الفصل 81
“لقد تغيّر شكلها قليلًا، أليس كذلك؟”
أجاب أحد سكان الإقطاعية، مبددًا فضول دانا.
“كنا نعيد غرس زهور ريميني. في الآونة الأخيرة بدت وكأنها فقدت حيويتها.”
كان أسلوب حديثه أشبه بالتعامل مع طفل صغير.
“رغم مظهرها هذا، فهي حسّاسة جدًا. وعندما يحدث ذلك، يجب نقلها وإعادة غرسها في مكان آخر.”
كل هذه الزهور؟
“لحسن الحظ، تقدّم العمل كثيرًا. أظن أننا سننتهي غدًا.”
عندها تقدّم إدوين خطوة إلى الأمام.
“سأساعدكم أنا أيضًا. لا بأس بذلك، أليس كذلك، دانا؟”
كان إدوين قد لاحظ منذ وصولهما أن عيني دانا تلمعان.
وكان يعرف أيضًا أنها تحب الاعتناء بالنباتات.
“نعم، لنفعل ذلك.”
وكما توقّع، رفعت دانا أكمامها بحماس.
تفاجأت آنسي كثيرًا وحاولت منعهما.
“لا، لا بأس… لا يمكننا أن نُتعب الضيوف بهذه الأعمال……”
“لكنني أعلم أن الكثير من المعالجين الآخرين يساعدونكم أيضًا، أليس كذلك؟”
وكما قالت دانا، كانت إقطاعية آريا مقصدًا لكثير من المعالجين.
كانوا يأتون لدراسة الأعشاب الطبية، ويساعدون في أعمال الإقطاعية.
“اسمحي لنا من فضلك.”
أمام ابتسامة دانا المشرقة، لم تجد آنسي بُدًّا من الموافقة.
‘بالفعل، إنهم مختلفون عن الإداريين السابقين.’
خطر ببالها لايتن وتوني المتغطرسان.
وبينما كانت تشرح قواعد العمل، عرضت آنسي زهور ريميني.
“يجب الحذر من الجذور. هل تودّان لمسها مرة واحدة؟”
مدّت دانا يدها ولمست الزهرة بحذر.
من الجذور، مرورًا بالساق، وحتى البتلات، لامستها أناملها ببطء.
‘لماذا أشعر وكأن الطاقة تتدفق؟’
أمالت دانا رأسها باستغراب.
كانت تشعر دائمًا بطاقة جيدة عندما تكون قريبة من النباتات، لكن اليوم على وجه الخصوص شعرت بأن جسدها أصبح أكثر انتعاشًا.
وبعد الاستماع إلى الشرح، انشغل الاثنان بنشاط في إعادة غرس زهور ريميني.
في تلك اللحظة، اقتربت طفلة ذات شعر وردي مضفور إلى دانا.
“غريب… زهرتك مختلفة عن زهرتي، أيتها الأخت.”
ضحكت دانا عند هذا الكلام غير المفهوم.
“الزهور بطبيعتها تختلف أشكالها.”
“لا، ليس هذا المقصود……”
تمتمت الطفلة، ثم عبست وغادرت.
وبينما تمرّ بجانب الناس، تمتمت لنفسها.
“زهرة الأخت تلمع وتتوهّج.”
لم ينتبه أحد لكلام الطفلة.
باستثناء شخص واحد.
من بين المعالجين الذين كانوا يعملون، نهضت امرأة واقفة.
كانت ميرلين، كبيرة المعالجين في مستوصف الفقراء.
راحت تراقب زهور دانا بصمت.
وعندما رأت الزهور المفعمة بالحياة على نحوٍ لافت، ارتفعت في صدرها نشوةٌ مظلمةٌ خبيثة.
***
بينما كان الجميع منهمكين في العمل، ذهبت آنسي للقاء المركيز.
كان إبلاغه بكل ما يخص شؤون إقطاعية آريا عملها منذ زمن طويل.
كان المركيز يكره إحاطة نفسه بعدد كبير من الناس، ولا يُبقي إلى جانبه سوى قلة يثق بها.
كانت آنسي تتولى إدارة بيت المركيز، وتعمل ككبيرةِ خدمٍ ومساعدةً له، ترفع إليه تقارير شؤون الإقطاعية.
طرق— طرق—
“…….”
عرف المركيز هوية الطارق من وقع الخطوات وحده.
وصمته كان يعني الإذن بالدخول.
دخلت آنسي إلى المكتب وهي تحمل تقريرًا موجزًا عن شؤون الإقطاعية.
وبينما وضعت الأوراق على المكتب، فتحت فمها قائلة.
“اليوم، جاء أشخاص من وزارة السحر.”
“يبدو أنهم راقوا لكِ.”
“…ماذا؟”
اتسعت عينا آنسي دهشة. تابع المركيز حديثه دون أن يرفع نظره عن الأوراق.
“في المرة السابقة، عندما تحدثتِ عن أولئك الإداريين، بدأتِ بالتنهّد أولًا، أليس كذلك؟”
“هل فعلتُ ذلك……؟”
ابتسمت آنسي ابتسامة محرجة.
“الإداريون الذين جاءوا هذه المرة مختلفون حقًا! طيبون ومجتهدون، وقبل كل شيء يقدّرون تعب أهل الإقطاعية!”
في الحقيقة، كانت آنسي تشعر بالضيق منذ فترة.
فالأشخاص الذين يزورون إقطاعية آريا من حين لآخر، لا يهتمون إلا بالتقرب من المركيز، ولا يُبدون أي اهتمام بسهول الأعشاب التي أنشأها أهل الإقطاعية.
بل إن بعضهم، بحجة أن المركيز لا يقابلهم، كان يدوس أحواض الزهور بلا مبالاة.
كانت آنسي تحب أهل الإقطاعية بقدر ما يحبهم المركيز.
ولهذا، كانت تتمنى في قرارة نفسها أن يعترف أحد بجهودهم.
“وفوق ذلك، هم الآن يساعدوننا طوعًا في إعادة غرس زهور ريميني!”
دوّى صوت آنسي المفعم بالفرح في أرجاء المكتب.
“اهدئي.”
“نـ… نعم…….”
عندما تذمّر المركيز، أغلقت فمها فورًا.
لكنها لم تستطع إخفاء عينيها المتلألئتين.
‘هل هي سعيدة إلى هذا الحد؟’
ابتسم المركيز في داخله.
“على الأرجح سيكتفيان بتلطيخ أيديهما ببعض التراب ثم يرحلان.”
“لا، ليس صحيحًا! إنهم يعملون بجد كأيٍّ من أهل الإقطاعية!”
ليتني أستطيع أن أري حضرتكَ ذلك…….
تبدّت على وجه آنسي ملامح الحزن.
كان المركيز يعلم أن آنسي لا تكذب أبدًا.
وكان يفضل من يسيرون على النهج القويم، المجتهدين، الصادقين.
ولهذا أبقاها إلى جانبه كل هذه السنوات.
كما أنها كانت تمتلك نظرة ثاقبة في الحكم على الناس.
‘إن كانت تتحدث بهذا القدر، فلا بد أنهم أشخاص جيّدون فعلًا.’
ورغم مراقبتها لردّة فعله، لم تستطع آنسي التوقف عن الكلام.
“لقد سألوا أولًا عمّا إن كان أهل الإقطاعية يواجهون صعوبات، بل وقدموا لهم حتى جرعاتٍ تساعد النباتات على النمو!”
“كفى كلامًا.”
“حاضر…….”
وأخيرًا، أصدر المركيز أمره.
“دعيهم يمكثون في قلعة المركيز.”
“ماذا؟”
شهقت آنسي من شدة المفاجأة.
فهو شخص يكره الغرباء، لا يستقبل الضيوف، ولم يصعد إلى العاصمة قط.
والآن يسمح بدخول أشخاص إلى القلعة؟
وقفت آنسي مذهولة لا تنطق بشيء، فصدر صوت فاتر.
“لماذا، أهو أمر غير مرغوب فيه؟”
غير مرغوب؟ مستحيل.
وعند سماع كلماته التالية، لوّحت آنسي بيديها على عجل.
“أبدًا! سأبلغهم أن المركيز أمَر بذلك خصّيـصًا!”
خرجت آنسي من المكتب بحماس.
‘أخيرًا، المركيز سيقابل أشخاصًا جددًا!’
وقبل أن يغيّر رأيه، أسرعت نحو حديقة الزهور.
‘أتمنى أن يكون هذا اللقاء عزاءً بسيطًا للمركيز.’
كانت آنسي تتمنى من أعماق قلبها أن تهب نسمة ربيع على قلب المركيز القاحل.
***
وبحلول ذلك الوقت، كان الشفق قد بدأ يهبط ببطء.
وعندما صبغت السماء القرمزية حديقة الزهور، ازداد المشهد بهاءً.
توقفت دانا عن العمل قليلًا، ونظرت إلى الزهور أمامها.
وحين امتلأت عيناها بتلك الألوان الجميلة، شعرت وكأن عقلها يغيم، كأنها تحلم.
حتى بعد قدومها إلى الإقطاعية، لم تطفُ ذكريات طفولتها إلى السطح.
‘لكن قلبي أصبح أكثر طمأنينة.’
هذا السلام المتلألئ… لن تنساه مدى حياتها.
في تلك اللحظة، جاءت آنسي من بعيد.
صفّقت بيدين مبتهجتين، ووجهها مشرق.
“يا إلهي، لقد أنهيتم العمل كله! أحسنتم جميعًا!”
وعندما شكرتهم آنسي، صفق أهل الإقطاعية بدورهم.
“لقد حان وقت العشاء!”
“أخيرا، كنت أشعر بالجوع.”
عاد المعالجون القادمون من خارج الإقطاعية لتناول العشاء مع أهلها.
وبعد أن خلت حديقة الزهور من الناس، اقترب إدوين من دانا.
“هل تعبتِ؟”
“لا، على العكس، كنت مفعمة بالطاقة. لدرجة أن الأمر غريب.”
تبادلت دانا وإدوين النظرات وابتسما.
عندها، جاءت الطفلة التي كانت قد اقتربت من دانا سابقًا، وهي تمسك بيد آنسي.
“انظري! ألم أقل إنني على حق؟”
وأشارت الطفلة بإصبعها الصغير إلى الزهور التي غرستها دانا.
“هل هناك خطب ما؟”
سألت دانا بارتباك، فأوضحت آنسي بهدوء.
“هذه الطفلة تصرّ على أننا يجب أن ننظر إلى زهور الإدارية. تقول إنها أكثر نضارة…… يا إلهي!”
تابعت آنسي كلامها وهي مذهولة بصدق.
“إنه صحيح فعلًا؟”
“أرأيتِ!”
وضعت الطفلة يديها على خصرها بتفاخر.
انحنت آنسي قليلًا، وراحت تتفحّص الزهور بعناية.
“حقًا، الزهور التي لمستها الإدارية فقط هي الأكثر نضارة! هل لديكِ سرّ ما؟”
كان إعجابها الصادق هو ما أربك دانا.
“أنا فقط فعلتُ ما علمتِني إيّاه…….”
“لا، لا…… قارنِيها بزهور الآخرين. إنها أكثر حيوية بكثير!”
عندها فقط، نظرت دانا حولها.
كانت الزهور التي غرستها بيديها وحدها، تبدو وكأن الضوء قد اختارها دون غيرها.
“حتى أنا أراها كذلك. هذا مذهل.”
شدّ إدوين يد دانا بإحكام.
راقبت آنسي دانا، التي بدت في حيرة، بنظرة متفحصة.
“زهور ريميني تصبح أكثر حيوية عندما تلامسها أيدي أهل الإقطاعية. لكن الفرق عادةً يكون ضئيلًا جدًا.”
هذا غير معقول…….
أمالت آنسي رأسها قليلًا.
“هل أنتِ من إقطاعية آريا؟”
التعليقات لهذا الفصل " 81"