”
ابتسمت دانا بمرح، وقدّمت لهما تَحية الوداع مرة أخرى.
لفّ إدوين ذراعه حول كتف دانا، ثم قال للمركيز.
“إن أُتيحت لنا الفرصة، سنعود مرة أخرى. أنا وزوجتِي.”
“…حسنًا.”
في الحقيقة، كان إدوين يعلم أن المركيز لا يكنّ له الارتياح.
حتى أثناء الإفطار هذا الصباح، كان ينظر إليه وإلى دانا بالتناوب ثم يتنهد.
لذلك تعمّد إظهار مودته لزوجتِه أمامه.
“إذن، سنغادر.”
على عكس ابتسامة إدوين المشرقة، لم تستطع دانا أن تبتسم بسعادة كاملة.
لم تستطع نسيان تعبير الوحدة على وجه المركيز وهو يحدّق في الأرجوحة فجر اليوم.
“سأعودُ بالتأكيد.”
لم تجد دانا ما تقوله سوى ذلك.
أومأ ليام برأسه، وكأنه يفهم مشاعرها.
’أشعر بألفة غريبة معه.‘
كان هذا تفكيراً متغطرساً بالنسبة لموظفة بسيطة.
كانت تدرك ذلك جيدًا، ومع ذلك شعرت دانا بالحزن عند وداع المركيز.
“آه، صحيح! خذا هذا معكُما.”
أمسكت آنسي بهما قبل أن يغادرا، وقدَّمت زجاجة صغيرة.
“إنَّه شرابٌ مصنوعٌ من أزهار الريميني. مثالي لتناوله مع الشاي أو كتحلية.”
“هل يجوز لي حقًا أن آخذه؟”
سألت دانا وقد غمرها الإمتنان، فأجابتها آنسى.
“بالطبع. لم نرَ من قبل إداريين يساعدون سكان الإقليم كما فعلتما أمس. تفضّلا واستمتعا به.”
“شكرًا جزيلًا. سنتناوله بسرور.”
بهذه الكلمات، غادرت دانا وإدوين القلعة.
حتى وصولهما إلى البوابة، خرج عدد كبير من سكان الإقليم لتوديعهما.
وكان الأطفال الذين شاهدوا اليراعات معهما من بينهم أيضًا.
“أظن أنني سأفتقدُ هذا المكان كثيرًا.”
قالت دانا، فابتسم إدوين ابتسامة هادئة.
“سنعودُ مرة أخرى.”
بعدها مباشرة، أحاط بهما نور البوابة.
وفي غمضة عين، وصل الإثنان إلى الطابق السفلي لوزارة السحر.
شعرا أنَّ هذا الممر يبدو موحشًا على نحوٍ ما.
“يبدو أنني لم أكن من سكَّان آريا.”
قالت دانا وهي تشير إلى شعرها.
“لم أرَ أحدًا هناك بشعرٍ داكن مثلي.”
“ربما كان مجرد محطةٍ مررتِ بها.”
أومأت برأسها ردًا على كلام إدوين.
“مع ذلك، لا أشعر بأسفٍ كبير. فقد التقيتُ بأناسٍ طيبين.”
اطمأن إدوين عندما رأى ملامحها المشرقة.
“أنتِ متعبة، أليس كذلك؟ ما رأيكِ أن نسلّم التقرير ونغادر فورًا؟”
“لنغادر وقت الغداء. أريد ترتيب بعض الأوراق.”
كانت دانا مجتهدةً كعادتها، وكان إدوين مستعدًا تمامًا لمجاراتها.
عندما وصلا إلى المكتب، استقبلهما الموظفون.
“عدتما بسلام؟”
“نعم، سننهي ترتيب التقرير ونسلّمه فورًا.”
جلست دانا وإدوين في مقعديهما.
في تلك اللحظة، فتحت كيرا الباب ودخلت.
“وصل بيانٌ رسمي!”
لوّحت بالورقة ووجهها يلمع حماسًا.
“بما أن عيد التأسيس قريب، يطلبون من الجميع دون استثناء حضور حفل الرقص!”
هل حان عيد التأسيس فعلًا؟
فتحت دانا عينيها بدهشة وهي تتمتم بأن الوقت يمر سريعًا.
كان القصر الإمبراطوري يشجّع الموظفين على حضور حفل القصر.
فطالما أنهم يعملون من أجل الإمبراطورية، يجب أن يُعاملوا بما يليق.
وبالطبع، لم يكن ممكنًا استيعاب جميع الموظفين دفعة واحدة، لذا كانت الأقسام تتناوبُ في الحضور طوال فترة العيد.
“تُرى أي فستان سأرتدي هذه المرة؟”
“أنا سأعدّل الفستان الذي ارتديته سابقًا.”
على عكس الموظفات المتحمسات، بدت دانا غير مبالية.
وصلت إليها ابتسامة إدوين الدافئة.
“دانا، أي لون فستان ارتديتِ العام الماضي؟”
مهما كان، فلا بد أنها بدت جميلة.
“أنا؟ ليس لدي فستان.”
“……”
“ارتديت فقط زيّ وزارة السحر.”
أومأ إدوين برأسه متظاهرًا باللامبالاة.
وفي الوقت نفسه، لام نفسه على قصر تفكيره.
فهي كانت تنفق كل ما تكسبه على سداد ديون عائلة الفيكونت.
ومن الطبيعي ألا يكون لديها فائض لشراءِ فستان.
لكن هذه المرة لا يمكن أن يكون الأمر كذلك.
لمعت عيناه الحمراوان.
كان ينوي أن يهدي دانا فستانًا نفيسًا يليق بها.
في تلك اللحظة، سُمع تنهد من المقعد المقابل.
“علينا أولًا تجهيز جرعاتِ الطوارئ للحفل، لذا يجب معرفة عدد الحضور.”
“هل نذهب إلى القصر الإمبراطوري؟ هذا مزعج.”
بينما كان الموظفون الأقدم يتجادلون ويلعبون حجر–مقص–ورق لتحديد من يذهب، تقدّم إدوين بابتسامة مشرقة.
“سأذهب أنا.”
“هاه؟ حقًا؟”
نظروا إليه بفرح واضح.
“نعم، أليس المطلوب الذهاب إلى القصر الإمبراطوري؟”
“نعم، حفل عيد التأسيس يُقام دائمًا هناك. عندما تصل، سيقودك الخدم.”
“حسنًا. المسافة بعيدة قليلًا، قد أتأخر بعض الشيء.”
“لا تهتم، اذهب بسلام!”
كانوا سعداء فقط بتخلّصهم من المهمة المزعجة.
حمل إدوين الأوراق وتوجّه إلى دانا.
“سأعود قبل الغداء.”
كان في عينيه شيء من الترقّب.
“رافقتكَ السلامة.”
وبعد أن تلقّى تحيتها، أغمض عينيه بابتسامة لطيفة.
التعليقات لهذا الفصل " 86"