الفصل 74
مرّ أسبوعٌ كامل منذ أن بدأ لايتن القيام بمهمات توصيل الجرعات.
كان عملاً اضطر إلى البدء به بناءً على طلب المدير.
‘ليس بالأمر الصعب. كل ما عليّ فعله هو نقل الجرعات إلى المكان المحدد.’
وعندما سأله: ماذا لو انكشف الأمر؟ ضحك المدير ضحكةً واثقة.
‘وما الذي يدعو للقلق وأنا من يتكفّل بحمايتكَ من الخلف؟’
الكلمة التالية هي ما دفع لايتن إلى التحرك.
’منصب المدير القادم سيكون من نصيبك.‘
منصب المدير القادم…!
أومأ برأسه بسرعة، وقد أعماه الطمع في الترقية.
لم تكن طلباتُ المدير معقّدة.
تزويد الجرعات في تاريخ محدد، وفي مكان محدد.
توقع لايتن أن تتم الصفقة في أطلال موحشة، فارتجف وهو يتجه إلى الموقع.
لكن على غير المتوقع، كان المكان نُزلاً ذا أجواء مشرقة، بل إن صاحب النزل استقبله بلطف.
وبسبب توتره، راح يتفحّص الناس بدقة، تحسبًا لطلب النجدة إن ساءت الأمور.
كان يبحث عمّن قد يساعده.
حينها اقترب منه أحدهم وسأله.
‘ماذا تودّ أن تطلب؟’
‘……مشروبًا قويًا بلا ليمون.’
نطق لايتن بالشفرة كما أخبره المدير.
قادَه الخادم إلى غُرفَة استقبال فاخرة، وقدم له شايًا دافئًا، ثم تأكّد من الجرعات وودّعه.
وهكذا مرّت المهمة الأولى بسلام.
في اليوم الذي جاء فيه للمرة الثانية، استشعر شيئًا مريبًا.
كان الأشخاص الذين رآهم في اليوم السابق يجلسون في الأماكن نفسها ويشربون النبيذ.
‘هل هم نزلاء مقيمون لفترة طويلة؟’
حتى العازفون، والأغاني التي تُعزف، كانت نفسها.
بدافع الشك، راقب المكان قليلًا، فرأى بعض الزبائن الغرباء يدخلون ويخرجون، فتنفّس الصعداء ظنًا منه أنه يقلق بلا داعٍ.
وبعد أن أُدخل إلى غُرفَة الاستقبال نفسها، قُدّم له شاي ساخن.
وأثناء ترتيبه للأمتعة، اصطدم بالموظف عن غير قصد.
اتجهت فوهة الإبريق نحو ذراع الموظف، وانسكب الماء المغلي عليها مباشرة.
لكن الخادم لم يغيّر وضعيته.
وعندما رأى ذراعه وقد احمرّت بشدة، فزع لايتن.
“هل جُننت؟ لقد أُصبتَ بحرق!”
“نعم؟”
كان الخادم لا يزال يبتسم ابتسامة عريضة وهو ينظر إليه.
“لقد أخطأتُ. سأحضر واحدًا آخر.”
“لا، ليس هذا ما أعنيه…!”
غادر الخادم غُرفَة الاستقبال بهدوء، دون أن يُظهر أي علامة ألم.
أما الزبائن الجالسون حولهم فظلّوا يضحكون ويتبادلون الحديث.
كان أصحاب الملابس الفاخرة يرتدون الثياب نفسها التي ارتدوها في اليوم السابق.
بل حتى أماكن جلوسهم كانت نفسها!
شعر لايتن بشيءٍ غريب.
وكأن الزمن قد توقّف للجميع سواه.
هل المدير يخفي أمرًا ما؟
ما حقيقة هؤلاء الناس؟
الأسئلة المتلاحقة لم تكن بدافع الفضول.
‘قد أتمكّن من الإمساك بنقطة ضعف المدير!’
كان ذلك أفضل بكثير من إذلال نفسه بالعيش على المهمات الصغيرة.
كان المدير يبتسم بابتسامة ودودة، لكنه في داخله لم يكن راضيًا عن تعمّق لايتن في هذا الأمر.
بدأ القلق يتسلل إليه من فكرة أن يُستغل ثم يُرمى جانبًا.
‘لا بد أن أكتشف شيئًا، مهما كان!’
وهكذا، وصل اليوم أيضًا إلى النزل وهو يئنّ تحت ثقل الحقيبة، دون أن يدري أنَّ دانّا وإدوين يتعقبانه.
وكما توقّع، باستثناء عدد قليل من الزبائن، كان الجميع هم أنفسهم.
حتى الموسيقى التي ملأت النزل لم تتغير.
كان لايتن يعتقد أن الناس، مثلَه، دنيويُّون.
وأن بعض النقود كفيلة بجعلهم يتكلمون.
لذلك نادى أحد الخدم المارّين.
كان هو الرجل الذي لم يفقد ابتسامته رغم الحرق.
قادَه إلى فجوة ضيِّقة متصلة بالمطبخ، وهو يتلفّت حوله.
بين الجدران الخشنة المتداعية، قال لايتن بوجهٍ ماكر.
“أعتذر عمّا حدث بالأمس. لقد أُصبتَ بحرق بسببي.”
ابتسم الخادم ابتسامة خفيفة، وكاد يتجاوزه.
هل استمع إلى ما قلتُ أصلًا؟
“انتظر قليلًا!”
مدّ لايتن قطعة ذهبية نحوه.
“لديّ أمر أودّ سؤالك عنه، فهل يمكنكَ أن تمنحني بعض الوقت؟”
لكن الخادم، محافظًا على ابتسامته، همّ بتجاوزه مرةً أخرى.
“لا، لماذا تتجاهل كلام الناس؟”
دفع لايتن الغاضب كتفَ الخادم نحو الجدار. ورغم الصوت المرتفع، لم يفقد الخادم ابتسامته.
“هل أقدّم لكَ شايًا؟”
“أتسخر مني؟”
حين حدّق به لايتن وهو يزفر غضبًا، وقف الخادم لبضع ثوانٍ ثم ابتعد عنه مجددًا.
في تلك اللحظة اتسعت عينا لايتن.
“مهلًا، هناك شيء مغروس في ظهرك!”
يبدو أن تشطيب الجدار المتهالك لم يكن متقنًا، فقد كان جزء حاد من المواد مغروسًا في ظهره.
يبدو أنه أُصيب عندما دفعه لايتن.
لكن الخادم، وكأنه لم يسمع، خرج من الممر الضيق.
ظلّ النزل غارقًا في ضجيج الغناء.
شعر لايتن بقليل من الذنب تجاه الخادم الذي أُصيب بسببه مرتين.
لذلك لحق به.
“هناك شيء مغروس في ظهرك! ألا يؤلمك؟”
كان الخادم ينظف الطاولة بصمت.
ومع استمرار التجاهل، صرخ لايتن أخيرًا.
“هل أنتَ إنسان أصلًا؟”
كان على وشك أن يسأله كيف يمكنه أن يتصرّف بلا مبالاة عند الإصابة بحرق، والآن أيضًا.
“آه.”
استدار الخادم.
دارت عيناه في محجريهما، ثم ثبت نظره على لايتن.
وفي اللحظة نفسها، عمّ الصمت أرجاء النزل.
توقّف الجميع عن الحركة وأطبقوا أفواههم.
عشرات النظرات انغرست في لايتن.
ثوانٍ من الصمت…….
ما هذا…….
ابتلع لايتن ريقه بتوتر.
ثم بدأوا ينهضون واحدًا تلو الآخر.
“إنه يشكّ بنا.”
“إنه يشكّ بنا.”
“إنه يشكّ في كوننا بشرًا.”
وفجأة، سدّ أحدهم فم لايتن.
الأشخاص الذين ظنّهم زبائن بدأوا يقتربون منه تدريجيًا.
***
“عادت الموسيقى.”
قالت دانا بحذر شديد وهي تفتح باب النزل.
كان الداخل صاخبًا، والجميع يضحكون ويغنّون بوجوه مشرقة.
جلس الاثنان إلى طاولة وأخذا يراقبان المكان.
اقترب خادم وسأل.
“ماذا تودّان أن تطلبا؟”
“شاي ياسمين، من فضلك.”
وُضع فنجان الشاي على الطاولة.
همست دانا لإدوين بهدوء.
“لا أرى لايتن.”
“لا بد أن هناك غرفة أخرى غير هذه. الداخل أضيق مما يبدو من الخارج.”
نادى الخادم وسأله.
“هل توجد غرفة أخرى هنا؟ غير غرف النزلاء.”
“هل تقصدان غرفة استقبال؟”
“نعم. كان من المفترض أن نلتقي بأحد أفراد مجموعتنا، لكنه لم يأتِ، فأردنا التأكد إن كان في مكان آخر.”
ابتسم الخادم وأجاب.
“توجد غُرفَة استقبال واحدة في الغرفة المجاورة.”
نهضت دانا من مكانها.
“هل يمكننا إلقاء نظرة؟”
“بالطبع.”
توجّهت دانا وإدوين إلى غرفة الاستقبال بإرشاده. تفحّصا المكان، لكن لايتن لم يكن هناك.
‘هذا غير معقول…….’
هل صعد إلى غرف النزل؟
وبينما كانت دانا على وشك الاستسلام والعودة، لفت نظرها شيء ما.
حقيبة سوداء موضوعة في أحد الأركان.
‘إنها بالتأكيد حقيبة لايتن.’
كانت الحقيبة التي كان يحملها بصعوبة منذ خروجه من وزارة السحر.
‘الحقيبة فارغة.’
تبادلَت دانا وإدوين النظرات. الصفقة انتهت، ولايتن اختفى.
أشارت دانا إلى الحقيبة الفارغة.
“أين ذهب صاحب هذه الحقيبة؟”
“……ما الأمر؟”
في تلك اللحظة، شعر إدوين بأن هواء المكان قد تغيّر.
كان أشخاص غرفة الاستقبال، الذين كانوا يتحدثون، يحدّقون بهما.
كأنهم كلاب حراسة شرسة تحمي صاحبها.
“دانا.”
شدّ إدوين يد دانا بقوة.
كان يفعل ذلك عندما يريد لفت انتباهها.
وهزّ رأسه بخفة.
فهمت دانا الإشارة، فاتخذت تعبيرًا هادئًا.
“كنت أفكر في الجلوس في ذلك المكان إن لم يكن له صاحب.”
يبدو أن المكان كان محجوزًا بالحقيبة.
وعند كلام دانا، صرف الناس أنظارهم مجددًا.
“سننصرف إذًا. يبدو أن رفيقنا انشغل ولم يستطع المجيء.”
“دمتم بخير.”
ودّعهما الخادم بأدب. في النهاية، لم يجدا لايتن.
‘يبدو أننا سنضطر لقلب هذا المكان رأسًا على عقب مرةً واحدة على الأقل.’
لمع بريق حاد في عيني إدوين وهو ينظر إلى النزل.
التعليقات لهذا الفصل " 74"