الفصل 80
“رحلة موفّقة. وأنتً خصوصًا أيها المُستجدّ، تعلّم الكثير هناك.”
هزّ توني كتفيه.
كان اليوم هو يوم رحلة دانا وإدوين.
“سنعود بسلام.”
بعد أن ألقت دانا التحية على الموظفين، غادرت المكتب مع إدوين.
وبما أن المسافة بعيدة جدًا، كان لا بد من استخدام البوابة الموجودة في الطابق السفلي.
وعند النزول، لا بد أن وزير السحر سيكون بانتظارهم لفتح البوابة.
وبينما كان إدوين يسير بمحاذاة دانا حاملاً حقيبة الأمتعة، سألها.
“بماذا تفكّرين؟”
لم يكن وجه دانا على ما يرام.
“أشعر بعدم ارتياح قليلًا…… فحادثة الجُرعات لم تُحلّ بشكل واضح بعد.”
“سيكون الأمر على ما يرام. إنها مجرد رحلة ليوم واحد لا أكثر.”
ابتسم إدوين بخفة ليطمئنها.
في الحقيقة، وخلال اقتراب موعد الرحلة، كان قد أمر قائد ادارة الأمن عبر مساعده بمراقبة قضية الجرعات عن كثب.
‘إن كان لديه ذرة عقل، فسيتحرّك هذه المرة بشكل صحيح.’
تذكّر إدوين أخطاءه السابقة.
طباعه المتراخية التي أدّت إلى عدم ملاحظة أخطاء مرؤوسيه.
ما إن وصلا إلى البوابة، حتى أحاط بهما ضوء أبيض.
كان الوصول إلى إقليم آريا لحظيًا.
***
يقع إقليم آريا جغرافيًا بالقرب من الشمال، منطقة القضاء على الوحوش.
ورغم الطقس البارد، لم تكن نباتات التطهير تنمو سوى هناك، ولذلك أطلق الناس عليه اسم ‘أرض البركة’.
كان حاكم آريا يحمل لقب مركيز، ومع ذلك نادرًا ما كان يغادر الإقليم.
بدا وكأنه يكرّس نفسه بهدوء لإدارة أراضيه.
حين وصل الاثنان إلى إقليم آريا عبر البوابة، انبسط أمامهما سهل أخضر شاسع.
“يا إلهي، إنه جميل فعلًا!”
هتفت دانا بإعجاب صادق وهي تمشي فوق العشب.
الأعشاب الطبية النادرة في العاصمة كانت هنا منتشرة في كل مكان.
أزهارٌ ذات أشكال فريدة أطلقت ضوء تطهيرٍ أبيض، وكانت الأرانب تقفز بألفة فوق السهل.
ابتسم إدوين تلقائيًا وهو يرى ابتسامة دانا المشرقة.
كما شعر من قبل، بدا أن دانا تتلقى طاقة طيبة حين تكون مع الطبيعة.
حطّ طائر صغير على كتف دانا.
“كما توقعت، جنية الغابة…….”
وعند مزح إدوين، وخزته دانا في خاصرته وكأنها تطلب منه التوقف.
في تلك اللحظة، اقتربت منهما امرأة ذات ابتسامة ودودة.
“هل أتيتما من وزارة السحر؟”
“نعم، نحن من قسم إدارة الجرعات.”
“أنتما مختلفان عن الموظفِين الذين جاؤوا في المرة السابقة.”
كان وجه المرأة يبدو مشرقًا على نحوٍ ما وهي تقول ذلك.
‘هل هو مجرد وهم……؟’
لم يدم استغراب دانا طويلًا، إذ بدأت المرأة بالتعريف عن نفسها.
“أنا آنسي، أعمل تحت إمرة المركيز. أتولى إدارة القلعة وشؤون الإقليم.”
وعندما نزعت غطاء رأسها، برز شعرها بلون وردي خفيف.
اتّسعت عينا دانا قليلًا عند رؤية ذلك اللون الفريد.
وتابعت آنسي كلامها.
“جئتما لتفقّد زهرة الريميني، إحدى مواد الجرعات، أليس كذلك؟ اتبعاني.”
وخلال سيرهما خلفها، هبّت نسمة لطيفة تحت ضوء الشمس.
كانت الرياح الناعمة محمّلة برائحة العشب المنعشة.
كانت دانا، وهي بين أحضان الطبيعة، تنبض بالحيوية.
“جميلةٌ جدًا.”
عندما دفع إدوين بخفة خصلات شعر دانا المتناثرة خلف أذنها، لمعت عيناها.
“صحيح، كلُّ منظر هنا يبدو كلوحة فنية.”
كان الاثنان يشيران لأشياء مختلفة، لكن إدوين قرر أن يتركها تستمتع بسعادتها.
سرعان ما ظهر حقل واسع من الزهور البنفسجية.
“هل كل هذه زهور الريميني؟”
أُذهلت دانا من هذا المنظر الرائع.
كانت بتلات البنفسج مصطفة بكثافة، وبينها تتخلَّل أوراق خضراء.
وكان ضوء التطهير الذي تصدره زهور الريميني يتلألأ بالذهب حين يلتقي بأشعة الشمس الصفراء.
“هل تريدان الاقتراب أكثر؟”
أخذت آنسي الاثنان إلى قلب الحقل.
أحاطت دانا رائحة هادئة وحلوة.
“رائحة حلوة جدًا، أليس كذلك؟”
عندما أُدهشت دانا، ابتسمت آنسي.
“في الخارج يُستخدم الريميني فقط كعشب طبي، لكن في إقليم آريا يُستعمل للشاي أو في الحلويات أيضًا.”
“حقًا؟ لم أكن أعلم، لطالما رأيته فقط في الجرعات.”
رأت آنسي دانا وهي تُعجب بصدق، وابتسمت برضا.
بدا أنها مختلفة عن الموظفين الذين جاءوا العام الماضي واطلعوا على الزهور مرورًا فقط.
نادَت آنسي بعض سكان الإقليم الذين كانوا يعملون في الحقل.
“هؤلاء من وزارة السحر، إدارة الجرعات.”
“أليسوا نفس الأشخاص الذين رأيناهم من قبل؟”
عندما اكتشف سكان الإقليم إدوين ودانا، تجمعوا حولهما.
“الزهور جميلة جدًا. يبدو أنكم اعتنيتم بها جيدًا.”
ابتسم الجميع ابتسامة مشرقة لرد دانا.
ثم بدأوا يشرحون لها عن زهور الريميني بتفصيل. كانوا لطفاء تمامًا مثل آنسي.
‘لكن، كلهم شعرهم وردي…؟’
لاحظت دانا لون شعرهم عن غير قصد.
ثم انفجرت آنسي بالضحك.
“أول مرة ترينه، أليس كذلك؟ جميع سكان إقليم آريا لديهم شعر وردي.”
أسرعت دانا بالاعتذار عندما أدركت ما فعلته.
“آسفة، سحرني الأمر للحظة……”
“لا بأس، هذه ميزة خاصة بإقليمنا، فمن الطبيعي أن تندهشي.”
‘إذن، أنا لستُ من سكان إقليم آريا.’
كانت تفترض ذلك لأنهم اكتشفوها هناك، لكن مجرد النظر إلى لون الشعر دلّ على أن هذا الإقليم ليس موطنها.
‘ربما كان مجرد محطة في رحلتي.’
تلاشى افتراضها، وشعرت بمرارة صغيرة كما لو غرقت في متاهة.
‘ركزي، أنتِ في مهمة عمل.’
توقفت دانا عن التفكير وواصلت الكلام.
“هل يمكنني فحص الزهور عن كثب؟ أحتاج أيضًا لجمع معلومات عن بيئة الإقليم.”
كان الوقت قد حان للبدء بالعمل الرسمي للرحلة.
“بالطبع، تصفحوا كما تشاؤون.”
ابتسمت آنسي بسرور لرؤيتهما بحماس.
أخرجَ إدوين من حقيبته بعض الأدوات السحرية.
كانت أدواتٍ لفحص حالة التربة.
“سوف نبدأ إذن.”
بعد تعديل عصا زجاجية شفافة، وضعها في وسط الحقل، وبدأ الضوء يتصاعد من الأسفل.
وبمرور الوقت، امتلأت العصا بضوء أخضر.
“حالة التربة ممتازة.”
ابتسم سكان الإقليم بفخر عند سماع كلام إدوين.
ثم بدأت دانا بفحص زهور الريميني بعناية.
بدأت بتسجيل التفاصيل بدقة لمعرفة مدى صلاحيّتها لصنع الجرعات، وحالة كل زهرة.
“هل تواجهون صعوبة في العناية بالحقل؟ وهل أوقات العمل مناسبة لكم؟”
أجابت آنسي بمدح المركيز.
“لا، فالمركيز يعتني بنا جيدًا.”
أومأ من حولها مؤيدين كلامها.
كان واضحًا من النظرة الأولى العلاقة الوثيقة بين المركيز وسكان الإقليم.
بعد ذلك، ذهب دانا وإدوين لرؤية أعشاب أخرى غير الريميني.
أجاب سكان الإقليم عن جميع أسئلتهما بسلاسة، وأثبتت الحقول المُدارة جيدًا اجتهادهم.
تكدست تقارير الإدارة بالتسجيلات الدقيقة والمنظمة.
انتهت الأعمال بعد ظهر اليوم.
“نكتفي بهذه الجولة. لا أرى أي مشكلة في تسليم الجرعات.”
“لم أر من قبل أشخاصًا يهتمون بهذه الدقة. نحن سعداء لأننا استطعنا عرض إقليمنا لكم بتفصيل.”
قالت آنسي وهي مبتسمة.
“حان الوقت للعودة إلى السكن. سأرافقكم.”
عادا خلفها عبر الحقول مرة أخرى.
ظل حقل الريميني الذي رأوه أولًا كما هو، والناس هناك لم يغادروا.
لوّح سكان الإقليم لإدوين ودانا.
“شكرًا لكم على مجهودكم!”
“لا داعي للشُكر، بالمناسبة، بماذا كنتم منشغلين؟”
عندما رأت أيديهم مغطاة بالتراب، سألت دانا.
“كنا نعتني الطفل المدلّل.”
ماذا؟
حركت دانا رأسها باستغراب، فانفجر الناس بالضحك.
“يبدو أنك لا تعرفين زهور الريميني جيدًا.”
“آه، صحيح… يبدو أن شكل الحقل تغير قليلًا.”
هل كنت مخطئة؟
نظرت دانا مرة أخرى بعناية إلى الحقل.
التعليقات لهذا الفصل " 80"