الفصل 76
بعد انتهاء دوامهما، توجّهت دانا وإدوين مباشرةً إلى إدارة الأمن.
وبما أنّها الجهة المسؤولة عن حفظ أمن الإمبراطورية، كان الدخول إليها شديد التعقيد.
اعترضهما الفرسان المكلَّفون بالحراسة.
“ما الأمر؟”
“جئنا للإدلاء بشهادة تتعلّق بقضية اختفاء.”
عند كلام إدوين، تحقّق الفارس من هوية الاثنين.
ولم يُسمح لهما بالدخول إلا بعد مرور عدة دقائق من التحقق، ثم أُرشدا إلى القسم المختص.
وكان من المصادفة أن محقّق قضية الاختفاء قد حضر هو الآخر إلى إدارة الأمن لإجراء التحقيق.
جلس كلٌّ دانا وإدوين، والمحقّق، وفارس من الأمن حول طاولة غرفة التحقيق.
وطرح المحقّق سؤاله عليهما.
“ما سبب تتبّعكما للسيد لايتن بيت في ذلك اليوم؟”
أجاب كلٌ من دانا وإدوين بصدق عن جميع الأسئلة.
قالا إنهما شاهدا لايتن يأخذ جرعات، فتبعاه لمعرفة الغرض من استخدامها.
وعندما شرحت دانا موقع النُزل، مال المحقّق برأسه متعجبًا.
“هذا غريب. أن تتمّ صفقة في مكان مكتظّ بالناس إلى هذا الحد.”
قال إنه لا بد من التحقيق في النُزل، وحين وجّه كلامه إلى فارس الأمن الجالس بجانبه، أجابه الأخير فورًا.
“نحن نقوم بذلك بالفعل. تلقّينا أمرًا من الإدارة العليا، والنخبة من الفرسان يجرون التحقيق حاليًا.”
“وكيف علمتْ إدارة الأمن بالأمر؟”
عندما بدا الذهول على وجه المحقّق، هزّ الفارس كتفيه.
“لا أعلم أنا أيضًا. القائد هو من أصدر الأمر بنفسه.”
بينما استمع إدوين إلى حديثهما، اكتفى بالابتسام بصمت.
كان قائد الأمن يعيش حالة من القلق بسبب قضية صالة القمار.
فقد طلب من المساعد بيتر أن يرتّب له لقاءً مع الأمير الثالث، لكن طلبه قوبل بالرفض القاطع.
وفي خضمّ ذلك، وبعد أن تلقّى أمرًا من الأمير الثالث، سارع إلى جمع أمهر الفرسان.
حتى لو كان التحقيق شكليًا فقط، فلا بأس.
فهدف إدوين كان حلّ القضية بسرعة ودقة.
ولو لم يصدر الأمر بصفته أميرًا، لربما تأخر التحقيق.
أما دانا، التي كانت تستمع إلى كلام المحقّق، فقد اتسعت عيناها.
وهمست لإدوين.
“يبدو أن شخصًا آخر غيرنا كان يعلم بوجود النُزل.”
هل يكون لايتن قد كَشف أمر صفقته بالجرعات أمام شخص آخر أيضًا؟
بدت الحيرة على وجه دانا.
“صحيح. يبدو أنه كان مهملًا وينشر الأمر بلا حذر.”
أومأت دانا موافقةً على كلام إدوين.
فلايتن كان شخصًا مشتتًا لدرجة أن صوت إخراجه لقلم الحبر كان يدوي في المكتب كله.
وتوجّهت دانا إلى المحقّق، شارحةً بالتفصيل ما شهدته.
“بالتأكيد هناك شركاء. مساء أمس، الفرسان الذين كانوا يحرسون بوابة وزارة السحر سمحوا للايتن بالمرور دون أي تدقيق.”
كون الفرسان أنفسهم متواطئين كان تصريحًا بالغ الأهمية.
“إذًا، علينا التحقيق مع الفرسان الذين كانوا في نوبة الحراسة ذلك اليوم.”
“نعم، وأظن أن للأمر علاقة بأشخاص من إدارة السحر العلاجي. فقد تغاضوا عن كميات طلب الجرعات المبالغ فيها طوال هذه الفترة.”
“كميات طلب الجرعات؟ هل يمكنكِ شرح ذلك بالتفصيل؟”
لمعت عينا المحقّق عند سماع ذلك.
فبكلام دانا، بدأت دائرة الاشتباه تضيق.
شرحت دانا كميات طلب الجرعات التي كانت تثير الشك منذ فترة.
“لم نسمع بعد عن اختفاء الجرعات نفسها. يبدو أننا سنحتاج إلى ربط التحقيق بالجرعات من الآن فصاعدًا.”
كان الوقت مناسبًا للتحقيق في التلاعب بعدد الجرعات، في ظل غياب لايتن.
“لقد قدّمتما مساعدة كبيرة. أتمنى لكما عودة آمنة.”
رافقهما المحقّق وفارس الأمن إلى الخارج، ومدّا أيديهما إلى دانا.
كان ذلك تعبيرًا عن الامتنان لشهادتها المفصّلة.
لكن من قبل بالمصافحة كان إدوين.
لم يُعرف متى تحرّك، فقد كان يهزّ يد الفارس بيمينه، ويد المحقّق بيساره في آنٍ واحد.
وقال وهو يضيّق عينيه بابتسامة أنيقة.
“نرجو أن تبقى إفادتنا مجهولة الهويّة.”
أمام تلك الابتسامة المشرقة المفاجئة، أومأ الاثنان برأسيهما دون وعي.
وتاركًا من وقفوا في ذهول، لفّ إدوين ذراعه حول كتف دانا.
كاد يسمح بأن تمتد أيدي أولئك الأوغاد إلى يد دانا الثمينة.
وعندما أسرع إدوين في خطواته، انساقت دانا خلفه بوجه مرتبك.
وأثناء سيرهما في ممرات إدارة الأمن، همست دانا لإدوين.
“في الحقيقة، هناك شخص يثير شكوكي.”
تضايقت عينا إدوين عند سماع ذلك.
وأكملت دانا.
“تحدّثتُ أمس مع كيرا. قالت أنَّ لايتن منفردًا مع مدير إدارى السحر العلاجي في موقف مريب…….”
توقّف الاثنان فجأة عند المنعطف.
فقد واجها مدير إدارة السحر العلاجي نفسه، الذي كانت دانا تتحدث عنه.
‘من الجيد أنني همست……!’
كاد قلبها أن يسقط من الفزع.
“إداريّو قسم إدارة الجرعات.”
تقدّم المدير نحوهما بعدما تعرّف على زيّ دانا وإدوين.
تجعّد ما بين حاجبيه، وكأنه يوازن أمرًا ما.
“حسنًا…… ما الذي جاء بكما إلى إدارة الأمن؟”
سأل المدير مبتسمًا بودّ.
لكن كِلا دانا وإدوين كانا قادرين على الإحساس بالحدة الخفية الكامنة خلف تلك الابتسامة.
أخرجت دانا الابتسامة المهذبة التي صقلتها طيلة عملها.
“إداريّو قسم إدارة الجرعات قلقون كثيرًا بشأن قضية اختفاء المدير لايتن، لذلك جئنا نحن ممثلين عنهم للاستفسار.”
“وماذا اكتشفتم؟”
أجابت دانا بصوت يحمل مرارة خفيفة.
“قيل لنا إن إجراءات التحقيق لا يمكن كشفها لمن لا علاقة لهم بالقضية. هل معاليكَ لا تعلم شيئًا أيضًا؟”
“أنا أيضًا لا أعلم شيئًا. كل ما أفعله هو الخضوع للتحقيق بصفتي الرئيس المباشر.”
“لهذا جئتَ إلى إدارة الأمن إذن.”
بهذا الشكل، لم يكن بالإمكان معرفة أي شيء.
ماذا أفعل؟ لا أستطيع الجزم إن كان له علاقة بصفقة الجرعات.
صحيح أن كيرا قالت إن الاثنين تبادلا حديثًا مريبًا، لكنها لم تكن تعلم تفاصيله.
“إذًا، سأغادر.”
حافظ المدير على الابتسامة نفسها حتى النهاية وهو يستدير.
قررت دانا إلقاء الطُعم.
“آه، على ذكر ذلك، يبدو أن هناك من شاهد المدير لايتن يوم اختفائه.”
في لحظة، توتّر الهواء من حولهم.
كان تصلّب ظهر المدير كفيلًا بإظهار ارتباكه بوضوح.
وتابعت دانا، متظاهرة بالقلق.
“سمعتُ قبل قليل حديث المحقق في الممر. قال إن هناك من رأى لايتن وهو يغادر العمل بصعوبة شديدة.”
وعندما أضافت أن مشيته بدت مرهقة للغاية، استدار المدير ببطء.
تقدّم إدوين إلى الأمام.
اقترب تدريجيًا ونظر إلى المدير من علٍ.
“ما رأيكَ في ذلك؟”
الضغط القاتل المميّز لإدوين أحكم الخناق على المدير.
بين حديث دانا المربك ونظرة إدوين الضاغطة، بدأ العرق البارد يتصبب من المدير.
كان فمه الجامد يحاول الابتسام، لكن عينيه كانتا ترتجفان بلا رحمة.
وبشقّ الأنفس، أخرج صوته.
“……أ، أهذا كذلك؟ لا بد أنه كان متعبًا، فالأمتعة تكون ثقيلة.”
عندها لمعت عينا دانا بحدة.
عادةً، حين يُقال إن المشي كان صعبًا، يكون الرد مثل ردّ كيرا.
‘لماذا؟ هل أُصيبت ساقه؟’
لكن المدير المرتبك تحدث عن أمتعة لايتن.
وكأنه يعرف شيئًا.
وبعد أن تفوّه بكلامه، بدا وكأنه أدرك زلّته، فمسح العرق عن جبينه.
قالت دانا بوجه هادئ.
“صحيح، فحديث أخذ المدير لايتن للجرعات أصبح شائعًا بالفعل.”
“شائع……؟”
“نعم، يُقال إن التحقيق سيبدأ قريبًا. الجميع يعلم بذلك.”
لم يكن من الممكن أن يكون الأمر قد شاع حقًا.
لكن لا بأس.
فالمحقق كان سيدخل في تحقيق الجرعات بدءًا من شهادة دانا.
وسوف يصدّق المدير كلامها.
غادر المدير إدارة الأمن محاولًا الحفاظ على تعبير جامد.
“من المؤكد أن المدير متورّط في القضية.”
عند كلام دانا، أومأ إدوين برأسه.
لقد وقع تمامًا في فخّ أسئلتها الموجّهة.
“آه، سيدي المحقق!”
نادَت دانا المحقق الذي كان يهمّ بالمغادرة.
“ما زلت هنا إذن.”
قالت بارتياح، ثم شرحت له ما حدث قبل قليل.
“……إذًا، ما رأيك في التحقيق مع مدير إدارة السحر العلاجي؟”
“بالفعل…… الشخص الذي يعلم بأن السيد لايتن بِيت سرق الجرعات لا يخرج عن حالتين.”
إمّا شاهد، أو شريك.
لكن بما أن المدير قال إنه لا يعلم شيئًا عن القضية، أومأ المحقق برأسه.
“سأبحث في الأمر. شكرًا لكِ مرة أخرى على هذه الشهادة المهمة.”
مدّ المحقق يده إلى دانا طالبًا المصافحة بأدب.
وبالطبع، من أمسك يده كان إدوين.
التعليقات لهذا الفصل " 76"