الفصل 68
ذاك النوع الذي يتظاهر بالألم ويتباكى بالتهرب والادّعاء.
النوع الذي كان إدوين يبغضه أكثر من أي شيء في ساحة القتال.
جنودٌ يئنّون طوال اليوم لمجرد إصابة طفيفة… كان يراهم مثيرين للشفقة.
ولذلك قال لهم يومًا.
‘إن كان ألم اللسان الذي عضضتَه أثناء الأكل يوجعك، هل أضرب رأسك؟ حينها سينتقل كل الألم إلى هناك.’
عندها فقط أعاد الفارس تحت قيادته اللسان الذي مدّه ليريه للآخرين.
حتى حين كان يُعضّ من الوحوش، وحتى حين يبتلعه السم،
بل وحتى عندما تقترب النهاية… لم يبكِ إدوين قط.
ولكن إدوين الآن…
“إدوين، هل تقدر على المشي؟”
كان يبتسم بخفوت لصوت دانا القلِق.
“نعم، ليس سيئًا.”
وما إن نهض من السرير حتى ترنّح قليلًا. فأسرعت دانا نحوه.
“أيّ ليس سيئًا! ما زلت تبدو متعبًا.”
تفحّصته دانا بصوت يعلوه الأسى.
“قالوا إنه يجب أن تبدأ بالمشي من اليوم من أجل التعافي… فماذا نفعل الآن؟”
كان طبيب القصر قد شدّد على ضرورة البدء بتمارين خفيفة.
اعتمد إدوين على طرف الطاولة.
وبدا ذلك كله لعينَي دانا وكأنه على وشك السقوط.
“دانا، لو تساعدينني على الاتكاء… أظن أن الأمر سيكون أفضل.”
“صحيح؟ حسنًا، سأساعدك.”
وقفت بجانبه بوجه مفعم بالعزم، ووضعت ذراعه فوق كتفها.
“إدوين، اتكئ عليّ كما تشاء. أنا أقوى مما أبدو.”
لكن فرق الحجم بينهما كان واضحًا.
لم يكن يُفترض لشخص ببِنْيتها أن يتحمّله مطلقًا.
كتم إدوين ضحكة وأومأ.
“شكرًا، أشعر بالأمان بفضلك.”
واقترَب منها أكثر قليلًا، محيطًا كتفها بذراعه. وانتقل إليه دفءٌ لطيف ورائحة عذبة.
نظر إلى خصلاتها السوداء الرقيقة وهو يبتسم برضا. كانت دانا ملاذه ودواءه معًا.
“لنقم بجولة واحدة أولًا، بما أنك ما زلت مرهقًا.”
كانت دانا تبذل جهدًا واضحًا في متابعة تمرينه.
تساير خطواته البطيئة، وتتفقد حالته باستمرار.
“أشعر أنني أستطيع المشي أكثر.”
“لقد درنا عشر مرات بالفعل!”
نظرت إليه بدهشة، فابتسم إدوين.
كانت هذه الجلسة أشبه بنزهة لطيفة منه بتمرين.
كلما سارَا ازدادت المسافة بين جسديهما ضيقًا، واقتربت أنفاسهما من بعضها.
‘هل هذه طريقة الدعم الصحيحة…؟’
لم تكن تشعر بوزنه، بل كان الأمر أقرب إلى عناق.
رفعت دانا وجهها تنظر إليه.
“شكرًا… أشعر أنني أفضل بفضلكِ.”
وعند ابتسامته الهادئة وكلماته اللطيفة، لم تستطع الاعتراض.
كان مجرد الشك في نيّته يجعلها تشعر بالذنب عندما ترى ذلك الوجه الشاحب.
عندها دوّى طرق من الخارج.
“جلبتُ المستلزمات الطبية.”
منذ أن أصيب إدوين، كانت دانا تتولى تعقيم جراحه وتغيير الضماد بنفسها.
وصار الخدم يضعون الأدوات والضمادات عند الباب في الوقت نفسه كل يوم.
“كنتِ تتكفلين بعلاجي وحدكِ طوال هذا الوقت؟”
“الأشياء البسيطة فقط. يجب التعقيم حتى في منتصف الليل.”
“هكذا إذن.”
لم تكن كلماتها مهمة بالنسبة لها، لكن عيني إدوين ما انفكتا تلمعان.
كانت قلِقة عليه.
كانت بجواره طوال اليوم، تعتني به وتلمسه برفق.
تضاربت داخله مشاعر الذنب لأنه أقلقها، والبهجة لأنها اعتنت به إلى هذا الحد.
“أظن أن جلوسي أفضل.”
جلس إدوين على حافة السرير.
وجلست دانا إلى جانبه وهي تُخرج أدوات التعقيم.
“إن شعرتَ بعدم ارتياح، فأخبرني. سأغيّر لك الوضعية.”
التفت إدوين خلفه مبتسمًا بابتسامة وادعة.
توقّفت حركة دانا وهي تفتح الضماد.
حتى الآن كانت مشغولة بتمريض إدوين كمريض لا أكثر، ولم يكن لديها وقت لأي فكرة أخرى.
لكن إدوين الآن…
‘ما هذا؟ لماذا أشعر بكل هذا الارتباك؟’
بدت هيئته أكبر مما كانت تراه دائمًا.
كان عليها فقط فكّ الضماد حول كتفيه وخصره كما اعتادت.
وما الذي يجعلها تتوتر هكذا فقط لأنه مستيقظ؟
“… سأبدأ إذن.”
اعتدلت دانا ونزعت الضماد.
طبقة بعد أخرى تنزاح، فتظهر كتفاه العريضتان وعضلات ظهره الصلبة.
ارتسم الاحمرار على وجه دانا.
حاولت التظاهر بالهدوء وهي تخرج المطهّر وتضعه على الجرح.
ارتعش جسده حين لامس الدواء البارد بشرته.
“يؤلم كثيرًا؟”
“… لا.”
أغمضت دانا عينيها بقوة ثم فتحتهما.
خجلت من نفسها لأن وجنتيها تحمّر أمام مريض.
ركّزي يا دانا!
أعادت تطهير الجرح بالقطنة المبللة.
أما إدوين فكان…
‘سأُجَنّ.’
كل إحساسه متجه إليها. لم تكن دانا وحدها المتوترة.
كان يشعر بنظراتها منذ اللحظة الأولى، حلقه يتحرك بتوتر، وظهره المستقيم مشدود.
وحين لامست يده خصره بحجة التطهير، بدأ باستحضار وحوش ساحة القتال في ذهنه ليشتت نفسه.
لكن ما إن لامس دواءٌ باردٌ بشرته وتنفّسُ دانا يمر على ظهره،
حتى تبخّر كل شيء من رأسه.
ارتعش دون قصد، ولسؤالها عن الألم أجاب بصعوبة.
“سألفّ ضمادًا جديدًا الآن. إن آلمكَ شيء فقل لي.”
تظاهر إدوين بالهدوء بابتسامة خفيفة. ظنّ أن التوتر سيهدأ هنا.
لكن الخطر الحقيقي بدأ الآن.
جسد عارٍ من أعلى، ودانا تقترب لتلف الضماد حوله.
تتحرك خلفه وكأنها تحتضنه، تلف الضماد حول كتفه وصدره،
وتتحسّسه أحيانًا لتتأكد من التثبيت.
ملامستها الصغيرة، وأنفاسها الدافئة… كل شيء يصل إليه بلا عائق.
كانت تتحرك ببطء خوفًا من إيلامه، وهذا جعل إحساسه بكل لحظة أوضح.
“….”
“….”
ساد الصمت الغرفة.
لم يُسمَع سوى تنفسهما وصوت الضماد.
تكلمت دانا أولًا.
“كدت أنتهي… لم يبق إلا التثبيت.”
انتقلت إلى الأمام لتثبت الضماد.
وفي اللحظة نفسها التقت نظراتهما.
عيناه الحمراوان كانتا تلمعان بحرارة وهو ينظر إليها. أشاحت بنظرها وأكملت تثبيت الضماد.
واخطأت يداها مرارًا كأنها فقدت مهارتها المعتادة.
“انتهيت. الآن بقي أن تتناول الدواء… آه!”
ما إن نطقت بكلمة “انتهيت” حتى جذب إدوين يدها بخفة.
كانت جالسة على حافة السرير بوضع غير ثابت، فسقطت بسهولة بين ذراعيه.
هاه…
أطلق زفرة مريحة، كمن كان يصبر لوقت طويل.
“كنت أريد احتضانك منذ قليل.”
كفّه الكبيرة داعبت شعرها المربوط من خلف رأسها، ثم انحدرت بلطف إلى ظهرها.
وبعدها مسح خصلاتها على جانب عنقها.
“ما هذا، مثل جرو صغير.”
ضحكت دانا بخفوت.
وكان إدوين غارقًا فيها تمامًا حين قالت.
“هيا، تناول الدواء، هكذا ستشفى أسرع.”
افترقت عنه وأحضرت الوعاء الذي فيه الدواء. نظر إليها إدوين بملامح يملؤها الأسف.
لم يكن يريد تناول شيء.
لا بأس لو لم أشفَ أبدًا… لو بقي هذا الشعور موجودًا للأبد.
أن تبقى هذه اللحظات المشرقة، وأن يبقيا معًا فقط… إلى الأبد.
“تفضل. افتح فمك.”
رفعت الملعقة بحذر نحو فمه.
كيف له أن يرفض؟
لا يمكنه ردّ أي لمسة تأتي من دانا.
فتح فمه بهدوء وتناول الدواء.
“مُرّ كثيرًا، أليس كذلك؟”
وضعت في فمه الحلوى التي أعدّتها مسبقًا.
“هل أصبحت أفضل؟”
مع الحلاوة التي تذوقها، انحنى طرفا عيني إدوين بابتسامة واسعة.
“نعم، حلوة.”
وبكثرة.
التعليقات لهذا الفصل " 68"