الفصل 69
رفع ديريك بصره إلى القصر ذي الطابع الغريب.
وقبل أن يدخل الحديقة، اعترضه أحد الخدم.
“سمو الأمير الثالث، أمر بمنع دخول معالي الوزير.”
ارتسم على وجه ديريك تعبير يشي بالذهول والسخط.
“منع الدخول؟ لستُ مجرمًا حتى يُمنع عليّ الدخول!”
احتجّ بنبرة متضايقة، لكن الخادم لم يتحرك قيد أنملة.
كان واضحًا أن الهدف هو منعه من لقاء دانا.
‘ذلك اليوم… ربما بالغتُ في الثرثرة.’
لم يتخيل قط أنّ الأمير الثالث، الذي ظنه غارقًا في النوم، كان يسمع كل كلمة.
همهم قليلًا ثم التفت إلى الخادم.
“إذن انقل هذا فقط. أخبره أنني جئتُ بما كان يشتهي الحصول عليه.”
“….”
“إنه شيء يفقد قيمته كلما مرّ الوقت. فقط بلّغه بهذا.”
تردّد الخادم قليلًا قبل أن يستدعي أحد الخدم الصغار ويهمس له بأوامر.
وبدا هو نفسه مصرًّا على البقاء في مكانه أمام ديريك كحاجز لا يتحرك.
“يا لإخلاصك.”
رمقه ديريك بنظرة مستاءة.
وبعد قليل، خرج الخادم الصغير من القصر وانحنى.
“ورد الأمر بالسماح لك بالدخول.”
تظاهر ديريك بالثقة وكأنه كان يتوقع ذلك، وبدأ يتقدم بخطوات فخورة.
كانت تصرفاته الطفولية كافية لتجعل الخدم في حيرة من أمرهم.
وكلما اقترب من الغرفة حيث يقيم إدوين، تباطأت خطواته.
وحين فتح الخادم الباب قليلًا، خرج صوت طبيب القصر.
“أن يتحسن بهذا الشكل خلال يوم واحد… إنه حقًّا أشبه بمعجزة!”
“يبدو أن العلاج سار على نحو جيد.”
“العلاج وحده لا يُفسّر هذا… لا، لا… على كل حال، لقد واجهتما الكثير من العناء.”
أرهف ديريك سمعه لحديث الطبيب ودانا.
أن يتحسن إدوين مجددًا بهذه السرعة خلال يوم واحد؟
حتى لو كان من سلالة التنانين ذات الجسد المتفوق… هل هذا ممكن؟
لكن نهاية أفكاره كانت دائمًا دانا.
لقد حان الوقت ليتوقف عن مراقبتها من بعيد.
‘يجب أن أقترب تدريجيًا.’
في تلك اللحظة، اقترب طبيب القصر من الباب. بدا متحيّرًا للحظة، ثم جمع حقيبة الفحص وخرج.
عند الباب التقى ديريك، فبادله الحديث.
“يبدو أن حال سموه تحسنت كثيرًا.”
“أجل، إنه أمر مذهل حقًّا. اللحم الغائر يلتئم بسرعة فائقة.”
حقًّا، يبدو أن الدماء الموروثة تصنع الفارق.
همس الطبيب بهذه الكلمات، ثم غادر.
‘الدماء الموروثة…’
كلمات كانت كفيلة بأن تنهش أعصاب ديريك.
ارتفع من الأعماق شعور قديم طالما دفنه: شعور بالنقص.
تشنج وجهه من ضيقه.
“معالي الوزير…؟”
في تلك اللحظة، وصلته نبرة صافية تناديه.
غيّر ملامحه بسرعة، وارتسمت ابتسامة مصطنعة على شفتيه.
“مرّ وقت طويل، سيدة دانا.”
لم يمض يوم واحد بعد؟
رغم طبعها السمح، شعرت دانا بانزعاج غريب كلما وقفت إلى جوار ديريك.
حتى هي نفسها لم تفهم سببه.
أخفت شعورها قدر المستطاع.
فهو، على كل حال، المسؤول الذي سمح لإدوين بتلقي العلاج في القصر.
“نعم، فلم جئتَ…؟”
“زيارة مريض، وبالطبع.”
ابتسامته المتصنعة أثارت في داخلها انقباضاً خفيفاً؛ كانت بعيدة كل البعد عن صفاء إدوين ونقائه.
“أأُحضر لكَ بعض الشاي؟”
“لا حاجة. على ذكر ذلك، جلبتُ للمريض باقةً من الزهور، أين ينبغي أن أضعها؟”
مدّ ديريك الباقةَ إليها وهو يرمش مبتسماً، ثم انحنى قليلاً على ركبة واحدة كأنه يقدّم هديّة لسيدته الخاصة.
“هذا حقًّا لطيف.”
وفي لحظة لا تُدرك، امتدت يد إدوين وخطفت الباقة. حركة لا تشبه مريضاً يتعافى.
التفت نحو دانا مبتسماً ابتسامة مشرقة.
“سنحتاج إلى مزهرية.”
استوعَبَ الخادم مقصود الأمير الثالث، فتقدّم من دانا.
“لدينا مزهريات كثيرة فاخرة. ما رأيك أن تختاري واحدة؟”
“الآن؟ لكن… ألا ينبغي أخذ إذنٍ من العائلة الإمبراطورية؟”
تابع الخادم المتمرّس حديثه بهدوء.
“لا بأس. هي من بين تجهيزات الضيوف.”
“اختاري ما يروق لكِ.”
أومأ إدوين للخادم خفيةً، ففهم الإشارة وأخذ يدلّ دانا.
“من هذا الاتجاه.”
“حسناً.”
غادرت دانا الغرفة وهي تلتفت بين حين وآخر.
‘ذلك الرجل… لن يؤذي إدوين، أليس كذلك؟’
مع معرفتها أنه ليس شخصاً شريراً، ظلّ القلق يثقلها.
لم تخرج من الباب إلا بعد أن لوّح إدوين لها مراتٍ ومرات بابتسامة مطمئنة.
وما إن خفّت خطواتها مبتعدة حتى تغيّرت الهالة المحيطة به تماماً.
أسند ظهره إلى الوسادة بارتخاء.
“الشيء…؟”
“هنا.”
أصبح تحوّل الأمير الثالث مألوفاً الآن.
جلس ديريك على الكرسي قرب السرير، وأخرج كيساً صغيراً من بين ثيابه.
“من الدرجة العليا. كما تعلم، حجر المانا يفقد طاقته مع مرور الوقت.”
قلب إدوين الكيس على كفّه فتناثر منه حجر مانا ثقيل لامع.
ضوءه المتوهّج كان كفيلاً بإبهار أي شخص… إلا إدوين الذي بقي بالغ اللامبالاة.
تناوله بقبضة فاترة.
“لم تعبث به.”
“أتشُكّ بي؟”
تقييمه للحجر في هذا الوقت القصير… ما يزال يثبت أنّ الأمير الثالث ليس خصماً ينبغي الاستهانة به.
وكان محقّاً؛ الحجر لم تُفرض عليه أي تعويذة.
العبث أمام دانا كان سيودي به إلى رماد في لحظة، فإدوين ليس ممّن يخشى تبعات المساس بابن دوق.
‘ليس بعد.’
الانتظار… ثم الانقضاض في الوقت المناسب، كما كان يفعل دائماً.
أخفى ديريك خواطره السوداء، واستعاد ابتسامة ماكرة.
ثم سأل.
“كيف حالك الآن؟ يقول الطبيب إنك تعافيت كالمعجزةً.”
“كما ترى، أنا أحتضر.”
عبارة شاذة خرجت من بين شفتيه بنبرة هادئة.
“أتظنني لم أرى شخصا محتضرا من قبل؟”
“مكان الطعنة يؤلمني كل يوم، والكوابيس لا تفارقني.”
سأله ديريك وهو يراقب مبالغته بهدوء.
“ما الذي تريده إذًا؟”
“أحتاج أسبوعاً من الراحة.”
“هذا طبيعي. فالجُرح…”
“دانا أيضاً.”
“ها؟ كمرافقة؟”
رمقه إدوين بنظرة مُشفقة ساخرة.
“مريضة بالطبع.”
“هل أُصيبت؟”
أشار إدوين إلى رأسه بحركة متعمدة، وبملامح يكسوها الأسف.
“الأذى النفسي شديد.”
“…….”
“ينبغي أن نبقى إلى جانب بعضنا أسبوعاً كاملاً.”
أطلق عبارته الأخيرة ثم ابتسم برضا.
يكفي مجرّد تخيّل الوقت الذي سيقضيه معها لينشرح صدره.
واحتاج وجه ديريك إلى جهد ليبقى ثابتاً.
“حسناً. سأبلغهم.”
“…….”
“لكن… حقاً لن تخبرني؟ أي تعويذة ستضعها على الخاتم الذي ستهديه لها؟”
توجّه إدوين بنظره الكسول نحو النافذة.
وبينما ظلّ صامتاً لثوانٍ، نهض ديريك.
“هذا يعني ارحل، أليس كذلك؟”
“…….”
“سأنصرف.”
اقتضبَ الصمتُ معناها.
خرج ديريك، فإذا بدانا تقترب من بعيد، وخادمٌ صغير يحمل المزهرية بثباتٍ مبالغ فيه، يحيطها باحترام زائد.
وكان واضحاً أنها تشعر بالارتباك من تلك المعاملة المبالغ فيها.
كم سيصمد كذب الأمير الثالث؟
ارتسمت على شفتي ديريك ابتسامة مائلة.
“أستأذن، سيدة دانا.”
“نعم، شكراً لزيارتك.”
ومع تلقي التحية، ظلّ يحدّق بها.
“هل لديكَ ما تودّ قوله…؟”
“المريض تعافى كثيراً.”
“نعم، بفضل اهتمامكم.”
“لهذا خطر لي، لعل هناك دواء آخر؟”
نظر إليها متفحّصا.
وفي لحظة، تساءل.
ماذا لو انتُزعت تلك النظرة الماكرة من عينيه؟ هل ستكشف ما يجعل حضورَه مُربكاً إلى هذا الحد؟
ورغم ارتياب دانا، ظلّ انحناء ابتسامته ثابتاً.
“أظنني أعرف ماهية ذلك الدواء.”
رفع يده مشيراً إليها.
“أنتِ يا آنسة دانا.”
“…….”
“لِنقل، قوة الحب.”
“…….”
ساد صمت ثقيل.
استعادت دانا رباطة جأشها وقدّمت ردّاً اجتماعياً مناسباً.
ها… ها… ها…
وعاد إليها وجه ديريك مجروحاً.
التعليقات لهذا الفصل " 69"