الفصل 70
عاد ديريك إلى وزارة السحر متوجّهاً إلى مكتبه.
“جئت من قسم السحر العلاجي.”
فتح بول الباب بهدوء.
في الداخل، وقف رئيس قسم السحر العلاجي مذهولاً، وهو يحاول استعادة توازنه.
نظر ديريك إلى رئيس القسم، ثم جلس على الأريكة وهو يضع ساقاً فوق الأخرى.
“ما الأمر؟”
“يبدو أنّ علينا إيجاد عامل توصيل جديد.”
أظهر الرئيس امتعاضه.
سأل ديريك بصوتٍ منخفض وحاد.
“هل فعل شيئاً غريباً مرة أخرى؟”
“نعم، لقد عبث بمكان آخر أثناء قيامه بالمهمة.”
“لماذا يحصل هذا دوماً؟”
“……”
“إن فضوله اللعين يفسد كل شيء، أليس كذلك؟”
ابتسم الرئيس على نحوٍ متردد، وكأنّه يشعر بالحرج.
ارتخى ديريك على الأريكة وضمّ ذراعيه.
“الشائعات ليست جيدة. فالمسؤولون في الوزارة يختفون باستمرار.”
“نعم… وأهل المفقودين حزينون للغاية…”
اقترب ديريك من العبوس، عبّر عن استيائه.
“هل عليّ أن أهتم بمثل هذه الأمور؟”
كانت أرواح الأدنى منزلةً لا تُذكر في نظره.
“لو كنت أعلم أنّهم بلا جدوى، لكنت استخدمتهم كفئران تجارب ثم تخلّيت عنهم.”
نقر لسانه باستنكار.
مهما يكن، لا بد من العثور على أحدٍ بسرعة.
حرك ديريك قدمه وكأنه يفكّر.
“أليس هناك من يكون غبياً بما فيه الكفاية والمال طاغٍ في قلبه؟”
إنسان بسيط وطماع…
لمح الرئيس شخصاً مناسباً، وارتسمت اشراقة على وجهه.
“أوجدت شخصاً مناسباً لهذه المهمة.”
“هل يمكن الوثوق به؟”
“نعم، صديق لي مضطر الآن، فإذا عرضتُ عليه، سيبذل المستحيل.”
صفّر ديريك بإعجاب.
“ليس سيئاً.”
ما إن وافق، نهض الرئيس عن مقعده.
“سأباشر التحضيرات إذن.”
قبل أن يغادر المكتب، قال ديريك بابتسامة مرحة في صوته.
“أفضل أن أراه أطول فترة ممكنة.”
“……لن نخطئ.”
ومع تلاشي خطواته الممزوجة بالتوتر، عاد الهدوء إلى المكتب.
***
في حديقة قصر الإمبراطورة، كانت الزهور تتفتح طوال العام.
الزهور التي تحافظ على حيويتها بالقوة المقدسة، كانت تتوهّج دائماً باللون الذهبي.
ومع غروب الشمس، اكتسبت الحديقة وهجاً أحمر غامضاً.
ألوان حالمة ومتألقة أبهرّت الخادمات.
وفي جزء من الحديقة، كان هناك مظلّة مستديرة تدعمها أعمدة، تتيح مساحة للاسترخاء.
الإمبراطور والإمبراطورة كانا يتناولان الشاي هناك معاً.
أخذ الإمبراطور رشفةً من الشاي ثم زفر بتنهيدة.
“هاه…”
“……”
“هاه…!”
“……”
مع استمرار التنهدات، لم تبدِ الإمبراطورة اهتماماً، فأبدى الإمبراطور ملامح الحزن.
“عزيزتي، أشعر بالحزن الشديد.”
“……ما الأمر؟”
هبّت الإمبراطورة مجبرةً على السؤال.
“أتساءل إن كان صغيرنا بخير… هل يتألم ويبحث عن والده؟”
“لا، ليس كذلك.”
رد حازم جعل الإمبراطور يعبس.
“ربما من الأفضل أن نذهب لنراه بأنفسنا.”
“جلالتك…”
وضعت الإمبراطورة فنجان الشاي.
“قال طبيب القصر: إدوين تعافى كثيراً وسيتمكّن قريباً من ممارسة حياته الطبيعية.”
“لكن… عند التفكير في كم تألم صغيرنا، كأن قلبي يتمزق.”
الإمبراطور وضع يده على عينيه وكأنّه يقول ‘ألا ترين حزني؟’
كانت العيون الحمراء، المشابهة لعيون إدوين، تلمع بالدموع.
عبست الإمبراطورة، وكأنها رأت شيئاً لا ينبغي أن تراه.
أما الإمبراطور فلم يُعر اهتماماً، واستمر قائلاً.
“لدي فكرة جيدة.”
“هل تعتزم إخراج دانا لحظات قليلة مرة أخرى؟ عن طريق الخدم؟ أم طبيب القصر؟”
“آه…!”
اتسعت عينا الإمبراطور حين اخترقت الإمبراطورة أفكاره.
وهي تتنازل عن مقاومة، قدمت نصيحة.
“من الأفضل أن ترتدي ملابس بسيطة هذه المرة، تحسباً لأي طارئ.”
“حسناً، عزيزتي.”
ابتسم الإمبراطور بوجه مشرق، وصب الشاي في فنجان الإمبراطورة.
‘لماذا أشعر بالقلق…؟’
رغم ذلك، لم تستطع الإمبراطورة منع الأمر، لسبب وجيه.
بعد إصابة إدوين، سهِر الإمبراطور ليالي متواصلة.
إدارة الأمور كانت تتم بصعوبة، لكنها لاحظت أن كمية طعامه ومدة نومه قلّت بشكل ملحوظ.
ربما بسبب ‘ذلك اليوم’…
ومن أجل صحّة الإمبراطور، كان من الضروري أن يلتقي بإدوين.
“توخّي الحذر أثناء ذهابك.”
بمجرد ما قالت الإمبراطورة، ارتسمت على وجه الإمبراطور علامات الامتنان.
“هل أنتِ قلقة عليّ؟”
كاد أن يذرف دموعه.
لم تستطع الإمبراطورة أن تقول له بصراحة أنّ المقصود هو أن يذهب دون أن تراه دانا.
“سيحل الظلام قريباً، أليس من الأفضل أن تذهب الآن؟”
وضعت الإمبراطورة فنجان الشاي، ونادت إحدى الخادمات.
“هل سننهي وقت الشاي بهذه السرعة؟!”
“اذهب بسرعة.”
فبعد هذا اليوم، ستزداد الهالات السوداء تحت عيني الإمبراطور.
وأخيراً، دفعته الإمبراطورة إلى العودة إلى قصره.
وأثناء سيره نحو القصر، أمر الخدم.
“ملابس بسيطة وأنيقة، كملابس أبٍ المحب!”
أومأ الخدم برؤوسهم واختفوا بسرعة.
“جلالتك، إذا سرتَ سريعاً ستتعب بسرعة!”
وبخه كبير الخدم، أقرب المقربين إلى الإمبراطور، وأكثر الخدم خبرة.
رغم شعره الأبيض وظهره المقوس، لكن نظراته ثابتة.
رغم تقدمه في العمر كونه خدم الإمبراطور منذ كان وليا للعهد، فأصبح يعاني من مشاكل صحية.
“اليوم لن أصغِ للنصائح، أنا مشغول حقاً!”
تجاوز الإمبراطور كبير الخدم ودخل قصره.
كان القميص البسيط معدّا مسبقاً، فارتداه وهو متحمس.
“أرسل طبيب القصر لإدوين، وقل له أن ينفذ ما أمرت به بالضبط.”
ركض الخادم لتنفيذ الأمر على الفور.
كانت كل التحضيرات مكتملة.
وفي لحظةٍ خرج الإمبراطور من القصر بوجه متحمس.
‘بهذا اللباس الرقيق ستصاب بالبرد.’
ظهر كبير الخدم خلفه وكأنه تبعه من فترة، وهو يلهث.
“يجب أن تضع معطفًا على الأقل…”
انتهى صبر الإمبراطور من الثرثرة المستمرة.
“افعل كما تشاء! ضع معطفا أو أيّا يكن!”
فورًا، سُكب قماشٌ ثقيل على كتفه.
“من أين جلبت هذا الوبر في الصيف!”
“مهما كان الصيف، فالهواء المسائي بارد. وهذا ليس وبرًا…”
لن أصغِ! تقدم الإمبراطور بخطوات أسرع نحو إدوين.
***
كانت دانا وإدوين يتبادلان أطراف الحديث بودّ.
بدا وجه إدوين أكثر ارتياحاً مع كل لحظة تمرّ.
بعد أيام قليلة، استعاد صحته وقد عاد الدم إلى بشرته الباهتة.
تنفست دانا الصعداء وابتسمت.
“لقد جاء طبيب القصر.”
طرق الخادم الباب بهدوء، وأعلن حضور الطبيب بصوت منخفض.
في هذا الوقت؟
كان الفحص الطبي قد انتهى صباحاً.
هل حدث خطأ ما؟
فتحت دانا الباب على عجل، بقلق يملأ قلبها.
“ما الأمر؟”
“أم… آه… الأمر هو…”
بدت كلماته متلعثمة، غير طبيعية عن شخصيته المعتادة.
ازداد قلق دانا، وقالت بسرعة.
“هل حدث لإدوين مكروه؟”
“آه، أبداً! إنه يتعافى تماماً!”
“إذاً لماذا…”
خفض طبيب القصر رأسه، وحرك شفتيه بصعوبة، ثم قال.
“…جئت لأعلّمك طريقة لفّ الضمادات بشكل صحيح.”
حقاً جاء ليعلّمها طريقة الضمادات؟
رأت دانا بوضوح التعب في عينيه، وشفتيه المفتوحتين على مضض.
تذكرت وجوه المعلمين في أيام توزيع الجرعات على الأطفال، حين كانوا يرتدون أقنعة ويمثلون أمام الطلبة.
هل يجب عليّ القيام بكل هذا؟ بدا وكأنّه يقول ذلك بصوت خافت.
ابتسم طبيب القصر مجبراً نفسه، ونظر إلى دانا قائلاً.
“إذا انفلتت الضمادة، سيكون الأمر سيئاً… هه، هه، هه.”
هل كان يضحك قسراً؟ شعرت دانا بذلك.
“هذا من أجل المريض، أرجو أن تتبعي خطواتي.”
أومأت دانا برأسها.
“إدوين، سأعود الآن.”
لوّح لها إدوين بابتسامة لطيفة.
ومن اللحظة التي رأى طبيب القصر، أدرك إدوين فوراً.
‘لقد جاء والدي.’
فليس هناك من يستطيع السيطرة عليه إلا الإمبراطور والإمبراطورة.
التعليقات لهذا الفصل " 70"