الفصل 73
‘كمية الطلبات زادت أكثر، أليس كذلك؟’
كانت تشعر بالريبة أصلًا بسبب كثرة الطلبات المفرطة.
وحين مالت دانا برأسها متعجبة، همست كيرا.
“أليس غريبًا حتى من وجهة نظرك؟”
“نعم، ما الذي يستدعي كل هذا العدد من الجرعات؟”
وكان هناك أمر آخر يثير استغراب دانا.
‘من المفترض أن السلطات العليا تراجع التقارير…….’
فلماذا لا يوجد أي تدخّل؟
’ربما لا يكون هذا من فِعْل لايتن وحده.’
لا بد أن هناك شخصًا ما يقف خلفه.
في تلك اللحظة، صاح لايتن بصوتٍ عالٍ ليسمعه الجميع.
“أما زلتم هنا؟ عودوا إلى بيوتكم بسرعة!”
ما هذا؟ الأمر صار أكثر ريبة.
على عكس عادته في التذمر لأنه لا يستطيع تكليفهم بالعمل، ها هو الآن يستعجلهم على الانصراف.
”لقد أصبح يطلب منا العودة للمنازل والراحة في الآونة الأخيرة. لكنَّ طباعه السيئة لم تتغير.”
“صحيح، يبدو أن عصبيته كما هي.”
ابتسمت دانا موجّهة كلامها إلى الإداريين.
“شكرًا لكم جميعًا على قلقكم. سأعود إلى العمل بدءًا من الغد.”
وبينما كان الإداريون يقولون إن من الأفضل لهما أن يستريحاَ أكثر، قال إدوين.
“حالتي الجسدية بخير. لقد تلقيتُ عناية فائقة.”
واتجهت نظرته المليئة بالمودة نحو دانا.
لم تستطع كيرا أن تُنزل زاويتي فمها وهي تراقبهما.
“كيرا، في ذلك الوقت كنتُ في ارتباك ولم أستطع أن أشكركِ. لولاكِ لما تمكنتُ من الصمود.”
قالت دانا ذلك بإخلاص وهي تمسك بيد كيرا.
“لم أفعل سوى ما هو بديهي. نحن صديقتان، أليس كذلك؟”
ابتسمت كيرا ابتسامة عريضة ودفعَت دانا من ظهرها.
“والآن، عليكما أن تذهبا وتستريحا سريعًا! عندما يطلع النهار غدًا سنلتقي مجددًا!”
جمع موظفو قسم إدارة الجرعات أغراضهم وخرجوا جماعةً.
وبعد أن أنهى التحيات وسط أجواء دافئة، أمسك إدوين بيد دانا.
“هناك شيء يقلقكِ، أليس كذلك؟”
“كيف عرفت؟”
“أنتِ تُضيّقين عينيكِ عندما تفكرين بجدية.”
هل هناك جانب من نفسها لا يعرفه إدوين؟
تنهدت دانا بإعجاب.
“لقد عملتُ هنا لسنةٍ وأكثر مع دوامٍ إضافي، أليس كذلك؟”
“صحيح.”
“في معظم الأحيان كنتُ أداوم وحدي. وخصوصًا لايتن، لم أره قط يبقى حتى وقت متأخر.”
أدارت نظرها نحو مبنى وزارة السحر.
“اليوم، لايتن بقي في مكانه حتى النهاية.”
“أليس لأنه يشعر بالحرج من رؤيتكِ؟”
“ليس شخصًا يملك مثل هذا الحياء. لو كان الأمر بيده لانصرف باكرًا، إنه ليس من النوع الذي يغادر أخيرًا.”
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي إدوين.
“ما رأيكِ بفكرة المراقبة التي ذكرتها سابقًا؟ هل نجربها الآن؟”
“مراقبة؟”
وعند التفكير في الأمر، كانت قد تحدثت مع إدوين عن شيء مشابه حين التحق بالعمل أول مرة.
كان قد قال إنه سيستعير كرة تصوير سحرية من أجل المراقبة، وقد أشرقت عينا دانا حينها وطلبت أن يُعيرهَا واحدة أيضًا.
تحوّلت تلك الكرة السحرية المصوِّرة إلى دليلٍ يُدين عائلتها السابقة.
‘بدلًا من التعمق في أمر لايتن، كنتُ مشغولة فقط بنفسي…….’
كانت لحظة محرجة على نحوٍ غريب.
“الوقت متأخر جدًا لاستعارة أداة سحرية الآن، فلنراقب أولًا ما الذي يفعله لايتن داخل مكتبه.”
“ماذا رأيتِ في التقرير قبل قليل؟”
“كمية طلبات الجرعات أكبر بكثير من المعتاد.”
همم. لمس إدوين ذقنه.
كانت حقوق الجرعات تعود حصرًا إلى العائلة الإمبراطورية.
وكان القصر الإمبراطوري يمنع تسريب الجرعات منعًا صارمًا.
فإلى جانب أن تناولها بكميات تفوق الحدّ المناسب يدمّر الجسد، قد يعرّض الحياة نفسها للخطر.
قالت دانا له بصوتٍ منخفض.
“هناك من يتغاضى عن تصرفات لايتن. لا بد أنه شخص مرتبط بوزارة السحر، أليس كذلك؟”
“من الواضح أن جهةً عليا متدخلة. وربما لا يكون تصرّف لايتن ذاتيًّا.”
خفّضا صوت خطواتهما ودخلا مبنى وزارة السحر.
كان الممر مظلمًا، ولا تضيئه سوى مصابيح سحرية قليلة تنير الأرض.
“أضواء المكتب مطفأة.”
قالت دانا وهي تنظر إلى قسم إدارة الجرعات عبر النافذة.
أومأ إدوين برأسه.
“لا أحد هنا.”
كان حساسًا جدًا لوجود الناس.
ولو كان لايتن، بطبعه المهملِ موجودًا، لكَشَف وجودهُ بسهولة.
في تلك اللحظة، أشارت دانا إلى نهاية الممر.
“إدوين، انظر إلى هناك!”
كان لايتن.
تفحّص المكان هنا وهناك، ثم اختفى عند زاوية الممر.
كان يحمل على كتفه حقيبةً كبيرة تكفي لتغطية ظهره.
وعلى غير عادته في إصدار خطوات عصبية صاخبة، كان يتحرك بحذر.
لكن هذا ليس طريق الخروج من العمل؟
كمية الجرعات المفرطة، والحقيبة الضخمة…….
اشتدّ بريق عيني دانا.
“إنه متجهٌ إلى مستودع مخزَن الجرعات.”
“لنتبعه.”
أمسكت دانا بيد إدوين الذي تقدّم أولًا.
“أعرف طريقًا مختصرًا.”
كانت قد اكتشفته أثناء تنقلها لتغيير أماكن تناول شطيرة الغداء التي اعتادت أكلها وحدها.
قادَت دانا إدوين خارج المبنى.
وبعد المرور بنافورة الحديقة وسلوك طريقٍ ضيق، ظهر مستودع المخزون.
وقبل دخول المستودع مباشرة، انفتح الباب فجأة على مصراعيه.
اختبأ إدوين ودانا إلى جانب المبنى.
دلق-
كان صوت اصطدام القوارير واضحًا؛ إنها جرعات بلا شك.
كان لايتن يئنّ وهو يرفع الحقيبة إلى كتفه.
‘كم أخذ بالضبط؟’
اتسعت عينا دانا.
بسبب ثقلها، بدا لايتن بالكاد قادرًا على المشي.
“أأذهب لأساعده؟”
قال إدوين مبتسمًا ابتسامة مشرقة.
وكان يقصد بذلك الإمساك به والقبض عليه.
هزّت دانا رأسها.
“لنتبعه أكثر. يجب أن نعرف إلى أين ينقلها.”
“فكرة لا بأس بها.”
كان الظلام قد بدأ يخيّم.
أمسك إدوين بيد دانا بلطفٍ، خشية أن تتعثر.
وهي تراقبه يمشي في الظلام بِخطواتٍ سريعة ودقيقة، أُعجبت دانا.
“لاحظتُ ذلك في المرة السابقة أيضًا، يبدو أن رؤيتكَ الليلية قويةٌ جدًا.”
هل لذلك سبب؟
سؤال دانا البريء جعل إدوين يلتزم الصمت لحظة.
لم يستطع أن يقول: ‘يكفي أن تتدحرج طويلًا في ساحات القتال.’
فاكتفى بهزّ كتفيه.
“ربما طبيعة جسدية.”
“إذًا أنتَ مولود هكذا.”
بسبب تباطؤ خطوات لايتن، تمكّنا من اللحاق به بسهولة.
تفقّد الفرسان الذين يحرسون الباب الخلفي لوزارة السحر وجهه، ثم سمحوا لهُ بالخروج.
لم يفتشوه رغم رؤيتهم للحمولة المشبوهة.
“حتى الفرسان متواطئون.”
خرج الاثنان من الباب الخلفي متظاهرين بأنهما موظفان يعملان حتى وقتٍ متأخر.
وكان المكان الذي قصدَه لايتن غير متوقع؛ ساحةً مزدحمة بالناس.
اتجه بخطوات واثقة نحو الأزقة الخلفية للساحة.
كان شارعًا تصطف فيه العديد من النُّزُل.
كانت هذه النُّزُل لا تقدّم المبيت فقط، بل تبيع النبيذ والشاي أيضًا.
ولهذا، كانت تدير غرف استقبال خاصة للقاء الزبائن.
تجاوز لايتن النُّزُل الصاخبة، ودخل إلى تلك الواقعة في أقصى الطرف.
كان شكلها عاديًا تمامًا.
ومع الحقيبة الكبيرة، لم يبدُ لايتن أكثر من مسافرٍ عادي.
“من الأفضل أن ندخل بعد قليل. علينا أن نعرف من الذي يقابله.”
قالت دانا وهي تراقب النُّزُل. تسللت موسيقى مبهجة إلى الخارج.
كان موسيقيو الشوارع يعزفون، ويبدو أن الزبائن السكارى يغنون.
ومنذ دخول لايتن، لم يدخل أي زبون آخر.
هل كان الشخص الآخر بانتظاره من قبل؟
من الذي سيقابله؟
لو كان مجرد تاجر متجول أو ثريٍّ جشع يريد شراء الجرعات، لكان ذلك أهون الشرور.
فالذي تحظره العائلة الإمبراطورية بشدة هو التجارب الناتجة عن الإفراط في استخدام الجرعات.
إذ لم تكن هذه أول مرة يُكشف فيها عن إطعامها للوحوش لزيادة قوتها ثم تحويلها إلى أسلحة.
قال إدوين لِدانا ذات الملامح الجادة.
“دانا.”
“نعم.”
“الموسيقى توقفت.”
عندها نظرت دانا إلى النُّزُل.
اختفى الضجيج الذي كان مستمرًا، وغُمر الليل في سكينته.
وليس الآلات وحدها.
حتى الغناء والضحكات توقفت معًا.
“لندخل.”
أمسكت دانا بيده.
وقبل صعود الدرج وفتح الباب، عادت الموسيقى لتبدأ من جديد.
التعليقات لهذا الفصل " 73"