الفصل 79
كانت الأعشاب الطبية التي تخرج من إقليم آريا موادَّ أساسية لصناعة الجرعات.
رحلة عمل صغيرة جدًا تمتّ لسنوات من دون أيّ حوادث تُذكر.
كان من المفترض أن يكتفي توني بالإجابة باختصار على كلمات رؤسائه بـ “سأذهب وأعود بخير”.
‘سأكتفي بملء المقعد وأعود.’
وهكذا لم يرفع توني عينيه عن الأوراق طوال ساعة كاملة.
كان يكتفي بهزّ رأسه موافقًا على آراء الرؤساء.
وفي تلك اللحظة—
“أليست هناك رحلة عمل لقسم إدارة الجرعات هذه المرة؟”
في توقيتٍ غير متوقَّع، ارتفع صوت وزير السحر.
هل يعقل أنه يناديني؟
رفع توني رأسه بحذر، ثم شهق وهو يستنشق الهواء.
كانت كل الأنظار موجّهة نحوه.
“نـ، نعم!”
أجاب توني المتجمّد بصعوبة، فتابع ديريك كلامه.
“وجهة الرحلة هي إقليم آريا، أليس كذلك؟ المكان المشهور بنباتات التطهير.”
“هذا صحيح……!”
اتخذ ديريك تعبيرًا جادًا.
“الانطباع عن موظفي قسم إدارة الجرعات في إقليم آريا ليس جيدًا.”
على مدار عدة سنوات، كان من يذهب في رحلات آريا هما لايتن وتوني.
كانا يملآن الأوراق على عجل، ثم ينامان بتكاسلٍ في السكن المخصّص لهما.
كانا يظنّان أن المركيز لا يخرج كثيرًا من قلعته، وبالطبع لن يهتمّ بهما.
لذلك كانا يذهبان معًا وكأنها إجازة.
‘كان يعرف كل شيء…….’
ارتجفت كتفا توني بعدما أدرك أن إهمالهما في العمل قد انكشف.
وتابع ديريك.
“لا داعي لكل هذا الخوف. ما أودّ قوله هو أنه من الأفضل إرسال موظفين جدد.”
“نعم، نعم! مفهوم!”
“ويُفضَّل أن يكونوا من ذوي الخبرة القليلة في الرحلات.”
هزّ توني رأسه بحماس.
“جيد، البند التالي.”
غيّر ديريك موضوع الاجتماع بسلاسة.
إذا أُرسل الأمير الثالث، فمن الطبيعي أن تتبعه زوجته.
‘يجب أن أنهي قضية الجرعات خلال ذلك الوقت.’
خطّةٌ شرّيرة خطرت في ذهن ديريك.
***
بعد انتهاء الاجتماع، عاد توني إلى المكتب بمظهرٍ متفاخر.
كان يخاف من رؤسائه حدّ الذعر، لكنه دائمًا متعالٍ أمام من هم دونه.
قام باعطاء إدوين ‘أمر رحلة العمل’.
“رحلة ‘إقليم آريا’ هذه سيتولاها الموظفون الجدد.”
“ألم تكن أنت من يذهب عادةً يا توني؟”
سألت كيرا باستغراب، فاحمرّ وجه توني.
“إقليم آريا موطن أعشاب يزوره جميع المعالجين! سيتعلم المُستجدّ لو ذهب!”
تعمّد تجاهل حقيقة أنه هو من شوّه صورة قسم إدارة الجرعات.
وعند قوله إن كلَّ ذلك من أجل إدوين، ضيّقت كيرا عينيها.
‘هذا غريب. ليس من طبيعته أن يهتم بالمرؤوسين إلى هذا الحد…… أليس كذلك؟’
انتقلت نظرتها المريبة إلى دانا. فأومأت دانا برأسها بخفّة.
في الحقيقة، كانت دانا متفاجئة قليلًا.
‘إقليم آريا…….’
لا شك في الأمر.
كان ذلك المكان الذي عثر فيه الفيكونت هارتوين عليها وهي صغيرة.
“المُستجدّ يختار بنفسه من يرافقه. الأمر واضح على أي حال.”
ناول توني أمرًا آخر ثم صاح بالجميع.
“هيا بنا نتناول الغداء معًا!”
خرج الموظفون في جماعاتٍ صغيرة لتناول الطعام.
وفي المكتب الذي عمّه الهدوء، سحبت دانا كرسيها واقتربت من مكتب إدوين.
“رحلة العمل… مع من ستذهب؟”
انحنى طرف فم إدوين عندما رأى ابتسامتها العابثة.
“هناك شخص أودّ أن يرافقني…… لكنني لا أعلم إن كان سيقبل.”
“إذن اطلب منه. توسّل إليه بلا حدود.”
تلألأت عينا دانا بمكر.
لم يتراجع إدوين وردّ عليها فورًا.
”هل يجب أن أركع على ركبتيَّ مثلاً؟”
فضحكت عندها.
“أظن أنني لن أستطيع التفوّق عليكَ بالكلام ما حييت.”
مستحيل. كان مستعدًا لفعل أي شيء لو قالت دانا كلمةً واحدة فقط.
أمسك إدوين بيدها برفق.
“ستأتين معي، أليس كذلك؟”
“بالطبع. كنتُ أنوي الذهاب معكَ منذ البداية.”
عندها ابتسم إدوين وهو يحمل علبة الغداء. وكعادتها، تبعتْه دانا نحو نافورة الحديقة الخلفية.
كان تناول الغداء معًا من علبة إدوين أمرًا اعتادت عليه بالفعل.
جلس على المقعد أمام النافورة، وفرش منديلًا في مكان دانا كعادته، ثم رتّب علبة الغداء بعناية.
نظرت دانا إلى زوجها بدهشة.
“لم أفكّر يومًا أنني كثيرة النوم.”
“نعم.”
أخرج عصير التفاح وقدّمه لها.
“لكن حين أنظر إليك، أتعجّب من نشاطك الزائد.”
كانت دانا تفتخر بأنها تستيقظ باكرًا هي الأخرى.
ومع ذلك، كلما استيقظت كان الغداء قد أُعدّ مسبقًا.
بل حتى الزيّ المكويّ والفطور كانا جاهزين بإتقان.
كان إدوين مثاليًا في شؤون البيت.
“هل لديكَ سرّ لا أعرفه؟”
وهي تسأله بصدق، وضع قطعة الشطيرة في فمها.
”يقال إن هناك أشخاصاً يولدون بقدرة على الاكتفاء بنوم قليل.”
“هكذا إذن.”
مرّر إدوين الحديث بخفة.
القوة الجسدية الفطرية كانت سمة من سمات عائلة هيدرون.
أبناء العائلة الإمبراطورية، من سلالة التنانين، يستطيعون الصمود أيامًا بقليل من النوم والطعام.
وكان إدوين من أصحاب البنية المميّزة حتى بينهم.
“ستجوعين. كلي بسرعة.”
بدأت وجبتهما بشطيرةٍ على ذوق دانا تمامًا، وتبادل الاثنان حديثًا دافئًا.
ومع عصير التفاح الحلو كتحلية، فتحت دانا موضوع الرحلة.
“إقليم آريا في شمال الإمبراطورية، ويقال إن الطقس هناك بارد.”
“إذًا علينا أن نحضّر ملابس ثقيلة.”
“إدوين…….”
فتحت دانا أمرًا كانت تخبّئه في قلبها.
“في الحقيقة، تفاجأت كثيرًا عندما ذُكر إقليم آريا قبل قليل.”
نظر إليها إدوين بحذر.
نادراً ما كانت دانا تُظهر اضطرابًا عاطفيًا. وكونها تقول هذا، فلا بد أن الأمر كبير.
في الآونة الأخيرة، لم تعد دانا تُظهر كآبة الماضي.
وهي لا تعلم كم كانت حالتها تؤثّر في إدوين.
“ما الأمر؟”
عند سؤاله، بدأت دانا بالكلام.
“في المرة السابقة، عندما تحدثنا مع زوجَي الفيكونت في السجن، قالا إن المكان الذي عُثر عليَّ فيه كان إقليم آريا.”
“حقًا؟”
لا بد أنها صُدمت كثيرًا.
أمسك إدوين بيدها، آملًا أن يمنحها ذلك بعض الدفء.
هزّت دانا رأسها.
“كنتُ متفاجئة حينها، فلم أستطع أن أحكي لكَ التفاصيل.”
كانت مرهقة حتى من مجرد شرح الوضع.
فكيف لها أن تذكر اسم المكان تحديدًا؟
“فكّرتُ أنه ربما يكون له علاقة بوالديّ الحقيقيين. أردت أن أزوره مرة على الأقل، لكنني كنت مشغولة طوال الوقت.”
“قصّرتُ في التفكير. كان يجب أن أتحرّى الأمر أولًا.”
ابتسمت دانا بخفة عند قوله ذلك.
“لماذا تلوم نفسكَ؟ لا تفعل.”
تذكّرت آخر حديث لها مع البارون.
‘كانت المرأة تضمّكِ بقوة، كأنها تحميكِ، وحولكما بقايا عربة محطّمة.’
لم تغادر تلك الكلمات ذهنها منذ ذلك الحين.
من كانت تلك المرأة؟
ولماذا حاولت حمايتها حتى لحظاتها الأخيرة؟
كلما فكّرت بتلك المرأة التي لا تعرف وجهها، اجتاحتها مشاعر غامضة.
‘هل كانت أمي؟’
وكلما وصل تفكيرها إلى هناك، شعرت وكأن صدرها يتمزّق.
نظر إليها إدوين ثم أحاط كتفيها بحذر.
ما احتاجته دانا الآن لم يكن كلمات مواساة، بل دفئًا صامتًا.
وقد فهم إدوين ذلك، فتركها تتكئ عليه دون كلام.
ربّتت دانا على يده الكبيرة الموضوعة على كتفها وابتسمت.
“أتهدّئني؟ لكنني بخير فعلًا.”
ثم تابعت.
“لديّ عائلة أشاركها حياتي الآن. لذلك، لم أعد حزينَةً كما كنت.”
استقرّ نظرها الدافئ على إدوين.
عائلتي الوحيدة، زوجي.
كان وجوده وحده عزاءً عظيمًا.
“أريد أن أزور إقليم آريا بنفسي خلال هذه الرحلة. ربما تعود إليّ ذكرى صغيرة ما.”
“لا داعي للاستعجال، ولا ترهقي نفسكِ.”
ابتسمت دانا أمام قلق إدوين.
التعليقات لهذا الفصل " 79"