الفصل 85
عند وصول قائد الحرس إلى السجن المؤقت، سألَ أحدَ مرؤوسيه.
“أين صاحبة النزل التي حضرتْ قبل قليل؟”
“في الغرفة آخر الممر. لكن حالتها تبدو….”
“ماذا؟ هل هي مريضة؟”
كان ادّعاء المجرمين للمرض أمرًا مألوفًا لديه.
توجّه قائد الحرس إلى الزنزانة دون اكتراث.
“سنحتاج منكِ أن تتعاوني أكثر مع التحقيق قليلًا.”
“…….”
لم تقل المرأة شيئًا، واكتفت بالجلوس ساكنة فوق السرير.
“هي على هذه الحال منذ فترة. لا ترمش حتى!”
“لا تبالغ.”
وقد نفد صبر قائد الحرس، أمر بفتح باب الزنزانة.
أخرج الجندي المفتاح من حزامه وفتح القضبان الحديدية.
كيييك—
ومع صرير الحديد القديم، اقترب قائد الحرس منها.
“في ذلك اليوم، لماذا كان النزل خاليًا؟ وأين ذهب جميع الموظفين؟”
“…….”
لم تجب المرأة.
كانت تحدّق في الفراغ فحسب.
عيناها السوداوان بدتا خاويتين تمامًا.
لم يكن قائد الحرس صبورًا.
نقر بلسانه وصرخ.
“ألا تسمعين ما أقول؟”
عندها فقط تحرّكت المرأة.
بدأت يداها وقدماها ترتجفان بعنف، كما لو أصابها تشنّج.
رفعت رأسها، وفتحت فمها ببطء.
“أُغغ… آآه…….”
مال رأسها جانبًا، ثم انثنى عنقها والتوى.
كانت حركاتها غريبة، لا تُصدّق أنها حركات إنسان.
دردرك—
صدر من جسدها صوت غير مفهوم.
كأنها دمية خشبية قديمة.
“هـ-هيه…….”
تمكّن قائد الحرس بالكاد من إخراج صوته.
قشعريرة زحفت من أطراف قدميه إلى أعلى جسده.
كانت ساقاه المتصلبتان عاجزتين عن الحركة.
انتفض جسد المرأة عدة مرات، وكأنها أفعى تحاول تقيؤ فريسة كبيرة لم تستطع هضمها.
غووووف—
وأخيرًا، اندفع من فمها سائل أسود. سائل مُظلمٌ بلا لون واضح.
ثم سقطت على السرير سقوطًا ثقيلًا.
وبقيت عيناها الفارغتان مفتوحتين، دون أن تُغلقا.
***
بعد أن اكتفت دانا من الاستمتاع بمشاهدة اليراعات، وعادت إلى القصر، ظلّت تتقلّب على السرير طويلًا.
لعلّها كانت متحمّسة بسبب المشهد الجميل، إذ بقيت عيناها مفتوحتين على اتساعهما لساعات.
كلّ شيء في إقطاعية آريا راق لها.
حتى إن عقلها أصبح صافيًا، وكأنها جاءت في إجازة لا في مهمة عمل.
‘عندما أعود إلى العاصمة، سيكون من الصعب أن آتي إلى إقطاعية آريا لفترة… أليس كذلك؟’
وبقلبٍ مثقل بالأسف، جلست دانا على السرير.
ارتدت معطفها مرة أخرى كي تحتفظ بعمقٍ برائحة العشب في هذا المكان.
لا حاجة للذهاب بعيدًا، يكفي أن تتمشّى في حديقة قصر آريا.
تسللت بهدوء خارج الغرفة.
وحين فتحت باب القصر وتوجّهت إلى الحديقة، أنارت مصابيح سحرية خافتةُ الطريق أمامها.
كان فجرٌ مائل إلى الزرقة قد بدأ يشرق.
الأزهار والأعشاب المبتلّة بالندى دغدغت كاحليّْ دانا.
سارت ببطء، مستمتعة بزقزقة الطيور النشيطة.
وعلى عكس القصر الصغير نسبيًا، كانت الحديقة واسعة للغاية.
وبينما كانت تسير، لمحت دانا شجرة ويستيريا ضخمة.
تدلّت الأزهار طويلًا من تحت الأغصان، وتحتها أرجوحة مثبتة بإحكام.
كانت واسعة بما يكفي ليجلس عليها شخصان بالغان.
توجّهت دانا نحو الأرجوحة دونَ وعي.
كأن ضحكات امرأة وطفل كانت تتردّد قرب أذنيها.
مشاعر مبهجة ومفعمة بالحنين اندفعت كالموج.
وبينما كانت تقترب شاردة الذهن، لم تنتبه لما تحت قدميها.
تعثرت قدمها بجذور العشب، وفقدت توازنها.
وفي تلك اللحظة، أمسكت قوة ثابتة بذراعها.
“ما الذي تفعلينه هنا؟”
كان مركيز آريا.
بعد أن استعادت وعيها وثبّتت نفسها، شكرتْه بأدب.
“لم أستطع النوم، فخرجت أتمشّى في الحديقة…….”
“أفهم.”
“وماذا كنتَ أنتَ تفعل، حضرة المركيز؟”
يبدو أنه كان جالسًا على الكرسي المقابل للأرجوحة.
“حين تحدّثتُ معكِ أمس، تذكّرتُ ابنتي.”
“إذًا هذه الأرجوحة كانت تخصّ آنسة المركيز.”
“صنعتُها من أجل ابنتي. وبعدها كنت أركبها مع حفيدتي.”
اغرورقت عينا ليام بالدموع.
كان كأنه يواسي شوقه وهو ينظر إلى الأرجوحة المليئة بذكريات العائلة.
جلست دانا على الكرسي الفارغ إلى جانبه.
“هل يمكن أن تحكي لي قصتها؟”
“بعد حفيدتي، تسألين الآن عن ابنتي؟”
بدا أن سؤال دانا لم يزعجه.
“كانت مشاكسة هي الأخرى. منذ صغرها، كانت تلتقط هذا وذاك وتعود به دائمًا.”
“كانت شخصيةً غريبة الأطوار إذًا.”
ضحك ليام بصوت عالٍ على كلام دانا.
“صحيح. غريبةٌ وبارعةٌ جدًا. كانت تفاجئ والديها دائمًا بما لا يُتوقع.”
“وما أكثر موقف فاجأك؟”
“همم…….”
ارتفعت زاوية فمه.
“حين أحضرتْ زوجها معها.”
تفاجأت دانا قليلًا. فعادةً ما تتزوّج بنات النبلاء ممن تختاره العائلة.
وخاصة في بيتٍ رفيع المقام كبيت مركيز آريا، حيث يفترض اقامة زواج سياسيّ.
“هل وبّختَها؟”
هزّ ليام رأسه نافيًا.
“كانت تبدو سعيدة.”
كيف يمكن أن يغضب، بعد أن رأى تلك الابتسامة المتألّقة؟
تذكّر ضحكة ابنته المشرقة.
‘أشعر أنني سأعيش بسعادة طوال حياتي إن كنتُ مع هذا الرجال!’
حتى ذلك اليقين الذي ملأ عينيها الزرقاوين.
كان الرجل طبيبًا جوّالًا يقدّم خدمات طبية في إقطاعية آريا.
ذو ملامح طيبة، ورجلٌ ودودٌ يذوب تمامًا أمام كلام ابنته.
“لا يمكنني نسيان ما قالته آنذاك.”
ابتسم ليام برضًا وهو يستعيد الذكرى.
“قالت لنا، أنا وزوجتي، ونحن في حيرة من أمرنا.”
وأمام والديها المركيز والمركيزة، اللذان تفاجآ باللقاء المفاجئ، قالت ابنتهما بثقة:
‘أليس من الطبيعي أن يرغب المرء في أن يعرّف عائلته على من يحب؟’
“…….”
“قالت إنها أحبّت ذلك الشخص كثيرًا، لدرجة أنها أرادت حتمًا أن تعرّفنا عليه.”
لم تستطع دانا أن تنطق بكلمة لبعض الوقت.
لأن كلمات المركيز انغرست عميقًا في صدرها.
هل هذا أمر طبيعي فعلًا؟
أن يعرّف الإنسان من يحبُّ على عائلته…….
في حالتها، لم تكن علاقتها بزوجي الفيكونت جيدة.
لم يكن لديها أي نية لتعريفهما على إدوين.
لكن إدوين…….
‘لا، أنتِ لا تعرفين ظروف إدوين جيدًا.’
حاولت دانا تهدئة أفكارها غير الضرورية.
لكن فكرة أخرى قفزت فجأة.
‘إذًا، أليس من المفترض على الأقل أن يحدّثني عن ظروفه؟’
أنا أخبرته بكل شيء بصراحة…….
حين توقّف الصوت الصافي الذي كان يواصل الحديث، ضيّق المركيز عينيه.
كانت الفتاة أمامه غارقة في تفكير عميق.
سألها ليام بنبرة لطيفة.
“هل في قلبكِ شخص ما؟”
اتّسعت عينا دانا من السؤال المفاجئ. وبينما لاحظ تردّدها، قال بهدوء.
“لا تقولي إنّه ذاك الشاب الذي كان معكِ أمس.”
“أه، هذا…….”
وبينما كانت تحاول الإجابة، وقد بدا الانزعاج في نبرته، قال.
“ذلك الشاب… فيه شيء غير مريح.”
“ماذا؟”
“لا ينبغي أن تنخدعي بالمظهر فقط. لا بدّ أنّ لديه نوايا خفيّة.”
كانت هذه أول مرة تسمع تقييمًا قاسيًا لإدوين.
“لكنَّه زوجي……؟”
تنهد المركيز عند سماعه كلامها.
“لقد تزوجتِ به بالفعل…”
’لا بد أنكِ فُتنتِ بوجهه‘. هز الماركيز رأسه يميناً وشمالاً بيأس، فدافعت دانا عن إدوين بسرعة.
“إنه شخص طيب.”
“لم يرفع عينيه عنكِ طوال عشاء الأمس.”
هل فعل؟ كانت مشغولة بالحديث مع المركيز فلم تنتبه.
“هذا تجاوزٌ للمحبّة، إنه تعلّق. رجل لا يستطيع أن يعيش يومًا واحدًا دونكِ.”
انهالت كلمات لا تدري أهي مديح أم ذمّ.
“بما أنكِ متزوجة بالفعل، فلا حيلة لي. آمل ألا يحدث شيء سيئ.”
“…….”
“أنا بارع في قراءة الناس، لكن داخله أسود…… لا، سأتوقف هنا.”
وكأنه رأى أن الاستمرار في الحديث عن زوج دانا غير لائق، نهض المركيز من مكانه.
ونهضت دانا خلفه.
“بالمناسبة، زوجكِ… هل هو من نبلاءَ رفيعي المقام؟”
“لا، أظن أن منزلته قريبة من منزلتي.”
وعند التفكير في الأمر، أدركت أنها لا تعرف حتى مكانة إدوين جيدًا.
فعاد الاضطراب يسيطر عليها.
وكأنه شعر بذلك، قال ليام بحذر.
“من طريقة تناوله للطعام، يتّضح أنه تلقّى تعليمًا صارمًا. بالتأكيد ليس من عائلة عادية.”
“…….”
كانت دانا تفكّر في هذا منذ زمن.
“الزواج ليس علاقة يمكن الحفاظ عليها بالمحبّة وحدها.”
فما الذي يلزم إذًا؟
كادت دانا تسأله، لكنها توقّفت.
كانت تعرف الجواب.
‘الثقة…….’
ومع تلك الكلمات الأخيرة، مضى المركيز عائدًا إلى القصر.
وبينما ابتعدت خطواته، بقيت دانا واقفة في مكانها، شاردة.
التعليقات لهذا الفصل " 85"