بمجرد أن اختفت دانا، فرد إدوين كتفيه اللذين كانا منقبضين.
وبينما كان يرخي جسده مع سماع صوت طقطقة عظامه، بدا وكأنه رجل قوي البنية تمامًا؛ إذ اختفت تلك الهيئة الضعيفة للغاية التي لا يظهرها إلا أمام دانا دون أثر.
وبعد وقتٍ قصير، وكما كان متوقعًا، أعلن أحد الخدم قدوم الإمبراطور.
لم يستطع الانتظار حتى لحظة فتح الباب، فاندفع بخطوة واسعة عبر الفجوة الضيقة.
“أصغر أبنائي……!”
وعلى عكس الإمبراطور الذي اغرورقت عيناه بالدموع، كان إدوين باردًا.
“كيف تزورونني فجأة هكذا؟”
وعند سؤاله عن ماذا لو لاحظت دانا، أجاب الإمبراطور بفخر.
“ولهذا جاء هذا الأب بملابس بسيطة…….”
“هل تعتقدُ حقًا أن هذا بسيط؟”
“هاه؟”
عندما توقف الإمبراطور الذي كان يمشي بسرعة، انزلق المعطف الذي كان يضعه على كتفيه وسقط أرضًا.
كانت عباءة حمراء تتوسطها علامة العائلة الإمبراطورية بشكلٍ بارز، وقد ألبسها له كبير الخدم بعناية.
وزخارف الخيوط الذهبية الفاخرة كانت تبعث هيبةً توحي وكأنه على وشك إقامة حفل تتويج.
صرخ الإمبراطور مرتبكًا، موجّهًا كلامه إلى كبير الخدم.
“بسببك أفسدتَ كل شيء! ألم تجد إلا هذه الملابس بالذات لتُخرجها؟!”
“لم يكن بوسعي غير ذلك. خطوات جلالتكَ كانت سريعة جدًا، وفي النهاية أمسكتُ بأول ما وقع في يدي…….”
“وهل هذا عذر؟”
أجاب كبير الخدم بصوتٍ خافت.
“كلّه خطأ هذا العجوز. شختُ وضعفتُ فلم أفهم مراد جلالتك…… وخارت قواي فصارت حركتي بطيئة…….”
رقّ قلب الإمبراطور أمام صوت لومه لنفسه.
“إذا قلتَ هذا، فماذا أكون أنا إذًا؟ ابتعد حالًا! اجلس على كرسي مريح واشرب شايًا دافئًا!”
“كما تأمر.”
وهكذا حافظ العجوز، اليوم أيضًا، على منصبه ككبير للخدم.
تنهد إدوين وهو يرى علاقتهما المعتادة.
“كما ترون، أنا بصحة جيدة. أرجوكم عودوا الآن.”
“هل أنتَ بخير حقًا؟ بينما كنتَ فاقد الوعي، كاد قلب هذا الأب أن يتمزق.”
“…….”
كان وجه الإمبراطور أشدَّ شحوبًا من وجه إدوين.
نظر إدوين إلى بشرته الجافة وعينيه المحمرتين بسبب قلة النوم، وطمأنه قائلًا.
“لن يتكرر مثل هذا الأمر بعد الآن. لا تقلق أكثر من ذلك، وعُد من فضلك.”
“وكيف تضمن أن شيئًا كهذا لن يَحدث مرة أخرى؟”
عند الصوت المنخفض أكثر، رفع إدوين نظره إلى الإمبراطور.
كانت تلك إحدى اللحظات القليلة التي بدا فيها الأب جادًا بحق.
“أنا أعلم سبب إصابتكَ. لا بد أنك كنتَ تحاول إخفاء كذبة ما.”
“…….”
“إن استمرت هذه الأيام، فلن تُصاب أنت فقط، بل قد تتأذى دانا، تلك الطفلة أيضًا.”
“لن أسمح بأن تُصاب دانا. أبدًا.”
“أنا أتحدث عن قلب تلك الطفلة.”
غرست كلمات الإمبراطور نفسها بحدّة في صدر إدوين.
“وبالطبع، الشخص الذي سيجرحها سيكون أنتَ.”
ابني الحبيب.
وضع يده على كتف ابنه.
“فكّر مليًّا. كلما مرّ الوقت، صار من الأصعب نيل المغفرة.”
وإن لم تَغفِر له؟
“إذًا، ماذا سيحدث بعد ذلك؟”
فتح فمه بعد لحظة صمت قصيرة.
“ستبقى دانا إلى جانبي. إلى الأبد.”
***
في هذه الأثناء، كان طبيب القصر الإمبراطوري الذي استدعى دانا في حالة من الارتباك الكامل.
بصفته كبير أطباء القصر التابعين للأسرة الإمبراطورية، كان عليه تلبية نداء الإمبراطور في أي وقت.
‘لكن هذا الحديث من منطلق كوني طبيب القصر فقط…….’
لأنه لم يستطع تصديق أمر الإمبراطور، سأل مرارًا وتكرارًا.
‘يعني…… تأمرونني بأن آخذ سموّ الأميرة معي؟’
‘نعم، يكفي أن تعلّمها كيفية لفّ الضماد بشكلٍ جميل. وذلك أثناء زيارة جلالة الإمبراطور.’
هل هذا كلام يُعقل؟
نحن لا نربط الضماد على شكل شريطٍ مزخرف!
بعد أن أنهى استرجاعه للأحداث، ألقى نظرة جانبية على دانا.
كان في عينيها الزرقاوين بريق شكٍّ خفيف.
‘لم أعد أعلم، فليحدث أيٌ كان.’
دخل طبيب القصر الغرفة التي أُرشد إليها.
وقد وُضِع فيها بلطف دميةٌ طرية على هيئة إنسان، وعدة ضمادات.
“هل أعددتَ كل هذا؟”
اتسعت عينا دانا.
نعم، وهو أيضًا علمَ بذلك للتو. وقد تفاجأ كثيرًا.
ابتسم طبيب القصر متظاهرًا بالهدوء.
“ما دمنا سنفعل ذلك، فلنفعله على أكمل وجه.”
مدَّد الدمية على الطاولة.
“همم…… سأعلّمكِ طريقة لفّ الضماد بشكلٍ أنيق.”
“ألم تقل إنها طريقة لتثبيته بإحكام أكبر؟”
“أجل، أليس هذا أفضل؟”
“نعم……؟”
أعاد طبيب القصر تمديد الدمية بشكلٍ مستقيم.
“حسنًا، بما أن هناك جرحًا في أسفل الظهر، نلفّ الضماد بحذر…….”
أخذ شرحه يطول شيئًا فشيئًا.
طيف سيطيل الوقت……؟
“……وهكذا نلفّه كما ترين.”
وبعد أن راقبت طويلًا، قالت دانا بحذر.
“يبدو كالمعتاد تمامًا…….”
“…….”
ذلك لأن…….
تنحنح طبيب القصر.
“كنتُ أريد القول إن الحالة الذهنية مهمة.”
“الحالة الذهنية؟”
“حين تلامس المشاعر الصادقة الضماد، يشفى أي مريض بسرعة.”
وقد قرَّر الآن أن يقول أي كلام.
“أمنية الممرّض تنتقل عبر اليدين، ومن ثم عبر الضماد، فتتسارع عملية التعافي.”
كان كلامًا مقنعًا!
وبينما كان طبيب القصر يشعر بالرضا، وقع عليه نظرٌ مليء بالريبة.
وبعد صمتٍ قصير، فتحت دانا فمها.
“حضرة الطبيب، هل تعتنقُ ديانَةً غريبة ربَّما……؟”
هل هناك دينٌ للضمادات لا تَعرفه؟
عند كلماتها، كاد طبيب القصر يبكي.
“سأذهب الآن. شكرًا على كلامكَ الطيب.”
ابتسمت دانا ابتسامةً محرجة وغادرت المكان.
كانت تريد الهرب من سيل الهراء المتواصل.
لم يعد طبيب القصر قادرًا على إيقافها.
فاكتفى بإطلاق ضحكةٍ فارغة والوقوف شاردًا.
وعندما عادت دانا أسرع مما كان متوقعًا، تفاجأ الخادم الذي كان يراقب، وركض مسرعًا إلى غرفة إدوين.
التعليقات لهذا الفصل " 71"