الفصل 72
كان لايتن خائفًا من الذهاب إلى العمل هذه الأيام.
لم يكن ذلك بسبب كثرة العمل.
فمثل هذه الأعمال يمكنه ببساطة إلقاؤها على عاتق مرؤوسيه.
ما كان يعذّبه حقًا هو…….
‘لن يتم فصلي، أليس كذلك؟ أو يُنقلوني إلى مكانٍ غريب…….’
كان منصبه على المحك.
كل يوم يمرّ كان أشبه بالمشي على جليدٍ رقيق.
بعد الحادثة في الحيّ الفقير، جاء المحققون إلى قسم إدارة الجرعات.
أُلقي القبض على الجاني، لكنهم احتاجوا إلى شهود لتوثيق مجريات التحقيق بدقة.
وطُلب من الجميع الإدلاء بشهاداتهم عن مجريات ذلك اليوم بأكبر قدر ممكن من التفصيل، فتعاملوا مع الأمر بجدية.
أما لايتن، ففي البداية تظاهر بالتعاون مع المحقق، وتحدث بنبرة مليئة بالأسف.
كانت أقرب إلى تبريرٍ يلقي بالمسؤولية على غيره منها إلى شهادة حقيقية.
لكن مع تتابع الأسئلة، تعب وارتكب زلة لسان.
قال إنه كان مع دانا قبل الحادث مباشرة، وإنه سمع صوتًا مريبًا.
في تلك اللحظة، اشتدت نظرات الإداريين الذين كانوا معه.
“أرسلتَ الموظفة وحدها رغم أنك كنتَ تعلم؟”
تبادلوا النظرات فيما بينهم، متشاركين شعورهم تجاه لايتن.
ولم يفوّت المحققون الفرصة، فواصلوا طرح الأسئلة بإلحاح.
‘أيّ صوتٍ سمعتَ؟’
‘صوت سقوط صندوق. أظنه صندوق جرعات…….’
‘لماذا لم تذهب مع الضحية رغم أنكَ شعرتَ بوجود أمرٍ مريب؟’
‘ذلك لأن…… لم أكن أعلم. لم أتوقع أن يتفاقم الأمر إلى هذا الحد…….’
‘إذًا، بعد أن أرسلتَ الضحية وحدها، أين كنت؟’
‘كنتُ في الزاوية أحتسي الشاي…….’
ومع كل شهادة، كان وجهه يشتعل حرارة.
لقد كشف عن نفسه كشخصٍ غير مسؤول ومهمل، تفصيلًا تفصيلًا.
بل وتمادى إلى حد الإصرار على أن سلامة مرؤوسيه ليست من مسؤوليته.
‘لماذا وقع الحادث في اليوم الذي ذهبتُ فيه معهم بالذات!’
تذمّر لايتن، قائلًا إنه لو كان يعلم، لأرسل توني بدلًا منه.
انتهى التحقيق، لكن أجواء قسم إدارة الجرعات بقيت متوترة لبعض الوقت.
كان لايتن قلقًا.
فهو كان المسؤول عن تلك المهمة.
وقد وصل الأمر إلى حد مجيء محققين من وزارة السحر، فلا بد أن المسؤولين الكبار استاؤوا من ذلك.
إضافةً إلى أن الإداريين الذين كانوا معه أخذوا ينشرون قصصًا عن لا مبالاته.
‘التَّرقية أصبحت بعيدة المنال لفترة طويلة.’
بعثر شعره وهو يمرر يده فوق المكتب.
بل إن الحفاظ على منصبه الحالي بات أمرًا صعبًا، ناهيك عن الترقية.
وبعد تفكيرٍ طويل وهو يقطّب جبينه، نهض لايتن فجأة من مكانه.
رتّب شعره الأشعث، وعدّل ملابسه، ثم خرج.
كانت خطواته المتوترة متجهة إلى مكتب مدير إدارة العلاج السحري.
هووه. هدّأ صدره المرتجف، ثم طرق الباب.
“سيدي المدير، أنا…….”
وقبل أن يتمكن من إكمال كلامه، فُتح باب المكتب على مصراعيه.
وكأن من في الداخل كان ينتظره.
“تفضل بالدخول.”
على غير المتوقع، كان المدير يبتسم بلطف.
جلس في مقعده المخصص وأشار بيده إلى المقعد المقابل له.
“اجلس.”
“نعم، أرجو المعذرة.”
أخذ لايتن القَلِق يغيّر وضعية جلوسه مرارًا.
كانت راحَتا يديه غارقتين بالعرق.
“ما الأمر؟”
“ذلك…… لديّ أمر أودّ التشاور بشأنه.”
“تحدث براحة.”
“ألم تقع حادثة بسيطة مؤخرًا في قسم إدارة الجرعات…….”
بدأ لايتن، وهو متردد، يطيل في المقدمة ويدور حول الموضوع.
تعب المدير من أسلوبه الملتوي، ففتح فمه.
“كفى.”
“نعم.”
“باختصار، أليست مشكلتُكَ أن منصبكَ بات غير مستقر؟”
توسّل لايتن إليه بوجهٍ يائس.
“بصراحة، هذا ليس خطئي، أليس كذلك! كيف أُتَّهم بأنني تركتُ مرؤوسي في خطر!”
“إنها مسؤوليتُك.”
“نعم……؟”
أخذ المدير ملفًا كان على المكتب وناوله له.
“وزارة السحر تصدر، في كل مهمة خارجية، تعليمات تتناسب مع المنصب.”
ارتسم على وجه لايتن تعبير “أوه لا”.
إذ كان يوقّع في كل مرة دون أن يقرأ، فلم يكن يعلم ما ورد فيها.
تلا المدير البنود بلطف.
“أنت مسؤول هذه المهمة. والمسؤول مُلزَم بالتحقق من المخاطر أولًا.”
“…….”
“وعليه أن يضع سلامة مرؤوسيه في المقام الأول.”
ابتلع لايتن ريقه بصعوبة.
بهذا، ازداد وضوح أن المسؤولية تقع عليه وحده.
بدأت يده التي تمسك بالملف ترتجف.
“سيدي المدير، ماذا سيحدث لي إذًا……؟”
“لا تقلق كثيرًا. أنت أيضًا لم تتوقع أن يحدث شيء كهذا، أليس كذلك؟”
أومأ لايتن برأسه بسرعة.
“عند مخالفة بندين أو أكثر من التعليمات، يُتَّخذ إجراء خفض الرتبة.”
“خفض الرتبة؟”
غشّى اليأس وجه لايتن.
حدّق المدير فيه بصمت.
ارتسمت ابتسامة ماكرة على شفتيه، ثم اختفت في لحظة.
“لكن، إن بذلتُ أنا جهدًا، فالأمر قد يختلف.”
عندها رفع لايتن رأسه.
ربت المدير على كتفه كما لو يطمئنه.
“هل تستطيع أن تفعل ما أطلبه منك؟”
***
مرّ أسبوعٌ سريعًا.
تسارعت وتيرة تعافي إدوين أكثر، وأصبح قادرًا على ممارسة حياته اليومية.
لم يستطع طبيب القصر إخفاء دهشته، مكررًا أنها معجزة.
وحين قيل إن بإمكانهما العودة إلى المنزل الآن، أشرق وجه دانا.
أما إدوين، فبدا عليه الأسف.
“كان يجدر بي ألا أتناول الدواء.”
“لماذا؟”
“لم يعد لديّ عذرٌ لأقضي اليوم كله معكِ.”
عند قوله الطفولي إنه لا يريد أن يشفى، وخزته دانا في ذراعه.
“ما رأيك أن نمرّ على قسم إدارة الجرعات في طريقنا إلى البيت؟”
أرادت الاطمئنان على زملائها الذين لا بدَّ أنهم فزعوا كثيرًا.
كما أرادت أن تعبّر عن شكرها لكيرا التي هدّأت روعها حين كانت مرتبكة.
“كما تشائين.”
كعادته، اتبع إدوين رغبة دانا.
“اقرب موعد نهاية العمل، فلنذهب سريعًا.”
أليس كذلك؟ ابتسمت دانا وهي تنظر إلى إدوين.
ما إن غادرا القصر الذي أقاما فيه أيامًا، حتى انبسطت أمامهما حديقة ذات منظر غريب.
كانت منشغلة الذهن طوال الفترة الماضية، فلم تتسنَّ لها فرصة تأمل المكان.
تألقت عينا دانا وهي تنظر إلى أزهار الحديقة.
في تلك اللحظة، شعرت بدفءٍ ثقيل على كتفها.
رفعت رأسها، فإذا بإدوين يحيط كتفيها بذراعه.
“صحتي ليست على ما يرام.”
قال ذلك بوجهٍ شاحب مرة أخرى.
نظرت إليه دانا بنظرة جانبية خفيفة وقالت.
“لن أنخدع بعد الآن.”
“لن تنخدعي؟”
“نعم، كان الأمر مريبًا منذ البداية.”
وتذمّرت قائلة إن ذلك كان أقرب إلى عناق منه إلى مساعدة.
“لكنني طيبة القلب، فانخدعتُ دون أن أشعر.”
فضحك إدوين بصوتٍ مسموع.
“صحيح، أنتِ طيبة ودافئة.”
ولهذا—
شدّها إلى حضنه مرة أخرى. قبّل خدها وهمس عند أذنها.
“انخدعي مرةً أخرى فقط.”
عند صوته الممزوج بالمزاح والمودة، انفجرت دانا ضاحكة في النهاية.
أصغى إدوين إلى ضحكتها الصافية المتناثرة.
كانت سعادة لا يريد أن يفرّط بها أبدًا.
وهما يتبادلان الحديث دون انقطاع، وصلا إلى وزارة السحر.
لم يَمضِ سوى أكثر بقليل من أسبوع على غيابهما، لكن الممر الطويل بدا غريبًا.
فتح الاثنان باب قسم إدارة الجرعات بهدوء.
“دانا!”
صرخت كيرا دون أن تخفِي فرحتها.
ومع صوتها، توجّهت أنظار الإداريين إليهما.
رحّب الجميع بدانا وإدوين بحرارة.
“هل أنتما بخير؟”
“سمعنا أن الإصابة كانت خطيرة.”
“لا بد أنكِ فُزعتِ كثيرًا.”
وسط سيل القلق، هدّأتهم دانا بهدوء.
وتبعها إدوين، شارحًا حالته الصحية الحالية.
ومن بين الإداريين المتجمعين، كان هناك شخص يبتسم بتكلف.
كان لايتن يراقب الموقف، ثم التقت عيناه بعيني دانا. نهض على نحوٍ غير متزن ورفع يده.
“تبدين بصحة جيدة.”
“نعم، بفضل اهتمامكم.”
في الحقيقة، كان لايتن يظن أن دانا قد تغضب.
فلو أنه قام بجلب أحدهم كما طلبت، لما تفاقم الأمر إلى هذا الحد.
لكن، على غير المتوقع، كانت دانا هادئة. حتى في هذه اللحظة، كانت دانا المجتهدة تتفقد الأوراق التي تحملها كيرا.
“لم يحدث شيء، أليس كذلك؟”
وعندما وقعت عيناها على طلبات الجرعات، ارتسمت على وجهها مسحةُ استغراب.
التعليقات لهذا الفصل " 72"