الفصل 78
كانت خطواتٌ قلقة تقترب شيئًا فشيئًا.
همم.
اتكأ ديريك على الكرسي وأغمض عينيه.
لم يكن هناك شيءٌ يحدث في وزارة السحر يجهله ديريك.
ولهذا كان واثقًا أيضًا من صاحب تلك الخطوات.
طَقّ طَقّ— دوَى صوت طرقٍ على الباب.
“…….”
زاد ديريك من توتر الرجل خلف الباب بصمته.
بعد لحظة، قال السكرتير بول ببرود.
“من إدارة العلاج السحري…….”
“دعني أدخل! سأدخل بنفسي!”
وكأنه لا يستطيع الانتظار ثانية واحدة، دفع المدير بول وفتح الباب.
ومع ضجيجٍ فظّ، جلس المدير على أريكة المكتب.
بدا أنه ركض طوال الطريق؛ ابتلع أنفاسه المتلاحقة ثم نظر إلى ديريك.
“معالي الوزير، لقد جاء المحققون للتو. ذلك اللعين لايتن لم يُحرق الرسائل التي تبادلناها!”
كانت حقيقة يعرفها ديريك مسبقًا.
صرخ المدير بعينين يملؤهما القلق.
“سيُجرى فحص الخط قريبًا. ماذا عليّ أن أفعل؟!”
على عكس صوته اليائس، بدا ديريك هادئًا تمامًا. ظل على حاله، عاقدًا ذراعيه ومغمضًا عينيه.
“معالي الوزير!”
كان المدير على وشك الاحتجاز، بينما كان ديريك هادئًا إلى حد يثير الغيظ.
لم يتمالك المدير نفسه وصرخ فيه.
“لم أرتكب ذنبًا سوى تنفيذ الأوامر! ستُساعدني، أليس كذلك؟”
حينها فقط فتح ديريك عينيه.
“هل لديكَ دليل؟”
“……ماذا؟”
“دليل. هل لديكَ أم لا؟”
فتح المدير فمه وقد تجمّد من الصدمة. كان ديريك يكلّفه بالمهام شفهيًا دائمًا.
فكّر يومًا في أخذ أداة تسجيلٍ سحرية، لكنه تراجع، إذ كان ذلك يتطلب إذن ديريك نفسه.
انهار وجه المدير تمامًا.
“لقد كنتُ وفيًّا حتى الآن. كلُّ ذلك من أجل معالي الوزير…….”
“من أجلي؟ إذًا هل تستطيع إعادة ما أخذتَهُ مني طوال تلك الفترة؟”
عندها أطبق المدير فمه بقوة.
كان هناك سبب آخر لطاعته أوامر ديريك.
ففي كل مرة يُنجز فيها عملًا، كان ديريك يمنحه عددًا كبيرًا من العملات الذهبية.
ليست شيكات، لذا لم يكن هناك أي سجل.
“هل ستفعل بي هذا…… حقًا؟”
تحوّل وجه المُدير من الأحمر إلى الأسود.
كانت يداه فوق ركبتيه ترتجفان بعنف.
كان يعلم أكثر من أي أحد أن اختلاس الجرعات جريمة كبرى.
وإن تخلى عنه الوزير……
‘سأتعفّن في السجن لبقية حياتي!’
كان ذلك ظلمًا.
فالمجرم الحقيقي شخصٌ آخر!
وهو لم يرتكب سوى ذنب تنفيذ الأوامر!
وأخيرًا، انقطع خيط العقل الذي كان المدير يتمسك به بصعوبة.
“اسمع جيدًا! سأذهب حالًا إلى فرقة الأمن وأعترف! سأقول إن كل هذا من تدبيرك!”
عندها انفجر ديريك ضاحكًا.
تردّد صدى ضحكةٍ منخفضة داخل المكتب.
“آه، آسف. لكنه تهديد مؤثّر أكثر من اللازم.”
“…….”
“في الحقيقة، أنتَ لا تريد الاعتراف، أليس كذلك؟ أنت تريدني أن أساعدك.”
حين انكشف ما في قلبه، تلوّن وجه المدير بالخزي.
نهض ديريك من مكانه واقترب من الأريكة.
ثم جلس في المقعد الرئيسي وفتح درج الطاولة.
وظهر صندوقٌ ذهبي فاخر، يبدو عالي القيمة من النظرة الأولى.
وضع ديريك الصندوق فوق الطاولة وقال بنبرة هادئة.
“اهدأ. لنتحدث بهدوء. هل هناك من يعرف المزيد عن هذا الأمر؟”
أجاب المدير وهو يكبت غضبه بصعوبة.
“لا يوجد. التقى أفرادُ فرقة الأمن بموظفي قسم إدارة الجرعات، لكن يبدو أنهم أيضًا لا يعرفون التفاصيل.”
“إدارة شؤون الجرعات؟”
اشتدّ صوت ديريك حدةً.
“هل تتذكر من كانوا؟”
“أظن أنهما كانا موظفًا أشقرَ طويلَ القامة، وموظفةً ذاتَ شعرٍ طويل…….”
لا شك في الأمر. كانا الأمير الثالث وزوجته.
‘يجب إبعادهما مؤقتًا.’
كم يعرف الأمير الثالث بالضبط؟
كان لا بد من إنهاء القضية بسرعة.
“معالي الوزير، وماذا سيحلّ بي أنا؟”
تجاهل ديريك كلامه وغرق في التفكير.
عندها صكّ المدير على أسنانه ونفث غضبه نحوه.
“أنا أعرف الكثير. أعرف كم من الشرور ارتكبَتهَا أسرة دوق تشايلد!”
“شرور؟”
وبوجهٍ بريء يوحي بأنه لا يعرف شيئًا، صاح المدير فيه.
“أين تظن أن كل تلك الجرعات تُستخدم؟ في تجارب على الوحوش أو على البشر!”
“وهل يُعدّ ذلك شرًّا؟”
على العكس، بدا المدير مرتبكًا من نبرة ديريك اللامبالية.
وتابع ديريك كلامه.
“أن نستخدم حيواتٍ دنيا عديمةَ الفائدة كموادّ تجارب، أليس في ذلك ما يستحق الشكر بدل اللوم؟”
ومالَ رأسه وكأنه لا يفهم إطلاقًا.
“ومن بينهم من يعيش حياةً مليئة بالعذاب. نحن فقط نفرّغ عقولهم، فما المشكلة في ذلك؟”
“تفريغ عقولهم يعني…….”
“حرفيًا، أن يعيشوا بلا تفكير.”
ارتفعت زاوية فم ديريك.
“بدل أن يُجهدوا عقولًا سيئة، أليس من الأفضل لهم أن يطيعوا ما يمليه عليهم الأذكى؟ ستكون حياةً أنفع لهم بكثير.”
“مجنون……!”
انفلتت الشتيمة من فم المدير.
ألم يكفِ أنهم أجروا تجارب على البشر بالجرعات، بل يقوموا بغسل الأدمغة أيضًا؟
كانت تقنيات غسل الدماغ محظورةً بشدة في الإمبراطورية.
ومع ذلك، وزيرُ السحر نفسه يمارس السحر الأسود!
نظر ديريك إلى المدير المرتجف وسأله.
“هل لديكَ حقّ انتقادي؟”
اختفت ابتسامته في لحظة.
“أنت توقعتَ ذلك أيضًا، لكنك لم تُمعن البحث.”
كان كلامه صحيحًا.
أعماه الذهبُ الكثير، فلم يُبالِ.
وعندما قيل له إن حاله لا يختلف كثيرًا، تقلّص وجه المدير.
كانت الحيوية تتلاشى منه بفعل الصدمة التي تلقّاها.
ابتسم ديريك مجددًا بلطف وهدّأه.
“لا بأس. فلنفكّر أولًا في طريق نجاتك.”
فتح ديريك الصندوق الذي أخرجه سابقًا.
كانت سيجارٌ فاخرة ملفوفة بعناية ومرتبة بدقّة.
“استرخِ قليلًا أولًا.”
بدا كأنه اختارها على ذوق المدير المعروف بوَلعِه بالتدخين.
وقد بلغ القلق ذروته لديه، فكان بحاجة ماسّة إلى سيجارة.
وبلطفٍ مبالغ فيه، قطع ديريك طرف السيجار بنفسه.
تشيييك—
ما إن اشتعلت النار حتى أخذ المدير يمصّ السيجار بنهم.
ومع ضبابية ذهنه، بدأ جسده يرتخي ببطء.
ومع سحبةٍ عميقة أخرى حتى غاص خدّاه، تلاشى وعيه أكثر.
أغمض عينيه ببطء.
لم يكن هذا مجرد استرخاء…….
لم تعد أي قوة تسري في جسده كله.
كان كأنه يُسحب بلا مقاومة إلى مستنقعٍ لزج.
“لقد بذلتُ قصارى جهدي من أجلكَ.”
دار صوت ديريك حول أذنيه ثم تلاشى.
”لماذا تبادلتَ الرسائل بغباء؟ بسبب ذلك، تم تفتيش منزل ذلك الرسول أيضًا.”
طَرخ—
انهار جسد المدير جانبًا.
نهض ديريك من مكانه وهو ينظر إلى الجسد الممدّد على الأريكة الطويلة.
“لن يكون الأمر مؤلمًا.”
“…….”
تحرّك جسد المدير بارتعاشةً خفيفة.
كانت تلك أقصى مقاومة استطاعها.
“لقد كنتَ تسرّب الجرعات وتحقق منها مكاسب، وبهذه الحادثة قررتَ إنهاء حياتكَ بنفسك.”
قال ديريك ذلك بلا اكتراث.
وعند سماعه أنه سيُلفَّق له الانتحار، رمش المدير بعينيه.
وانحدرت الدموعُ بضعف على وجهه.
***
بعد مغادرة المحققين، ظلّ جوّ قسم إدارة الجرعات مضطربًا لفترة.
وكان توني، على وجه الخصوص، يرتجف من شعور الخيانة وهو يمسح دموعه باستمرار.
ما إن انتهى التحقيق حتى أخذت شرور لايتن تشيع بين الموظفين.
وبفضله، استطاعوا هم أيضًا أن يخمّنوا على نحوٍ عام ما الذي كان يفعله لايتن.
ولم يهدأ توني من نشيجه طوال اليوم، كأن مظلمته لم تُرفع بعد.
“سيد توني، ألم تقل إن هناك اجتماعًا اليوم؟”
قالت كيرا بعدما ضاقت ذرعًا به.
“هيك……!”
لقد كان مشتت الذهن، والآن داهمه موعد الاجتماع!!
خفق قلب توني بعنف.
وسرعان ما نُسيت خيانة لايتن.
فهو أصلًا كان غارقًا هذه الأيام في مهام الوكيل بأعمال رئيس القسم.
وعلى وجه الدّقة، لم تكن المشكلة في العمل نفسه.
إذ كان هو من يتكفّل بمعظم أعمال لايتن أصلًا.
ما أتعبه حقًا هو اجتماعات وزارة السحر.
فذو القلب الصغير مثله كان يجد صعوبة في مواجهة كبار المسؤولين.
كان قادرًا على الثرثرة لساعات أمام مرؤوسيه، لكن العكس كان عبئًا ثقيلًا عليه.
وفي النهاية، خرج توني من المكتب وهو يكاد يبكي.
وقبل أن يدخل قاعة الاجتماعات، أخذ نفسًا عميقًا مرارًا.
‘على أي حال، لا أحد يهتم بي.’
نظر إلى التقرير الذي في يده.
[بعثة إلى إقليم آريا]
كان مكانًا يذهب إليه قسمُ إدارة الجرعات دوريًا لتفقد نباتات التطهير.
التعليقات لهذا الفصل " 78"