الفصل 67
تحت وطأة البرودة القاتلة، انغلق فم ديريك.
التفتت دانا عند سماع صرخته القصيرة.
وحين أبصرت المشهد أمامها، ارتفع صوتها المرتجف.
“إدوين، استيقظتَ؟”
اشتاقت إليه.
إلى تلك العينين الحمراوين المفعمتين باللطف، وإلى دفء اليد الكبيرة حين تلامسها، وإلى الصوت الذي كان يغمرها بالمحبة.
جسدها الذي تجمّد طويلًا ذاب فجأة وكأنه عاد للحياة.
وضعت فنجان الشاي، وأسرعت نحوه.
اختفى الضغط القاسي الذي كان يطوّق معصم ديريك.
ملامح إدوين الجليدية انفرجت بليونة، كأن شيئًا لم يحدث.
والأسى الخافت خلف ابتسامته جعَل طرفي عيني دانا يبتلّان.
تلعثمت من شدّة التأثر، لا تعرف ما تفعل.
أما ديريك، فقد وقف عاجزًا عن فهم التحوّل المفاجئ من ذلك التوحّش إلى هذا الهدوء.
همس إدوين بصوت واهن وهو يناديها.
“… دانا.”
“نعم، سأقترب. لا تتحرك.”
كان يبدو وكأن لديه ما يقوله، فاقتربت منه أكثر.
تسرّب صوته المتشقق إلى أذنها.
“أأنتِ… بخير؟”
أن يكون أول ما يفعله بعد أن يفتح عينيه هو الاطمئنان عليها…
أومأت بسرعة.
“أنا بخير. بفضلك… لأنكَ حميتني.”
فقط استرح، ولا تهتم إلا بالتعافي.
أمسكت دانا يده بحنان.
رفع يده الأخرى ليمسّح على رأسها، لكن انقبض وجهه من الألم.
“لا تتحرك. سيؤلمك كثيرًا.”
فاضت دموعها.
“اشتقت إليك… اشتقت إليكَ كثيرًا، إدوين.”
الرؤية المشوشة جعلت كل شيء يبدو كالحلم.
مسحت عينيها، ثم طوّقته بذراعيها.
عادت إليها الحرارة المألوفة لجسده. كانت حرارة اشتاقت إليها لأنها تعرفها جيدًا.
وحين أطلق إدوين أنينًا خافتًا، ابتعدت بسرعة.
“يا إلهي، لم أفكر! سأستدعي أحدًا حالًا!”
وهي تخرج من الغرفة، ظلت تلتفت إليه كل بضع خطوات.
“لا تتحرك، ابقَ مستلقيًا!”
ارتسمت على شفتيه ابتسامة واهنة قد تنكسر، فترددت قليلًا قبل أن تغادر نهائيًا.
وما إن تلاشى وقع خطواتها، حتى صوّب إدوين نظره نحو ديريك.
“ذلك الفم… لا يكفّ عن الثرثرة مهما كانت الظروف.”
كانت الأجواء مختلفة عن اللحظات القليلة الماضية. أجواء خانقة بالحدّة.
“كنت تستمع؟ دون أن تتحرك أيضًا.”
ضحك ديريك بخفة.
“كنتُ أمزح فقط لتخفيف الجو. كانت الآنسة دانا غارقة في الحزن.”
“لا تتحدث إلى زوجتي بعد الآن.”
“عفوًا؟ ألا يبدو هذا… تملّكًا مبالغًا فيه؟”
أراد تحويلها إلى مزاح، فحاول رفع طرفي فمه.
“سمعت أن الجرح كان عميقا، لكنك استيقظت أسرع مما توقعت.”
لا بد أنها قوة حب الآنسة دانا!
رمى نكتته المعتادة، وهو يراقب ملامح إدوين محاولًا قراءة شيء ما خلفها.
لكن ما واجهه كان وجهًا جامدًا بلا أدنى تعبير.
حلّ صمت طويل.
“…….”
“…….”
“فهمت، تريدني أن أغادر.”
نهض ديريك بعد وضوح المعنى.
“سأنصرف إذن.”
ارتدّ صدى خطواته الخفيفة في الردهة، خطوات تناسب طبعه تمامًا.
ظل إدوين يحدق في الكرسي الفارغ الذي كان يجلس عليه.
ديريك تشايلد… منذ صغره وهو شخص خفيف الطبع، يضحك بلا توقف، ويتقرّب من الجميع، ويملأ الجو بالمزاح.
ورغم ذلك، لم يكن يتجاوز حدوده، ولذلك بقي طويلًا قريبًا من إدوين.
لكن ديريك أصبح مؤخرًا مهتمًا بدانا أكثر من اللازم.
وهذا يغيّر الأمور.
أكان السبب كونها زوجته؟
أم هناك ما هو أبعد؟
كان عليه أن يعرف.
أما الجرح، فلم يكن بتلك الخطورة.
إدوين قليل الإحساس بالألم، ومن دون سببٍ واضح كان يتعافى بسرعة هائلة.
في حالته الحالية، كان قادرًا على العودة إلى حياته اليومية دون صعوبة تُذكَر.
رفع نصف جسده المتصلّب قليلًا ليتفحّصه.
ليس سيئًا.
عندها دوّى طرقٌ خفيف على الباب.
“إدوين، طبيب القصر جاء.”
دخلت دانا بحذر من خلال فتحة الباب الصغيرة.
وتبعها كبير أطباء القصر، وكان إدوين يعرفه جيدًا.
‘إذًا تواطأتما معًا.’
اختيار هذا الجناح وتخصيص كبير أطباء القصر لرعايته يشي بقلق الإمبراطور وزوجته.
تبسّم الطبيب وقد بدا عليه السرور.
“أخيرًا استعدت وعيك، صاحـ… لا، سيد إدوين!”
فتح أدواته وبدأ الفحص.
“كانت زوجتك شديدة القلق طوال الوقت. تولّت التعقيم والعلاج بنفسها.”
ضحكت دانا بخجل أمام الإطراء المفاجئ.
“لم تفارق جانبك لحظة. بهذه العناية كان طبيعيًا أن تتعافى سريعًا.”
ازدادت نظرات إدوين عمقًا وهو يتطلّع إلى دانا.
ارتجف وهجُ العينين الحمراوين ببطء، كالجمرة تحت الضوء.
وبعد أن طمأنه على تحسّن حالته، قال الطبيب بارتياح.
“سأنصرف الآن. احرص على ألا تتمزق الجراح.”
“شكرًا لك.”
وكالعادة، رفض الطبيب أن ترافقه دانا إلى الخارج.
عادت بعد ذلك إلى جوار إدوين وبقيت تحدّق فيه طويلًا.
“أيامك بلا وعي كانت عذابًا لا يُحتمل.”
“لا ينبغي لكِ أن تتعذّبي هكذا.”
“أنا سعيدة… سعيدة جدًا لأنك تعافيت.”
ومرت بخيالها أيام مضت.
إدوين مغطى بالدماء الداكنة،
إدوين ممدّد بلا حراك،
إدوين الذي لم يستجب مهما نادت عليه.
“كنت خائفة… خائفة جدًا من أن أفقدك.”
أطبق إدوين برفق على يدها المرتجفة.
“هذا لن يحدث.”
أن يغادر دانا؟ ذلك مما لا يمكن وقوعه.
ولو إنقلب الحال… لو ابتعدت هي…
لكان سيبحث عنها، ويتمسّك بها، ويتوسّل ألا تتركه.
تمتم بنبرة حانية.
“تقولين إنك بقيتِ إلى جانبي.”
“طبعًا، كيف لي أن أرحل عنك.”
لمعت عيناه لمعانًا غريبًا.
تقلّص وجه دانا بأسى وهي تهمس.
“ذلك اليوم… كنتَ خائفًا، أليس كذلك؟”
خائف؟ من ذلك الأحمق؟
حتى أنهب الكاد يذكر وجه جيمي، لكن صوته خرج حزينًا.
“لا… لم أكن خائفًا كثيرًا…”
محاولته لإخفاء الخوف زادت ألمها.
‘ماذا يمكنني أن أفعل؟ إنه يتعذّب…’
فتح ذراعيه نحوها.
“فقط ابقي معي هكذا… هذا يكفي.”
ارتمت بين ذراعيه بحذر.
اشتاقت إليه.
إلى هذا الدفء الصلب، إلى ثقل ذراعيه فوقها.
تبادلا حرارة الجسد طويلًا.
“دانا.”
“نعم.”
انزلقت ضحكة صغيرة من شفتيها أمام صوته المفعم بالمحبة.
“أشعر أن عليّ الاستلقاء الآن.”
“آه، بالطبع… جلست طويلًا جدًا. حسنًا.”
ابتعدت وهبطت على كرسي قرب السرير.
“…….”
لم يستلقِ بعد، بل ظل ينظر إليها دون أن يشيح بعينيه.
“ما الأمر؟ هل تحتاج شيئًا؟”
“قلتِ إنك ستظلين بجانبي، دائمًا.”
ربّت بيده على الموضع الفارغ بقربه على السرير.
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة كأنه يقول ما الذي تنتظرينه؟
“السرير واسع، أليس كذلك؟”
احمرت ملامح دانا دفعة واحدة.
“إ–إدوين… أنت مريض الآن…”
“آه… أشعر بالخوف. أظنّني سأكون بخير لو احتضنتِني فقط.”
خوف…؟
تذكرت دانا قرارها قبل قليل.
‘صحيح… أنا مَن سيحميه الآن.’
ابتلعت ريقها وصعدت إلى السرير.
وما إن استلقت بحذر، حتى جذبها إليه بسرعة لم تمهلها للدهشة.
شهقت.
قبل أن تستوعب ما حصل، كان قد جعل ذراعه وسادة لرأسها.
رمشت بعد توتر مفاجئ.
ثم انساب صوته الخافت فوق رأسها.
“أشعر بالنعاس.”
“ص–صحيح؟ إذن عليك أن تنام فورًا.”
وحين حاولت الإفلات من حضنه، ضحك بخفوت وأعاد شدّها إليه.
“تصبحين على خير.”
ثم راح تنفسه يهدأ بانتظام.
“إدوين… هل نمت؟”
بقيت ثابتة كي لا توقظه.
ومع مرور الوقت ثقلت جفونها بدورها.
وحين شعر بوزنها يستقر على ذراعه، وسمع أنفاسها القصيرة الناعسة، فتح عينيه.
من المؤكد أنها سهرت ليالي طويلة تعتني به.
والآن، بعد أن زال الخطر، انهار التعب المتراكم.
“أحلامًا سعيدة، دانا.”
طبع قبلة على جبينها.
التعليقات لهذا الفصل " 67"